Define your generation here. Generation What
نيللي وشريهان: الحياة في فيلم كارتون
 
 

مع بداية الحلقات الأولى لمسلسل “نيللي وشريهان” تفجرت الضحكات مرة أخرى مع الفريق الذي سبق وأمطرنا ضحكات مع خمسة أجزاء من مسلسل “الكبير أوي”. ومثل “الكبير أوي” ظلت الضحكات تتفجر في الحلقات العشر الأولى تقريبًا مع المفارقة التقليدية للمزج بين العالمين شديدي الاختلاف؛ عالم نيللي هانم أو الملكة نيللي، وعالم شريهان بنت الحارة المكافحة، وخطيبها هاني الدبدوب وخالتها الست صباح.

لكن فريق العمل فاجأنا في النصف الثاني من رمضان بخروج العمل من ثنائية صدام الثقافات\الطبقات التي طالما أضحكتنا في مفارقات الكبير وأخيه جوني. كان مصدر هذا التحول، الذي أنقذ المسلسل من أن يصبح مجرد اسكتشات قائمة على تلك المفارقات المتكررة، هو عالم مجلة ميكي. فالبطلتان بالصدفة هما حفيدتا مؤسس مجلة ميكي الشهيرة في طبعتها العربية. وإذ بالمسلسل، بحلقاته القصيرة نسبيًا، يُثرى بشخصيات مجلة ميكي وعوالم ديزني، فتُستدعى نوستالجيا أبناء جيلنا الذي تربى على هذه المجلة وطبعتها المصرية، وتظهر ميمي وزيزي وبندق وطبعًا عم دهب، بل إننا نرى ملامح سوسو وتوتو ولولو في اﻷربع شخصيات التي بدأت رحلتها للبحث عن كنز الجد مكاوي\ميكي المختفي منذ سنوات.

لم يعتمد صناع المسلسل على شخصيات مجلة ميكي فقط لتفجير الضحكات أو لاستدعاء النوستالجيا، وهي الثيمة التي ظهرت من قبل أيضًا في “الكبير أوي”، بل مع الوقت بدأ يتسلل للمسلسل طابع مجلات الكومكيس وأفلام الكارتون. حيث بدت الشخصيات بالفعل ذات بعد أحادي وشديد التجريد؛ عم دهب\ أبو الدهب هو شرير المسلسل وهو البخيل الشهير، لذا فلديه الخزانة الشهيرة التي يحتفظ فيها بأمواله، حتى أنه يخرج ورقة بخمسين جنيهًا منها، وليس من محفظته، هو الذي ليس في عالمه بنوك أو صرافة أو صراف آلي، ﻷنه ببساطة شخصية كارتونية، وعندما يصل الشر إلى أقصى مدى له ويقوم دهب بتعذيب بندق\بنداري، وحينما يتوقع المشاهد التنكيل والشر يجد دهب ببساطة يدغدغ باطن أقدام الضحية، أي أنه تعذيب مثلما في أفلام الكارتون أيضًا، بل إن شخصية ضاحي، والتي بها بعض من ملامح بطوط، من حيث تنفيذه لأوامر عم دهب وتلاعب الأخير به، يُقتل عدة مرات، ويظهر فجأة ويختفي فجأة، يتحول لصديق لسيف وهاني أحيانًا، وفي كل مرة يخدعهم مرات أخرى، وكأننا نشاهد مغامرة لتوم وجيري يقتل فيها توم جيري مئات المرات في كل حلقة، ولكن طبعًا لا جيري يموت ولا توم يتوقف عن ملاحقته، أما سيف فرغم أنه يشار إليه في المسلسل بوصفه هاري بوتر، إلا أنني رأيت فيه لمحات من مجلة ميكي أيضًا، فهو عبقرينو تارة، وتارة أخرى، وسط رفاق الرحلة، يكون الحكيم العارف بكل شيء، وكأنه هو شخصيًا كتاب دليل الكشافة الذي يصحبه سوسو ولولو وتوتو إلى كل مكان، وبه إجابة عن كل سؤال وأي سؤال.

المفارقة أن الواقع يظهر بخفة، داخل هذه الرحلة والمطاردة الخيالية، وبدون أية أحكام أخلاقية أو سياسية، فمفتش البوليس نجيب الريحاني يقول بمنتهى الجدية، أثناء محاولته اقتحام منزل أحد أصدقاء نيللي وشريهان، وردًا على طلب صاحب المنزل بأن يرى إذن النيابة: ” إذن نيابة إيه؟ إنت شكلك متعلم وهاتتعبنا”، وهو يقوم بشكل تلقائي وطبيعي بتعذيب وضرب كل من يقبض عليه، بمن فيهم الست صباح. وعندما يحاول أبطال المغامرة، نيللي وشريهان وسيف وهاني، دخول القسم فهم ينتحلون صفة مفتشي حقوق إنسان تابعين للأمم المتحدة، وإذ بنا أمام حلقة تعرض بكل سلاسة أزمة مجتمعية كبرى سيطرت على الرأي العام في خلال العامين الماضيين، وهي إساءة معاملة المساجين في الأقسام. فعندما يعرف المأمور أن هناك وفدًا حقوقيًا من المنظمة الأممية، يضع حمام سباحة داخل الحجز، فيكون رد الوفد الحقوقي: “عايزين نشوف المساجين المقرفصين. عايزين نشوف الحجز بجد”. وتصل الضحكات لذروتها عندما يعلم المأمور أن الوفد الحقوقي يخدعه، فيظهر وجهه الأخر، ويزج بهم في الحجز. أما في الحجز، وبنفس المعالجة الكاريكاترية، نرى مرة أخرى لمسة من الواقع، حيث ينكّل السجناء القدامى والعتاة بالقادمين الجدد داخل الحجز، وبالفعل لا ينقذ نيللي وشريهان من التنكيل بهما سوى وجود صباح.

يحتفي المسلسل، ولا أعلم مرة أخرى عن قصد أم لا، بالشخصيات النسائية. فإلى جانب اقتسام ابنتي سمير غانم للبطولة، فإن المنقذة الدائمة لهما من أكثر المواقف صعوبة، هي صباح خالة شريهان التي لعبت دورها باقتدار سلوى خطاب. لا أحد يعلم تحديدًا ما هو ماضي صباح المعوج أو “الشمال”، ولا من أين أتت بكل هذه السطوة في الحارة وفي عالم الجريمة السفلي وداخل الأقسام وأماكن الاحتجاز؟ ورغم ماضيها الغامض، يحتفي الجميع بوجودها ويقدرها ويحبها، ليس فقط في الحارة وفي مناطق الخارجين عن القانون، ولكن أيضًا في عوالم الأغنياء والأماكن الراقية. ولا يكتفي المسلسل بجعل شخصية المنقذ ذات السطوة من نصيب امرأة، بل أيضًا عندما تُستحضر شخصية “دنجل”، الشرير الشهير لمدينة البط ومجلة ميكي، فإنه يأتي على هيئة شخصية فتحي\جيداء؛ وهي فتاة من “عزبة الحرامية” تُستأجر، في نفس الإطار الكاريكاتيري، لسرقة متحف المجوهرات الملكية، وكأن ذلك ممكن أصلًا. كان من الممكن ببساطة أن يلعب الدور أي ممثل، لكن اختيار شيماء الفنانة الصاعدة “المكوَّرة”، كما تصفها نيللي، أضاف نكهة مختلفة للدور وأثرى الحالة الكاريكاتيرية، لتناقضه تمامًا مع الصورة الذهنية عن الفتيات اللصوص في الدراما، فهي بالتأكيد ليست كاثرينا زيتا جونز في فيلم “انترابامنت”، أوسعاد حسني في فيلم “المشبوه”.

ورغم اشتعال الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي وشاشات التليفزيونات حول الطابع اﻷخلاقي للعديد من المسلسلات، حيث رأى البعض أن مسلسل “الأسطورة” مثلًا يفسد الرأي العام، ويؤدي لانتشار البلطجة وفساد الأخلاق، بينما تناقش آخرون منتمون لشريحة أخرى من المشاهدين حول مسلسل “أفراح القبة”، والنزعة الأخلاقية في أدب نجيب محفوظ، إلا أن ما لفت نظري في “نيللي وشريهان” هو أنه خرج من كل هذه المآزق وتعامل مع تعاطي المخدرات، والحشيش باﻷخص، في الأحياء الشعبية، أو تناول الكحوليات في عوالم الأغنياء، بلا أية أحكام، بل بمجرد رصد سلس لواقع موجود بالفعل، حتى وإن كان هذا حدث بنفس الطريقة الكاريكاتيرية، بل كان المسلسل أكثر قسوة في أحكامه على عوالم القنوات الفضائية والفن والنجومية، فالممثل أحمد فهمي في حلقتين أو ثلاث يوافق على لعب دوره في الواقع، كممثل ينافق صاحب قناة فضائية حتى النهاية ليحظى بعقد تقديم برنامج مع حفيد صاحب القناة الذي لا يزيد عمره عن خمس سنوات. وحتى فنانة معروفة بثقافتها وآرائها السياسية المعلنة مثل هند صبري تقدم مونولوجًا قصيرًا، بشكل ساخر وذي مغزي من نوعية “مش هاتقدروا تسكِّتونا. عايزين إيه من الفن والفنانين؟ كفاية بقي”، في سخرية واضحة من مونولوجات شبيهة من فناني الصف الأول الذين بدأ نجمهم يأفل، ولكنهم وجدوا في الحراك السياسي الضخم في السنوات السابقة فرصة للظهور والسطوع مرة أخري.

تستمر طوال المسلسل طبقات معقدة مما اصطُلح على تسميته ” السفّ”؛ وهو السخرية من كافة الثوابت الاجتماعية والتاريخية التي شكلت الوعي الجمعي للمصريين. ويشمل ذلك أيضًا وبالطبع سفًّا على الذات، ففتحي\جيداء تقول لدنيا سمير غانم إنها “بتتكلم شبه البنت اللي عاملة راجل في فيلم الفرح”، في إشارة لدنيا نفسها، وكذلك استخدام أسماء فنانين، مثل نجيب الريحاني مفتش الشرطة الذي يلعب الفيديو جيمز في مقر المديرية، أو أن يكون الاسم الحقيقي لهاني الدبدوب، هو هاني شاكر محرم فؤاد، وهو الاسم الذي يحاول إخفاءه طوال المسلسل خوفًا من السخرية.

وفي وسط هذه المستويات المتعددة من السخرية والانتقال السلس بين الواقع لدرجة انتقاده، والخيال الكاركاتيري غير المعقول، كان أقوى أداء، والاكتشاف الحقيقي في الموسم الرمضاني لهذا العام، من نصيب شخصية ضاحي، الذي ينتحل كافة الشخصيات ويتحول من الخضوع الكامل لعم دهب، إلى المكر الشديد للإيقاع بالأبطال الأربعة، متنقلًا بين العبط والشر بمنتهى الخفة والسلاسة.

عندما أجريت بحثًا عن الممثل الذي يقوم بدور ضاحي اكتشفت اكتشافين؛ أولًا أنه هو من قام بدور محسن بك أو محسن محسن ممتاز في الحلقة الشهيرة في مسلسل “الكبير أوي”، أما المفارقة الكبرى فكانت أن اسمه الحقيقي هو محمد ثروت.

اعلان
 
 
يارا شاهين