Define your generation here. Generation What
تدوينة: خمسة أفلام ينصح السيساوي رئيسه بمشاهدتها
 
 

في عام 1949، قبل ثلاثة أعوام فقط من حركة الضباط الأحرار المباركة, وبعد عام واحد من عودته من حرب فلسطين, قرر شابٌ مصريٌ يدعى “جمال عبد الناصر”، بحسب ما أورده موقع “دوت مصر”، قطع تذكرة سينما لدخول فيلم أمريكي عنوانه “إنها حياة رائعة“، وبعد مشاهدة الفيلم قطع تذكرة ثانية ودخل لمشاهدته مرة أخرى, وفي اليوم التالي عاد مع صديقه عبد الحكيم عامر ليشاهد معه الفيلم مرة ثالثة.

وبعد الثورة مباشرة طلب عبد الناصر من الشركة المنتجة نسخة من الفيلم، وعَرَضَها في معسكرات الجيش. وفي 4 مارس 1953 كتب مقالًا عن الفيلم في مجلة “آخر ساعة” بعنوان “قصة أثرت في حياتي”، ووصف فيه الفيلم بأنه “من أقوى المؤثرات المعنوية في حياتي”, وأضاف: “ولو استطعت أن آخذ معي كل مواطن إلى دار السينما التي كانت تعرض هذا الفيلم لما ترددت”.

“إنها حياة رائعة.. It’s a Wonderful Life” فيلم أُنتج عام 1946، أخرجه فرانك كابرا, وتدور قصته حول ملاك يظهر لرجل كان على وشك الانتحار فتتغير حياته ورؤيته لقيمة الحياة للأبد. صنَّفه معهد الأفلام الأمريكية كواحد من أفضل 100 فيلم أمريكي على الإطلاق. وفي المقال كشف عبد الناصر عن سر تعلقه بالفيلم حين قال: “[يعد] الفيلم تصويرًا صادقًا لإحساسي بقيمة الفرد, وبإيماني أن فردًا واحدًا يستطيع أن يغير تاريخ أمة, وربما وجه تاريخ العالم”، وذلك بعد أن كان قد اشتكى من قلة حماس المواطنين: “كان أكثر ما يمزق أعصابي في الأيام الأولى للحركة, هو أني أحسست أن كثيرين من أبناء الوطن وقفوا موقف المتفرج, ينظر إلينا, ولا يزيد جهده معنا عن الحماسة والتصفيق”.

ولأنني أعرف أن الرئيس السيسي شديد الإعجاب بالرئيس عبد الناصر, لدرجة أنه وافق على إطلاق اسم اﻷخير على أول حاملة طائرات مروحية تحصل عليها مصر من فرنسا, فقد أوحى لي مقال عبد الناصر باقتراح مجموعة قصيرة من الأفلام على الرئيس السيسي، قد تغير رؤيته أيضًا للحياة السياسية, وتساعده بأفكار جديدة ومبدعة تعينه على مهمة الحكم الثقيلة التي ينوء بها.

الفيلم الأول، اثنا عشر رجلًا غاضبًا، (1957):

تدور قصة الفيلم في محكمة أمريكية حول لجنة من المحلفين مكونة من إثني عشر شخصًا، عليهم اتخاذ قرار واضح إزاء قضية قتل؛ هل الطفل المتهم مذنب أم غير مذنب؟ في بداية الأمر أجمع 11 شخص منهم أن الأدلة دامغة على أن المتهم مذنب تمامًا, لكن الأمر ينقلب لعكسه مع نهاية الفيلم, حيث يقوم المحلّف الثاني عشر بتغيير وجه نظرهم واحدًا واحدًا, بصبر ومنطق وأناة, ليقنع الجميع ألا دليل دامغ يثبت التهمة على المتهم, وبالتالي يصدرون حكمهم بأن الطفل المسكين غير مذنب!

أعتقد أن “اثنا عشر رجلًا غاضبًا” قادر على تزويد الرئيس بآليات الجدال مع تيارات المعارضة, بحيث يصبح قادرًا بمفرده على إقناعهم جميعًا وإثبات أن الرأي الحكيم ليس بالضرورة رأي الأغلبية ولا حتى رأي الصناديق, وأنه وحده قادر على الانتصار على الكثرة بالمنطق. وبالتالي ينساق الجميع في النهاية لحكمته وينضمون لمعسكره, بدلًا من الصداع الذي يمثلونه والشوشرة الكبيرة التي يقومون بها أمام كل قرار وكل قانون وكل مشروع قومي, مما يمثل عائقًا حقيقيًا أمام رؤية الرئيس وطموحه.

الفيلم الثاني، “هِز الكلب”، (1997):

هز الكلب

إذا كان سيادة الرئيس غاضبًا من الإعلام المصري الجاهل والمقصر في معرفة الحقيقة, فإن النتيجة المنطقية تكون أن الإعلام ينتقد الرئيس ويعرقله لمجرد العرقلة وليس من باب الموضوعية وباب النقد البناء. ولأن الرئيس اعترض بشكل مباشر على أداء الإعلام المخزي, وغضب علانية قائلًا: “مايصحش كده”, فأعتقد أن فيلم “هز الكلب”، هو الأنسب لإعطاء الرئيس فكرة عن الكيفية التي يمكن له بها تحريك الإعلام والرأي العام، بنفسه وبمنتهى السهولة والكفاءة لتحقيق التأثير المنشود. يتحدث الفيلم عن رئيس أمريكي يتورط في فضيحة جنسية قبل الانتخابات مباشرة, فيستعين بخبير من هوليود ومتخصص في “لي الواقع” Spin-Expert, لفبركة خبر اندلاع حرب كاملة، بهدف شغل الرأي العام, حيث يعتقد الشعب الأمريكي أن هناك حربًا وخطرًا في ما لا يتعدى في الحقيقة مجرد ديكورات ومؤثرات وممثلين.

لا أريد بالطبع للرئيس التورط، من قريب أو من بعيد، في أي نوع من أنواع الكذب والخداع والتمثيل, ولا أريد له أيضًا -حاشا لله- التورط في شغل انتباه الرأي العام عن الكوارث التي تحدث في الدولة، عبر فبركة كوارث أخرى. لكن ما أريد لفت نظره إليه هو أن الاستعانة بخبراء إعلام على أعلى مستوى سيمكَّنه بمنتهى السهولة من توضيح وإبراز إنجازاته -التي لا يريد أحد الالتفات إليها- للرأي العام وتوضيح مدى عمقها وتأثيرها, وكذلك الأخطار الرهيبة المحيطة بنا والمجهود الجبار المبذول، ولا يزال يُبذل حتى هذه اللحظة، من أجل مجابهتها. حينها لن يحتاج الرئيس للإعلام، ولن يحتاج ليصرح بـ”ما يصحش كدا” مرة أخرى, لأن الكلب لن يكون في أيديهم، وإنما في يده، ليهزه كيفما يشاء.

الفيلم الثالث: “خطاب الملك” 2010:

خطاب الملك

في الفيلم الحائز على أربع جوائز أوسكار، تُحكى قصة ملك إنجلترا الشاب جورج السادس الذي يجد مقاليد الحكم قد آلت إليه فجأة, فيستعين بخبير في النطق والإلقاء ليساعده في التواصل مع الشعب وتحريك مشاعره وإلهابها، عبر خطاباته المختلفة، سواء في الراديو أو التليفزيون أو الخطابات الحية.

مبدئيًا، لا مشكلة لدى الرئيس في النطق, فكل مخارج حروفه سليمة وممتازة، وإنما المشكلة في طبيعة خطاباته العاطفية والصادقة والنابعة من أعماقه، والتي تعكس حنانًا غامرًا ورقَّة عظيمة تتمثل في عبارات من نوعية “إنتو مش عارفين إنكم نور عنينا ولا إيه”، أو “والله العظيم لو ينفع أتباع لاتباع”، وهي العبارات التي يفهمها جيدًا البسطاء من عامة الشعب المصري الجميل, لكن الخبثاء، في الداخل والخارج، يتلقفونها ويحاولون بها زورًا إثبات ضحالة رؤية وثقافة الرئيس ومدى سطحية وشعبوية خطابه.

سيلفت هذا الفيلم نظر الرئيس لضرورة الاستعانة بالمتخصصين مرة أخرى، لإثبات أن لديه القدرة الفذة على تطوير خطابه، كي يسحق من في الداخل والخارج، سواء كانوا من البسطاء أو المثقفين، وكي يخرسهم إلى الأبد، ويؤكد لهم أن لديه من الرؤية والاستراتيجية والعمق والتبصر، وفي نفس الوقت من البلاغة والبساطة، ما يجعله أفضل من خطابات مفوَّهي التاريخ، على شاكلة ستالين وتشرشل وهتلر، بل ومبارك نفسه.

الفيلم الرابع، “1984”، (1948):

1984

تقع أحداث الفيلم، الذي عرض عام 1984 عن رواية الكاتب الإنجليزي الكبير “جوروج أورويل” التي انتهى من كتابتها عام 1948 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بوقت قصير، في دولة “أوشينيا”، حيث الحكم الشمولي والرقابة الحكومية والتلاعب بالجماهير والعالم الذي لا تهدأ فيه الحرب. يحكم أوشينيا من يطلَق عليه اسم “الأخ الأكبر”، ويتحكم في مقاليد الأمور عبر وزارة الحقيقة (المعنية بتزوير الحقائق), ووزارة الحب (المعنية بالتعذيب وغسل الأدمغة), ووزارة السلام (المسؤولة عن الحرب), ووزارة الوفرة (المعنية بإنقاص الموارد وترشيد الاستهلاك).

ورغم سمعة الرواية السيئة في مصر، والتي دفعت جهاز الشرطة للقبض على المتورطين في الحصول عليها وحملها، إلا أنها كأي عمل ثقافي وأدبي، يمكن للمتلقي الذكي والخبير أن يحصل على الحكمة من داخله، وعدم اتباع الغث الخبيث.

ما اقترح على الرئيس استخلاصه من الفيلم هو الكيفية التي يمكن التعامل بها مع أجهزة الدولة، التي يبدو أنها لا تشاركه رؤيته التقدمية لمصر, ولا تزال تعمل حتى هذه اللحظة بنفس الأساليب القديمة, بدءًا من السرقة والفساد والظلم وتزييف الوعي، ومرورًا بالقهر والتعذيب والتلفيق. ورغم أنه حتى في أكثر الدول الغربية تقدمًا وأرسخها ديمقراطية, توجد أجهزة لا تزال تعمل بالمنطق القديم, لكن رأس الدولة قادر على اقتراح حلول فعالة ودستورية تمامًا تحيِّدها, مثلما فعلت الولايات المتحدة حينما قررت منع التعذيب تمامًا على أراضيها وإيكاله إلى عملاء في دول صديقة من دول العالم الثالث, كانت من ضمنها مصر في العهد المباركي/العمرسليماني البغيض.

الفيلم الخامس، المصفوفة“، (1999):

المصفوفة

لن أرهق الرئيس بالطبع باقتراح مشاهدة جميع أجزاء ثلاثية “المصفوفة.. The Matrix”، وإنما يكفي فقط أن يتفضل بأخذ فكرة عن الجزء الأول الذي يحكي عن عالم البشر وقد تحكمت فيه الآلات وأخضعته لسيطرتها بعد حرب عنيفة انتصر فيها “الذكاء الاصطناعي”، محوّلًا البشر لمجرد مصدر رخيص للطاقة، يُزرعون زرعًا في مصفوفة صناعية عملاقة، يتحكم فيها بدوره برنامج كمبيوتر يضع أمخاخ المأسورين في غيبوبة تسيطر عليها حياة افتراضية, بينما هم أسرى تُمتصُّ طاقتهم لصالح الآلات.

هل هناك مؤامرة على مصر؟ هل نعيش في مصفوفة يريد غيرنا حبس إرادتنا وعقولنا فيها وامتصاص طاقتنا لصالحه؟ لا يوجد عاقل ينكر ذلك، بل إن العقلاء يدركون أننا لا نعيش في مواجهة مؤامرة واحدة، بل خمس على الأقل، وهناك من هم أكثر اطلاعًا وتشاؤمًا ممن يؤكدون أنها سبع مؤامرات.

في الفيلم تؤكد العرّافة للشخصية الرئيسية “نيو” أنه هو ” المخلِّص”، تمامًا مثل الرئيس الذي قيل أن بشارات جاءته من عالم الرؤيا، وأن نيو هو من بإمكانه تخليص الشعب من المؤامرة ومن أسر المصفوفة. ورغم قسوة المؤامرة ومحاولات إحباط عزيمة “نيو” وإقناعه أن العرّافة على خطأ, وأنها خدعته وأنه ليس المخلص المختار، إلا أنه يستمر في الإيمان بنفسه لدرجة أنه يتمكن بيده العارية من صدَّ الرصاصات التي تهدد أمن الوطن.

النقطة التي أتمنى أن ينتبه الرئيس إليها هي أنه إن لم يثبت فعلًا أنه “مخلِّص” هذا الوطن، فلا يجب عليه أن يحزن أو أن تثبط عزيمته, بل عليه الاستمرار جاهدًا في مجابهة المؤامرة، إن لم يكن كـ”رئيس”، ففي أي موقع آخر يستطيع فيه خدمة الوطن بإخلاص.

أخيرًا, فقد استشرت مجموعة منتقاة من الأصدقاء المتخصصين في متابعة أحدث وأرقى الأفلام الأجنبية، وخصوصًا من أفلام الجيل السادس المعتمدة على نشر مفاهيم سرية في خبايا أحدث إنتاجات استوديوهات هوليوود, وقد أكدوا ضرورة مشاهدة الرئيس لأفلام من عينة “حروب الجوع“, “ڤي فور ڤينديتا“، و”جلادياتور“، من باب تحذير الرئيس من إمكانية اندلاع ثورة جديدة تهدد استقرار البلاد وتضعنا في مصاف الدول المنهارة مثل سوريا والعراق وبريطانيا (التي استُهدفت مؤخرًا، بإخراجها من الاتحاد الأوروبي، بما يمثله ذلك من انهيار لاقتصادها ولأمنها القومي)، إلا أنني كنت شديد الاطمئنان لكون الرئيس، الذي حذر قبل 25 يناير 2011 من قيام انتفاضة شعبية، قادر على توقع أي ثورة قادمة والاستعداد لها بحكمة واقتدار.

اعلان