Define your generation here. Generation What

بالعامية: القضاء والثقافة، والاستخدام القضائي للشريعة الإسلامية

صديقتي العزيزة، عايز منك ترخي حبال صبرك معايا لما تقري السطور الجاية، ويا ريت تنزعي حزام أمان وطنيتك، عشان هذا الموضوع مرتبط بمسألة مبدئية مضمونها “هل يجوز التعليق أصلًا على أحكام القضاء؟”

التعليق على أحكام القضاء

الإجابة على التساؤل مرتبطة بمفهوم مهنة القاضي والنظرة الاجتماعية له، وللعلم يوجد مدرستين في الموضوع، مدرسة بتشوف القاضي على إنه آلة حيادية، دورها تطبيق القانون بموضوعية، وبغض النظر عن الأهداف السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي صدر القانون لأجلها، نظرة مؤداها إن القاضي “فم القانون” على رأي إخواننا الفرنجة. النظرة دي منتشرة في الغالب داخل المؤسسة القضائية ومؤسسات الدولة بصفة عامة في دول زي مصر وفرنسا، والغرض منها خلق نوع من الأسطورة تنفي أي ادعاء بتسييس للأحكام، وبالتالي تحصر التعليق على الأحكام في المجال القانوني البحت، يعني يبقى التعليق من حق المتخصصين من القضاة أنفسهم والمحامين وأساتذة الجامعات والباحثين، ومن خلال قنوات شرعية زي أحكام الطعن أو المحاضرة أو المقال العلمي (من غير ما ننسى طبعًا طلبة حقوق الذين يتعلموا من سنة أولى يستخدموا عبارة “أخطأت المحكمة” في جملة مفيدة).

وبسبب النظرة التحييدية أيضًا، البعض داخل المنظومة القضائية بيدعي إن التعليق على أحكام القضاء أصلًا جريمة جنائية في قانون العقوبات، وبيستندوا للمادة 186 المرتبطة بالإخلال “بمقام قاض أو هيبته أو سلطته في صدد دعوى”، وكمان المادة 187 الخاصة بنشر “أمورًا من شأنها التأثير في القضاة… أو التأثير في الشهود … أو التأثير في الرأي العام”، ووفقًا لهذا الرأي فمناقشة الأحكام القضائية في الجرائد أو الفضائيات تعرِّض فاعلها للمساءلة القانونية. هنا أحب أحقن جرعة حجج قانونية للنقاش، وهي تعريف محكمة النقض (أعلى محكمة مختصة بتفسير القانون) لمفهوم الإهانة، بإنها تنطوي على ازدراء وحط من الكرامة في أعين الناس، يعني مش أي مناقشة لأحكام القضاء تبقى جريمة؛ التعليق الموضوعي مش جريمة إلا لو وصل لدرجة من الجسامة بحيث يعتبر إهانة. وبسبب ندرة الأمثلة على الموضوع في مصر، أعطي أمثلة من فرنسا التي قليلًا ما لاحقت هذه الجريمة: حصل في 2013 إن مستشار رئيس الجمهورية السابق نيكولا ساركوزي صرَّح في عدة وسائل إعلامية (بعد قرار قاضي التحقيق اتهام ساركوزي في قضية كبيرة) إنه “يرفض أسلوب القاضي في أدائه لعمله، وأنه أهان ساركوزي ومؤسسات الدولة والقضاء بحكمه”، ورغم ما قد يظهر من فداحة القول، حكمت المحكمة ببراءته من تهمة إهانة القاضي عشان اعتبرت إن الموضوع مرتبط بقضية عامة وإنه لم يتجاوز الحدود المقبولة لحرية التعبير، يعني التعليق لازم يوصل لدرجة من التجريح زي ما حصل سنة 1974 في فرنسا أيضًا لما أحد المعلقين وصف حكم قضائي بإنه “حكم طبقي” ووصف القضاة بإنهم “خدام الرأسمالية”، بعد أن شتمهم بألفاظ خارجة. هنا محكمة النقض الفرنسية اعتبرت إن المتهم تجاوز حدود النقد المسموح وأكدت عقوبته.

شوية التنظير السابق يفهمونا الأحداث الحالية الأتية:

  1. مبادرة المستشار محمد حسين أيوب في أول السنة، اللي رفع دعوى على عدة جهات منها مجلس الوزراء واتحاد الإذاعة والتلفزيون والنايل سات بيطلب فيها حظر التعليق على أحكام القضاء – بالحلو أو الوحش – بسبب غياب الدقة والمهنية (محكمة عابدين قضت إنها مش مختصة بنظر الدعوى).

  2. بيان النيابة العامة الخاص بحظر النشر في التحقيقات الخاصة بعمرو بدر ومحمود السقا اللي صرحت فيه إنه “يتعين على الجميع الإمساك عن تفسير وتأويل نصوص القانون، وترك الأمر في هذا الخصوص إلى النيابة العامة صاحبة الولاية في هذا الشأن بموجب الدستور والقانون.”

ما سبق كان ملخص لمفهوم المدرسة الأولى عن مهنة القضاء.

نروح بقى للنظرة الثانية للقاضي، اللي على عكس الأولى، تعظم من دور القاضي وتعطيه نوايا وقدرة فعل عالية. وبالتالي، فأي حكم بيصدر منه لازم تبحث له عن موقف سياسي وانتماءات أيديولوجية وأذواق شخصية، تفصل الحكم عن المنطق القانوني، وبالتالي تضع القاضي في قلب معركة الصراع على السلطة، هذه النظرة نجدها منتشرة أكثر في أمريكا، حيث لا حرج إن باحث قانوني أو ضيف تلفزيوني يتحدث عن الانتماءات الحزبية لقضاة المحكمة العليا الأمريكية وتأثير الاتجاهات السياسية، المحافظة أو الليبرالية، على الأحكام.

خلاصة القول في المسألة إن النظرتين – لوحدهم – لا يتسموا بالعملية، بمعنى إن نظرة الحياد بتفصل القاضي تمامًا عن الواقع الاجتماعي، ونظرة النوايا بتأثر على الهالة التي أرى أنها يجب أن تحيط بمهنة القضاء عشان الناس تثق بأحكامه. والواقع يقول إن القاضي لمَّا يعرّف مفهوم زي “خدش الحياء العام” أو “ازدراء الأديان” بيستند إلى تطور المفهومين في المجتمع ذاته، بمعنى إن نص القانون مش بيحدد معنى الازدراء مثلًا، والحياء العام مش مفهوم جامد، بل متغير زمانًا ومكانًا، فالقاضي هنا، وفقًا لقراءته للترمومتر الثقافي للمجتمع، بيضيَّق أو يوسع هامش “حرية التعبير”. والترمومتر دا بيشمل السياسي والشعبي على حد سواء، بس مش لازم يبقى معناه إن القاضي يتصرف وفقًا لتوجيهات أو هوى. وعشان هذا المكون الثقافي بالذات، أنا شايف إنه مهم جدًا تكون الأحكام مطروحة للنقاش في المجال العام، عشان تطبيق القانون في القضايا العامة مرتبط جدًا بالثقافة السائدة، والحوار سيكشف موقف هذه الأخيرة من الموضوع، وبالتالي لو المجتمع رافض للنتيجة التي رتبها الحكم القضائي، ممكن يطالب برلمانه بتعديل القانون بما يتلاءم مع اختياراته، وكل دا بصورة تحترم القيود القانونية، ولا يكون الهدف منها التجريح أو الإهانة، ومن غير ما يؤخذ الأمر بحساسية من جانب القضاة، لإن عملهم طبيعي يثير مسائل خلافية (بالذات لما الحكم يمس مفاهيم عامة زي حرية التعبير، مش تحديد شروط البيع التأجيري مثلًا).

عشان أختم في هذه الجزئية، اسمحيلي يا صديقتي استعين بتشبيه بعيد شوية، الفيزياء النظرية. هذا العلم، وبسبب تناقضات داخلية حصلت له، اعترف منذ فترة بنظرية “الأكوان الموازية“، والنظرية تقول ببساطة إن عند كل مفترق طرق فيه اختيار، كل الاحتمالات بتحدث فعلًا، بمعنى إن اختيارك للبلوزة النيلي بدل التركواز النهاردة الصبح حصل في العالم دا، ولكن في عالم موازي انتي اخترتي التركواز، وفي عالم ثالث قررتي تكسلي و ما تروحيش الشغل أصلًا، وكل هذه الأكوان لا تقاطع بينها (ما عدا في أفلام جيت لي) وليس لها تأثير على بعضها البعض. انطلاقًا من هذا التصور، يضع البعض المنظومة القضائية (أو تضع نفسها) في عالم موازي منفصل عن عالم المجتمع، ودا على غير الواقع، لإن زي ما بتتسرب الثقافة السائدة إلى القضاء، فإن ما يصدر عن المنظومة القضائية من أحكام له تأثير في حياة الناس، تأثير على حقوقهم وواجباتهم وحرياتهم العامة، وبالتالي وضع القضاء في عالم موازي عمل غير مقبول ديمقراطيًا، وغير متحقق فيزيائيًا.

الشريعة الإسلامية في الأحكام القضائية

وبناء على التحليل السابق، سأعرض لمجموعة أحكام مرتبطة بالحريات العامة، تم فيها استخدام الشريعة، يعني توظيفها كوسيلة أو أداة في غير محلها، للوصول لنتيجة قانونية معينة من خلال وزنها الثقافي والاجتماعي، وصولًا لنقد مضمون هذا الاستخدام.

ولكن قبل ما أشير للأحكام، سأعرض للمبادئ الأساسية في الموضوع.

المحكمة الدستورية العليا قالت في حكم ليها سنة 1985 إن المادة الثانية من الدستور بتخاطب المشرِّع مش القاضي. هذا الحكم فيه نقطتين مهمين: الأولى، إن المحكمة بتؤكد إن المادة الثانية مكانها في البرلمان حصريًا، يعني نواب الشعب المنتخبين لما يحبوا يصدروا قانون في مسألة معينة زي تنظيم المظاهرات أو الحبس الاحتياطي يبحثوا عن موقف الشريعة من الموضوع، وفي الحالة الوحيدة التي يجدوا فيها نص صريح، قطعي، لا خلاف عليه بين الفقهاء، يقولبوه في شكل قانون. الحالات دي نادرة جدًا طبعًا عشان مفاهيم زي “المظاهرات” و”الحبس الاحتياطي” لم تُذكر صراحة في أصول الشريعة، وهنا بتؤكد المحكمة الدستورية إن الحالات السابقة (التي لم تنظمها الشريعة) والحالات التي فيها خلاف، متروك أمرها للبرلمان الموقر يجتهد فيها على حسب الظروف الزمانية، والذي من شأنه التيسير على المواطنين. النقطة الثانية ودي الأهم، إن القاضي مش من حقه يطبّق الشريعة الإسلامية طالما البرلمان لم يقننها، يعني طالما لم يصدر قانون يتبنى الشريعة، القاضي لا يملك إنه يطبقها من نفسه، لأنها ليست “واجبة الإعمال بذاتها ومن فورها”، على حسب تعبير المحكمة.

القضية الأولى التي تهمني هي حكم حبس رنا السبكي بسبب فيلم “ريجاتا” (السبكي حصلت على براءة في الاستئناف)، وللأمانة أنا لم أشاهد الفيلم ولا البرومو وبالتالي رأيي في الحكم مش تقييم للمحتوى. محكمة جنح الدقي، بعد مقدمة أدبية أكثر منها قانونية، بتقول: “وإن كان حق الإبداع من الحقوق التي كفلها الدستور إلا أن ذلك الإبداع مقيد بالدستور أيضًا الذي أورد في مادته الثانية أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ومن ثم فإن الإبداع لابد أن يكون مقيدًا بما أوجبته علينا تلك الشريعة من عدم إثارة الفتن وحسن تربية النشء “. المحكمة بتعمل موازنة بين الحق في الإبداع من ناحية، واحترام الدستور (والقوانين أيضًا) من ناحية ثانية، لكن المشكلة في منطقها إنها استخدمت المادة الثانية كقيد على حرية الإبداع من غير حق (زي ما وضحنا في حكم المحكمة الدستورية). هنا بيظهر الاستخدام القضائي للشريعة، يعني الرغبة في الوصول لنتيجة قانونية معينة من خلال استخدام الوزن الثقافي والاجتماعي للشريعة في غير محله، وعلى فرض إن لجوء المحكمة للشريعة هنا صحيح (لهواة التنظير)، فالمحكمة لم تبين الأصول والأسانيد التي اعتمدت عليها عشان توصل للمبدأ بتاع عدم إثارة الفتن وحسن تربية النشء، يعني اعتمدت على عموميات ولم توضح لنا النص الصريح القطعي غير المختلف عليه.

مثال أوضح للاستخدام القضائي للشريعة هو حكم المحكمة الإدارية العليا الخاص بجعل الإضراب المعطل للمرفق العام مخالفة إدارية (للعلم الحكم لم يجرم الإضراب – لأنه لا يملك ذلك – ولم يجعله مخالفة إدارية في جميع الأحوال). ومع اتفاقي مع النتيجة، يظل تسبيب المحكمة فيما يتعلق بالشريعة ملفت جدًا، وخلينا نبدأ بلمحة تاريخية، وبعدين ملاحظة عامة، وننهي بالتعليق:

اللمحة التاريخية إن سنة 1986 موضوع الحق في الإضراب اتعرض على محكمة أمن الدولة العليا (طوارئ)، والإضراب كان مُجرَّم في قانون العقوبات، وعلى الرغم من ذلك، حكمت المحكمة ببراءة عمال السكة الحديد لأن مصر مصدقة على اتفاقية دولية تضمن الحق في الإضراب.

الملاحظة العامة إن الدولة المصرية بتتحفظ على كل المعاهدات الدولية بطريقة ميكانيكية، والتحفظ دائمًا مضمونه أن مصر لن تطبق نصوص المعاهدة التي تخالف الشريعة الإسلامية، وهو في الغالب بيبقى تحفظ مقصود لعدم المساس بعقوبة الإعدام وتجميد حقوق المرأة على وضعها.

من هنا نقدر نروح للتعليق على حكم المحكمة الإدارية العليا. المحكمة استخدمت مبدأين من الشريعة الإسلامية عشان تعتبر الإضراب مخالفة، درء المفاسد والطاعة الرئاسية، في حين إن ترسانة الشريعة الإسلامية (لو فرضنا برضه صحة لجوء المحكمة لها) مليئة بالشواهد التي تشجع على “تقويم” الحاكم عند الخطأ، وحرية بل وضرورة التعبير عن ذلك، زي الحديث النبوي “أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، وأيضًا حديث أبو بكر إنه مش معصوم بوحي وإنه بشر، وبالتالي قال للناس: “إن أخطأت فقِّوموني”، وكذلك حديث عمر الذي يشكر فيه ربنا “الذي جعل في أمة محمد من يقوِّم عمر بسيفه”، وأضاف كمان: “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فيّ إن لم أسمعها”. من هنا لما المحكمة الإدارية العليا تقرر إن “الشريعة الإسلامية لا تبيح هذا المسلك، ليس بما فيه من إضرار بالناس فحسب، بل لأنه يعد تمردًا على السلطة الرئاسية رغم أن طاعة الرئيس واجبة”، فهي بتفتح مجال لتسريب ثقافة “ما تسمعوش كلام حد غيري. اسمعوني أنا وبس”، من خلال الوزن الرمزي للشريعة الإسلامية، وذلك على الرغم من وجود شواهد تقرر العكس. والانتقائية التي مارستها المحكمة (بوعي أو بلا وعي) هي محل النقد هنا.

نفس منهج الاستخدام سنجده بدرجة أخف في قضايا إسلام البحيري وأحمد ناجي. تطبيق الشريعة مش “مباشر” زي في القضايا التي عرضناها، لكن الشريعة دخلت كعنصر مساعد على تفسير القانون بالذات بالنسبة لمضمون “الازدراء” ومضمون “الحياء العام”، بطريقة مرسلة وبدون تحديد أصولي. وهذا المسلك بيحجر على الحوار وبيدخلنا في حلقة مفرغة، حيث يكون الدين (بالمفهوم القضائي) أساس سلب حرية من يناقش قضاياه (بالمفهوم الثقافي).

حتى لا أطيل عليكي يا صديقتي، فخاتمة القول إن المحاكم لازم تبقى أماكن توفيق وصياغة لـ”الحوار المجتمعي” حول القضايا العامة، مش أماكن فرض وإلزام، بالذات في مسائل خلافية ومفهومها واسع زي الشريعة الإسلامية. من هنا أحب أرجعك لفرنسا تاني عشان نأخذ العبرة؛ في فترة التسعينات كانت بدأت المشكلة (القديمة الحديثة) الخاصة بارتداء الحجاب في المؤسسات العامة وبالذات في المدارس. المؤيدين لمنع الحجاب رفعوا دعاوى في المحاكم واستندوا لمبدأ العلمانية (الواسع والخلافي والذي يملك قدسية في فرنسا تقترب من قدسية الشريعة في مصر). المحاكم الفرنسية، حسب اللي بيقوله أوليفييه روا في كتابه “الجهل المقدس، زمن الدين بدون ثقافة“، طوال فترة التسعينات رفضت منع الحجاب في المدارس من حيث المبدأ ورَمَتْ الكرة في ملعب المشرِّع الفرنسي (الذي أصدر في 2004 القانون الخاص بالرموز الدينية في المدارس العامة). يعني المحاكم قدَّرت إن هذه المسألة لا يمكن أن يكون الحسم فيها قضائيًا، والمجال الوحيد لذلك هو البرلمان، ومن خلال ممثلي الشعب.

رجوعًا للمحروسة، خلينا نقول إن استخدام الشريعة “في غير محلها” كوسيلة لتقوية حجة قانونية ضعيفة، هو تقليل لقدر الشريعة والقضاء على حدٍ سواء، ويؤكد كمان على تحليل إن القضاء مشculture-proof، بمعنى إن القضاء ليس منعزلًا عن المكون الثقافي السائد في المجتمع، هذا المكون الذي يصبح بسببه من صميم مهنة رجل الشرطة القبض على المفطرين في نهار رمضان، ويتحول مقاطع الانتخابات لشخص عاقٍ لوالديه، ويصبح المعارضون للنظام – وفقًا لوكيل وزارة الأوقاف – “بغاة يجب قتلهم“، وللحديث عن الاستخدام السياسي للشريعة بقية.

اعلان
 
 
أحمد القهوجي