Define your generation here. Generation What
زيارة “السلام الدافئ”.. القضية الفلسطينية ليست أولوية
 
 

في بيان حول اجتماع الحكومة الإسرائيلية الأحد الماضي أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن استقباله وزير الخارجية المصري، سامح شكري، نيابة عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في زيارة “مهمة”. وأوضح أن الزيارة اﻷخيرة لوزير خارجية مصري لإسرائيل قبل هذه الزيارة كانت منذ ما يقرب من عقد كامل، وأنها “تخبر عن التغير الذي طرأ على العلاقات اﻹسرائيلية المصرية”، طبقًا لما ذكره البيان.

من جانبها، قالت وزارة الخارجية المصرية في بيان حول الزيارة إن شكري ونتنياهو عقدا جلسة مباحثات موسعة “استمرت ﻷكثر من ساعتين، أعقبها مباحثات مطولة على عشاء أقامه رئيس الوزراء الإسرائيلي لوزير الخارجية بمنزله الخاص”.

وطبقًا لبيان الخارجية المصرية، حازت القضية الفلسطينية على بؤرة الاهتمام في أجندة المحادثات، والتي تناولت “كافة الجهود المرتبطة بتفعيل عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية وكيفية البناء على الرؤية التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسى في دعوته التي أطلقها في خطاب له يوم 17 مايو للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بهدف التوصل إلى حل شامل وعادل ونهائي لقضية الشعب الفلسطيني، من شأنه أن يحقق حلم إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة علي حدود عام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية”.

كما تناولت المحادثات التي “جري الشق الأكبر منها في إطار ثنائي منفرد جمع وزير الخارجية سامح شكري وبنيامين نتنياهو وحدهما”، بحسب وصف بيان الخارجية المصرية، “تقدير نتائج الاجتماع الوزاري الخاص بدعم عملية السلام في باريس يوم 3 يونيو، وتقرير الرباعية الدولية”.

وذكر البيان بشكل مقتضب عدد من ملفات العلاقات الثنائية بين البلدين تمت مناقشتها أيضًا، شملت “جهود مكافحة الإرهاب، والوضع الخاص بدير السلطان التابع للكنيسة القبطية المصرية في القدس”، وملفات إقليمية أخرى.

وعلى الرغم من أن بيان الخارجية المصرية حول المباحثات، والمؤتمر الصحفي الذي أعقبها، تركزا حول اهتمام مصري كبير بالقضية الفلسطينية، إلا أن الزيارة جاءت محملة بدلالات تشير إلى أن عملية السلام لم تكن هي الهدف اﻷساسي من وراءها.

الدلالة اﻷولى كانت موافقة الحكومة اﻹسرائيلية خلال اجتماعها يوم الأحد، والذي تم فيه الترحيب بزيارة وزير الخارجية المصري، على خطة مساعدات استثنائية بلغت قيمتها حوالي 13 مليون دولار لمستوطنة كريات أربع والحي اليهودي في الخليل بالضفة الغربية. واعتبر نتنياهو هذه الخطة بمثابة مؤازرة من حكومته للمستوطنين الذين “وقفوا ببطولة في وجه اﻹرهاب الغاشم”، حسبما نقلت وكالة أسوشياتد برس.

جاء قرار الحكومة اﻹسرائيلية بعد أسبوع من قرار مماثل اتخذته الحكومة اﻹسرائيلية ببناء مئات المنازل في مستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وأدان بيان صادر عن اﻷمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، القرار اﻹسرائيلي اﻷول، خصوصًا أنه جاء “بعد أربعة أيام فقط من مطالبة اللجنة الرباعية للسلام في الشرق اﻷوسط إسرائيل بوقف سياسات البناء والتوسع في المستوطنات“. وأضاف البيان أن الخطوة “تثير أسئلة مشروعة حول نوايا إسرائيل على المدى الطويل”.

واعتبر دبلوماسيون غربيون أن التوسع اﻹسرائيلي في عملية الاستيطان أوشك على الوصول إلى نقطة اللاعودة، وهو ما يشكل عائقًا كبيرًا على طريق السلام، حسبما نقلت وكالة رويترز.

أدانت الخارجية المصرية في بيان لها قبل زيارة شكري بأيام قليلة استمرار الحكومة الإسرائيلية فى التوسع فى عمليات الاستيطان على الأراضى الفلسطينية المحتلة “باعتباره يكرس من الوضعية غير الشرعية وغير القانونية للمستوطنات الإسرائيلية، ويقوض بدوره من كافة الجهود التى تستهدف استئناف عملية السلام بين الفلسطينين والإسرائيليين”.

وأضاف بيان الخارجية أن “توقيت مثل هذا التصعيد الإسرائيلي غير مبرر أو مفهوم، حيث أنه يتزامن مع جهود إقليمية ودولية تستهدف تشجيع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على بناء الثقة وخلق بيئة داعمة لاستئناف المفاوضات، داعياً الحكومة الإسرائيلية إلى إلغاء القرار ووضع حد لسياسة التصعيد وقتل الأمل لدى الشعب الفلسطيني”.

لم تتعامل تل أبيب مع البيان المصري بأي قدر من الجدية، فقبل ساعات من وصول وزير الخارجية المصري، أصدرت الحكومة اﻹسرائيلية قرارها بتوسع استيطاني جديد.

وعلى الرغم من أن الموقف المصري اعتبر القرار اﻹسرائيلي تقويضًا للجهود المبذولة لاستئناف عملية السلام، وأبدى تعجبه من توقيت القرار، إلا أنه لم يمنع النظام المصري من المضي في زيارة وزير الخارجية المصري دون انتظار لاستجابة إسرائيلية مقابلة.

الدلالة الثانية على عدم جدية الاهتمام بحل القضية الفلسطينية، كانت في تخلي مصر عن حذرها البروتوكولي المعتاد في التعامل مع مسألة القدس، باعتبارها أحد أهم النقاط الخلافية في مساعي السلام المتكررة، حيث استقبل رئيس الوزراء اﻹسرائيلي وزير الخارجية المصري في القدس، في سابقة للدبلوماسية المصرية على هذا المستوى الرفيع من التمثيل.

يرى الدكتور نايل شامة، الباحث السياسي ومؤلف كتاب “سياسة مصر الخارجية من مبارك إلى مرسي“، أن الموقف الدبلوماسي المصري حرص طوال الوقت على التفرقة بين تل أبيب والقدس حين يتعلق اﻷمر بالتعامل مع إسرائيل.

وأضاف شامة أنه على الرغم من أن الرئيس المصري اﻷسبق حسني مبارك كان يمثل كنزًا استراتيجيًا بالنسبة إلى إسرائيل، إلا أنه ظل حريصًا على الحفاظ على مجموعة من الخطوط الحمراء في تعامله معها.

الدلالة الثالثة كانت قيام وزير الخارجية المصري بالزيارة بدلًا من مسؤولي المخابرات، وهو الجهاز الذي يتولى مسؤولية هذا الملف في المعتاد.

لاحظت صحيفة ها آرتس الإسرائيلية، في تقرير لها نقله موقع “أصوات مصرية”، إن الرئيس الأسبق حسني مبارك كان سيرسل مدير المخابرات وقتها عمر سليمان أو أحد مساعديه، لبحث التعاون العسكري وفي مجال المخابرات وعملية السلام مع الفلسطينيين”. واعتبر التقرير قرار إرسال وزير الخارجية إظهارًا لـ “مستوى جديد من العلاقات أقرب إلى التطبيع السياسي.”

ويقول الصحفي اﻹسرائيلي نعوم شيزاف إن “الجميع لاحظوا هذا التغير وفسروه كعلامة على مستوى جديد من العلاقات بين البلدين”.

يشير تنازل السياسة الخارجية المصرية عن خطوطها الحمراء  إلى تغير كبير في طبيعة العلاقات المصرية اﻹسرائيلية، وهو التغير الذي أشار إليه بيان مكتب رئيس الوزراء اﻹسرائيلي في ترحبيه بالوزير المصري. يلاحظ شامة أن صور اللقاء، والتي يتطلب نشرها موافقة الجانب المصري بالضرورة، توضح غياب أي حرج رسمي مصري منها. حسب وصف شامة، فإن علاقات البلدين “انتقلت من مرحلة الدفء السري إلى الدفء العلني”.

يرجع التقارب المصري اﻹسرائيلي اﻷخير إلى مجموعة مختلفة من الدوافع المختلفة لكل طرف منهما. بالنسبة لمصر، يرى شامة أن التحرك المصري في ملف السلام بين إسرائيل وفلسطين يهدف إلى تسويق النشاط الدبلوماسي المصري غربيًا كقوة إقليمية ما زالت تحظى بالقدرة على التأثير على هذا الملف الحساس، ومراكمة رأس مال دبلوماسي يمكن الاستفادة منه في علاقاتها الدولية.

وأشار شامة إلى أن تعاونًا أمنيًا واستخباراتيًا جمع مصر وإسرائيل خلال السنوات الماضية فيما يتعلق بمواجهة اﻹرهاب والمجموعات المسلحة. ونقلت صحيفة بلومبرج في تقرير لها عن مسؤول إسرائيلي رفيع، رفض نشر اسمه، قوله إن طائرات إسرائيلية بدون طيار شنت هجمات على مسلحين في سيناء في السنوات اﻷخيرة بمباركة مصرية. بحسب وصف رئيس اﻷركان اﻹسرائيلي يائير جولان، فإن “هذا المستوى الكبير من التعاون هو أمر لم نختبره من قبل”.

واعتبر شامة أن توقيت الزيارة بعد جولة نتنياهو الأفريقية يشير أيضًا إلى سعي مصري لوساطة إسرائيلية مع إثيوبيا للتأثير على ملف سد النهضة المتعثر، خصوصًا بسبب العلاقات القوية التي تجمع إسرائيل بإثيوبيا.

وعلى الجانب اﻹسرائيلي، يرى شامة أن التقارب مع الجانب المصري يفتح الباب أمام إمكانية تطبيع أوسع لعلاقاتها مع دول عربية أخرى خصوصًا في ظل مشهد إقليمي مضطرب يتغير بشكل كبير كل يوم. أحد أهم هذه الدول هي المملكة العربية السعودية والتي أبدت تقاربًا ملحوظًا، وإن استمر بشكل غير مباشر، مع الجانب اﻹسرائيلي. ظهرت أحد دلائل هذا التقارب بعد اﻹعلان عن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين كل من مصر والسعودية في أبريل الماضي، بعدما أكد الجانب اﻹسرائيلي أنه تم التنسيق معهم من قبل السعودية ومصر قبل اﻹعلان عنه. اعتبر أحد الصحفيين الإسرائيليين في صحيفة معاريف موافقة إسرائيل على نقل ملكية تيران وصنافير للسعودية وفقا لاتفاق ترسيم الحدو يمثل “قمة جبل جليدي” للمحادثات السرية بينهما، حسبما نقلت صحيفة واشنطن بوست.

وتشترك كل من السعودية وإسرائيل، ومعهما مصر، في نفس المواقف من الملفات اﻹقليمية الشائكة، حيث يستشعر الطرفان خطرًا كبيرًا من الانفتاح اﻹيراني على العالم بقدر ما يستشعران من خطر الدولة اﻹسلامية في سوريا والعراق، وانتشار اﻹرهاب.

لكن حماس نتنياهو الكبير للدعوة المصرية للسلام الدافئ في المنطقة يشير إلى ما هو أبعد من الموقف المشترك من مختلف القضايا، خصوصًا أنه جاء بعد أسابيع قليلة من رفضها مبادرة فرنسية مماثلة.

يقول شيزاف إنه “ليس من الواضح ما إذا كانت الزيارة المصرية حقيقية، أو سياسة مصرية إسرائيلية متناسقة تم تصميمها لمواجهة التدخلات اﻷوروبية واﻷمريكية”.

يرى أوري أفنيري، ناشط السلام اﻹسرائيلي البارز وعضو الكنيست السابق والكاتب الصحفي، في مقال له حول أسباب رفض حكومة نتنياهو للمبادرة الفرنسية مقابل ترحيبها الفوري بمبادرة السيسي، أن إسرائيل تتعرض لضغوط دولية قوية في ظل المشهد المضطرب. وأوضح أن “إسرائيل التي كانت تحظى بإعجاب العالم اختفت منذ وقت طويل. حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات BDS تلاقي نجاحًا مبهرًا. صحيح أنها لا تضر كثيرًا بالاقتصاد الإسرائيلي، ولكنها تخلق رأيًا عامًا، ينطلق من الجامعات إلى خارجها، والمنظمات اليهودية تستغيث. ووصلنا الآن إلى اللحظة التي تتأثر فيها حتى المنظمات اليهودية نفسها. فالأنباء اليومية حول ما يحدث في الأراضي المحتلة وحتى داخل إسرائيل تؤذي اليهود، خاصة الشباب اليهودي. وقد أخذ كثيرون منهم يديرون أظهرهم تجاه إسرائيل، بل أصبح بعضهم ينشط في مقاومتها.”

وأضاف أفنيري أن “العالم يتعامل -ببطء ولكن باضطراد- مع دولة فلسطين كحقيقة مفروغ منها وكشرط لإحلال السلام”. لذلك “فإن نتنياهو يتلفت حوله بحثًا عن خدعة جديدة، وماذا يرى؟ يرى مصر.”

بالنسبة له، فإن القبول اﻹسرائيلي الشكلي بالدعوة المصرية يمثل مناورة لكسب الوقت. ويتفق غازي فخري، الدبلوماسي الفلسطيني وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، في تصريح لمدى مصر أن إسرائيل تعتمد استراتيجية كسب الوقت لتحقيق أكبر قدر من التغييرات في الواقع الفلسطيني متمثلة بشكل أساسي في التوسع في العمليات الاستيطانية. وأكد فخري على أن إسرائيل ليس لديها أي قدر من الجدية فيما يخص عملية السلام.

ويعتقد شيزاف أن لا أمل في عملية سلام مصرية بسبب أن الحكومة اﻹسرائيلية الحالية لا تستطيع اتخاذ مواقف جذرية، لكنه اعتبر أن الزيارة المصرية شكلت “انتصارًا كبيرًا للغاية” بالنسبة لنتنياهو. “الجميع كان يدعي أنه لا يمكن ﻹسرائيل أن تحصل على علاقات طبيعية مع الدول العربية دون حل اﻷزمة الفلسطينية”، يقول شيزاف، “لكن نتنياهو فاجئ الجميع؛ لقد فعلها دون مقابل.”

اعلان
 
 
محمد حمامة