Define your generation here. Generation What

الانقلاب التركي بعدسة مصرية: مأزق اﻹسقاط المفرط

أحد أبرز دلائل خلل التحليل السياسي لدينا، أنه في مجمله قد أسقط حالة مصر في 2013 على ما جرى ليلة الجمعة في اسطنبول وأنقرة وعدد من المدن التركية، ربما تحصيلًا لانتصارات معنوية في جدالات الاستقطاب السياسي الحادة لدينا، والتي استفحلت على إثر الانقلاب في مصر.

ولعله من التزيُّد البدء بتذكير القارئ بأمر يبدو بديهيًا، وهو أن الانقلابات ليست كلها واحدة، لا في شكلها ولا طبيعتها ولا حتى مآلاتها، فالمقاربة بالطريقة التي سادت عبر اليومين الماضيين بدت من كل باب متعسفة، يضللها الهوى السياسي، وتغيم فيها حقيقة جلية، وهي أن انقلاب العاشرة من ليل الجمعة 15 يوليو في تركيا لا يختلف جذريًا وحسب عما رأيناه في مصر، بل وينبو تمامًا عن سوابقه التي وقعت باسم حماية الكمالية والدستور في ستينينات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

ولعلنا نلحظ هذا التجاهل التام في ما صدر عبر الأيام الماضية لحقيقة أن الجناح العلماني (الكمالي) في الجيش التركي هو من أنقذ بتحركاته أردوجان من تمرد الموالين لفتح الله جولن (الإسلامي) ممن ينسب إليهم الرجل مؤامرة الانقلاب عليه.

هذه الرغبة في جر التحليل لحديث عن “مؤسسة عسكرية منقلبة بكاملها” يكشف مأزق الاختزال الكبير للحالة التركية لتناسب عدسات الواقع المصري، التي يرتديها المستقطَبون عندنا. تشير المعلومات الآتية من أنقرة واسطنبول أنه بخلاف قطاع واسع في الجيش رفض التمرد (وليس قوى الأمن والجندرمة المتأثرة بالولاء لأردوجان وحدها)، وتحرك فعليًا لمواجهة الانقلابيين، وعطَّلَ خروج المزيد من القوات المسلحة للسيطرة على الدولة ومواجهة الجماهير، فقد توجه عدد غير قليل من الضباط الكبار العاملين والمتقاعدين في الجيش التركي عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي إلى الجماهير برسالة واضحة في رفضها للانقلاب من أول لحظاته، ومنهم رئيس الأركان السابق باسبوج. ولا يمكن بحالٍ تجاهل الرفض البطولي من جهة خلوصي أكار رئيس الأركان، وعدد كبير من القيادات، لمحاولات الضغط عليهم من الانقلابيين، التي وصلت لتهديد الحياة، ورفض أكار بحسب ما أفادت شبكة “إن تي في” التركية اﻹقرار بسيطرة الانقلابيين على الحكم، أو توجيه الأوامر العليا لكل قطاعات الجيش بالاستجابة لهم. والمثير أكثر هو أننا لم نجد ما يشير لتورط القيادة العامة للأركان، أهم مكون معبر عن الجيش التركي، والتي قادت الانقلابات الأربعة السابقة، في دعم ما جرى، بل ربما العكس هو الصحيح. لم يظهر أي من هذا في صحفنا وقنواتنا ولا في تعليقات الغالبية من محللينا رغم مركزيته في فهم الحدث. يعكس اختزال الحالة التركية في تصورات وصور إعلامية ملخصها “الجيش ضد أردوغان”، و”الشعب مع أردوجان ضد الجيش”، تبسيطات مخلة، وحالة من التحليل بالرغبات وليس بالمعلومات.

انقسام الجيش، مع وقوع المواجهة المسلحة بين فصائله، كان قاصمًا للانقلاب أكثر من أي عامل آخر. هذه الحقيقة تكشف التباعد بين الحالة التركية وحالتنا مع انقلاب 2013. فالأخير نجح دون شك بسبب “وحدة” المؤسسة العسكرية، المعززة بتحالف ضمَّ بقية قطاع الدفاع والأمن ومجمل البيروقراطية والقضاء، فضلًا عن تمتعه بظهير شعبي عضَّد مشروع الانقلاب. والمتأمل للحال المصري يدرك أن اقتناع المؤسسة العسكرية الواسعة بضرورة استعادة السيطرة على المجال السياسي كان عاكسًا لثقافتها، ومعزَّزًا بمصلحة لها كمؤسسة، أكثر من كونها مصلحة فصيل أو مكون قيادي يديرها (وفي هذا تتقارب الحالة المصرية نسبيًا مع نظيرتها التركية بوجهها الكمالي) وهو ما يحتاج منا لفحص وتفتيش في كوامن الاستبداد في قطاعات بكاملها من المجتمع المصري.

ونلمح جزءًا آخر من حالة العمى التحليلي في إنكار موقع الديمقراطية مما جرى في تركيا؛ فصحيح أن حديث الديمقراطية يبدو مرتبكًا، في ضوء طبيعة السياسة التركية التي اتجهت صوب المزيد من الانغلاق، لكنه ليس غائبًا بحال. إغواء مقاربة الأمر بوصفه صدامًا بين سلطويتين؛ سلطوية أردوجان وسلطوية الجيش، أصاب الكثير من التحليلات بالتبسيط المخل. ربما ليست للجيش التركي إلى الآن ميول ديمقراطية أصيلة، لكن رهانه، الذي شكلته معطيات كثيرة وضغوط وتحولات، ليس رهانًا هينًا، فالجيش عمل على الإبقاء على تأثيره الواسع على المجال السياسي عبر غلغلة هذا التأثير في مفاصل الحالة السياسية التعددية في تركيا، وليس عبر الاندفاع إلى انقلاب أخرق حلمَ أصحابه باستعادة نموذج الوصاية الكاملة على الحكومة، وفق نموذج انقلابات الثمانينيات.

أصل المشكل التحليلي هذا هو تعامل بعضنا مع سؤال الديمقراطية بوصفه سؤالا قيميًا، فترتبك نظرته للأحداث حين يكون العامل الأكثر وضوحًا في تحريكها أو تعويقها هو وجود خلافات وتحالفات مصلحية بين قوى سلطوية التوجه تتشبث بمساحة سلطتها ومكاسبها السياسية والاقتصادية. وواقع الحال أن الديمقراطية في تركيا أداتية، وموجودة كتركيبة تجمع بين ملامح الدمقرطة وملامح النظام الأبوي، ولذا فهي مصنفة كشبه ديمقراطية (أو ديمقراطية على الحافة)، حيث تعمل الديمقراطية من هذا الصنف كنظام لتحكيم الصراعات ومساحات النفوذ وكأداة لضبط التنافس على المصالح. وبالمناسبة هذا هو الشائع في النظم الديمقراطية الأقل رسوخًا، ويقل في النظم الديمقراطية الراسخة التي تحركها خلطة القيم المعتبرة والمصالح الرشيدة (لا يوجد في العالم سوى بضع ديمقراطيات ينطبق عليها هذا الوصف).

لا يجب بحال التقليل من شأن رفض قطاع واسع من العسكريين الأتراك تحمل المسؤولية عن تكرار مأساة ما حصل في الثلاث سنوات الدموية بين 1980 و1983، والتي شهدت التنكيل بالملايين، واعتقال 650 ألف مواطن، ممن مروا بتجارب التعذيب والتحقيقات القاسية التي أودت بحياة المئات منهم في مراكز الاحتجاز والسجون، واختفاء مثلهم قسريًا، وحتى الممارسة الغريبة التي تفردت بها السلطوية العسكرية في تركيا، بنزع جنسية أكتر من 40 ألف مواطن ونفيهم، فضلًا عن مناخ غير مسبوق في عدائه للحريات، أتخمته ممارسات المصادرة والرقابة على الإعلام والنشر، وحظر عمل قطاع واسع من النقابات ومؤسسات المجتمع المدني.

هذا القطاع من الجيش التركي آثر تغيير تكتيكاته في التأثير وحماية نطاق مصالحه ونفوذه، لكي يتوافق مع مشروع الانضمام للاتحاد الأوروبي في التسعينيات، والذي رأى الجيش ضرورة لتعضيده، انطلاقًا من ذلك الادعاء القديم الذي يتوافق والأيديولوجيا الكمالية، وهو أن الجيش قائد التحديث والتطور. كان الاتحاد الأوروبي يضع على رأس بنود مشروطية القبول بتركيا، أن تطبق معايير واضحة لإصلاح نظامها السياسي، تتضمن ضبط العلاقات المدنية العسكرية ووقف مظاهر هيمنة القوات المسلحة على المجال السياسي. ولنلاحظ هنا أن مشروع الانضمام للاتحاد الأوروبي كان يحظى بدعم ثلاثة أرباع المجتمع التركي في مطلع الألفية، وإن انهارت هذه النسبة الآن لما دون الثلث. تعزيز الحلم الأوروبي كان يدفع الجيش نحو القبول بجملة من الإصلاحات السياسية وتقديم تنازلات تخصم من مكانته في النظام السياسي وتحدُّ من قوة تأثيره في القرار الحكومي بالعموم. مشروع الانضمام لأوروبا هو نفسه ما مثَّل الرافعة لوصول أردوجان للسلطة، وجعل من تحالفه، وهو الإسلامي الرافض للكمالية، مع قوى في الجيش، واقعًا ممكنًا. ظل عامل الأوربة مرتبطًا بعلاقة طردية مع العلاقة المدنية العسكرية في الواقع التركي، فتتحسن الأخيرة بالاقتراب من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والعكس صحيح. وربما يشير هذا بذاته لأحد أبواب الخروج من المأزق الراهن. كانت المفاوضات مع أوربا قد شهدت قبل شهر من الانقلاب تحركًا إيجابيًا بعد فترة تعثر طويلة.

يشير العامل الخارجي لمساحة اختلاف كبيرة عن الحالة المصرية. ففي حين كانت الورقة الخارجية إيجابية التأثير على طاولة التوافق حول الإصلاح الديمقراطي في تركيا في ظل الأوربة، كان الحال معكوسًا تمامًا في التجربة المصرية، التي وقف فيها العامل الخارجي (الإقليمي بالخصوص، وباستخدام المال المسيَّس القادم من بلدان الخليج) كحجر عثرة أساسي في وجه الديمقراطية، وعمل كأداة رئيسية حفَّزت قوى الثورة المضادة.

رغم كل هذا، لا ينبغي تصور أننا نتجاهل التأثير البالغ للعامل الشعبي، وخروج الجماهير للدفاع عمن تراه ممثلًا لها، ولحماية المنظومة الديمقراطية المحدودة التي حازتها، والتي تفضِّلها على نظام عسكري ذاقت ويلات ممارساته الوحشية قبلًا. كانت الحالة الشعبية لرفض الانقلاب عاملًا رئيسًا، إن لم يكن العامل اﻷول، في إسقاط الانقلاب ومجابهة تمرد قطاع من القوات المسلحة التركية. وهنا أيضًا تتوجب الإشارة لموقع الجيش لدى المجتمع التركي، فرغم كل تاريخه، تشير استطلاعات الرأي حول الثقة في المؤسسات العامة إلى حلول الجيش التركي في المرتبة اﻷولى لدى الجماهير، وهي ثقة بدا أنها انهارت في ليل الجمعة الماضية، أو على اﻷقل انحسرت لدى قطاع غير قليل من الشعب التركي. والاختلاف في هذا العامل عما وقع عندنا يكمن في تفاصيل الخروج ضد الانقلاب؛ عبَّر الإخوان في مصر، في حراكهم ضد الانقلاب، عن انحسار واضح لتخوم الجماعة ورؤى التيار الإسلامي، فيما غابت أو تضاءلت لحد كبير لديهم رؤية عامة لاستعادة رباط الثورة، ولتعزيز مشاركة القوى واﻷحزاب السياسية تحت راية أعمِّ. كذلك فإن هذه القوى لجمها الخوف والطمع، اللذان كشفا مأزق محدودية الثقافة الديمقراطية لدينا. ورغم تحركات حملت الطابع الديني، لكن الظاهر أن عموم الجماهير التركية قد ظللتها الراية التركية وهي تسير رفضًا للانقلاب، ولم تتحرك تحت راية حزب بعينه. تستدعي هذه المعلومة مساحة للنقد الذاتي لم تزل غائبة لدينا.

ولعلنا، إن أردنا أمرًا يفيد الحالة المصرية، نتأمل مآلات ما يجرى في تركيا دون التورط في قراءة متعسفة ومقاربات اختزالية. من المفيد فهم العوامل التي يتوقف عليها مستقبل النظام الديمقراطي في تركيا، والكيفية التي سيجري بها تعزيز أو إفشال تحوله إلى ديمقراطية كاملة.

يشير تاريخ الانقلابات إلى أن الخروج من مأزق انقلاب فاشل، قد تكون له كلفة توازي ما تتكلفه الدولة والمجتمع، من أجل الخروج من مأزق انقلاب كتب له النجاح. وهذا الأمر مسكوت عنه حاليًا في تركيا وسط حمى الاحتفاء بدحر الانقلاب.

ينبع حديث الإصلاح من حقيقة أن هذا التمرد، وإن لم يعبِّر عن مجمل الجيش التركي، وإن لم يمثل قادته إلا قطاعًا محدودًا في داخل الجيش، لكنه ودون شك قد خلف شرخًا كبيرا في جدار المؤسسة، وعبر عن خلل أكبر في النظام السياسي أوصله إلى حواف الانهيار.

الإجابة عن سؤال الإصلاح بيد أردوجان وقادة الجيش ممن رفضوا الانقلاب. فكلاهما يطرح نفسه اليوم كحامٍ للديمقراطية. لكن المشكل أن أردوجان لم يزل يعيش حالة إنكار لحقيقة أن التمرد داخل الجيش التركي هو بذاته علامة لا يمكن إغفالها على فشل الكثير من وعوده، وأهمها تطبيق استراتيجية فاعلة تلجم قوى الجيش المشتهية للتدخل في السياسة، وهو أمر يتوجب عليه ترميمه إن استمر في السلطة، أو أن تحال هذه المهمة لخلفائه. كذلك فما نجم عن مواجهة مؤسسات قطاع الأمن والدفاع والمخابرات التركية لبعضها البعض خلال محاولة الانقلاب لم يكن بالقليل، وستظل له تبعاته التي يجب التعجيل بمداواتها بحكمة وبمبادرة من الجيش نفسه،وعدم التورط في عداءات مستقبلية وانتقامات سرية على نحو ما جرى في الماضي.

على أردوجان مراجعة نفسه، وعلى قادة الجيش أيضًا فعل ذلك. ارتباك العلاقة في العام الأخير بين أردوجان والجيش قضت على تأثير سنوات التقارب بينه وبين الجناح الكمالي الأقوى في الجيش، والذي تنامى على خلفية اتفاق السلام مع الأكراد قبل فشله، وهو التقارب الذي حفزته خشية أردوجان من تنامي تأثير الداعية فتح الله جولن (حليف الأمس وغريم اليوم) في أوساط الجيش والبيروقراطية والقضاء. بقايا هذا التأثير الإيجابي هي ما أنقذت رقبة أردوجان.

لقد ظلت محاولات أردوجان لتطهير الجيش مرهونة ببوصلة خلافاته السياسية. وهنا جذر المشكل، فقد ظل يستهدف فريقًا فيما يمالئ آخر. تجلى هذا حين تحمس لمحاكمة عدد من القيادات قبل أعوام، فيما عضَّد السعي لوقف تمدد هذه المحاكمات إلى قطاع آخر صار قريبًا إليه. لم يعن هذا بالطبع تحول أردوجان إلى الكمالية، أو العكس؛ تحول القطاع الكمالي في الجيش ليكون أردوجانيًا إسلاميًا. ولكن كانت رغبته في تكريس قوته وهيمنته هي ما فرضت هذه المواءمات، التي تبدو غريبة بل وقاسية.

باختصار، تنبه معطيات اللحظة الانقلابية الجميع في تركيا إلى وجوب إصلاحين عاجلين؛ إصلاح في المؤسسة العسكرية التي انشقت وانقلبت، وإصلاح في منظومة الحقوق والحريات التي تشهد انحسارًا واسعًا يقوِّض الديمقراطية. هذان اﻹصلاحان يستوجبان حوارًا مجتمعيًا عريضًا، وإبداء جدية ومسؤولية من السياسيين بعيدتين عن حالة استعراض العضلات والانتشاء بالانتصارات، فالكل في حقيقة الأمر مهزوم، ويجب لملمة هذه الهزيمة والوقوف من جديد.

اعلان
 
 
عبده البرماوي