Define your generation here. Generation What

تدوينة: عن النظام الذي يعتبر عملنا هو تهمتنا

وحشني الشغل في ٢٠٠٧. بقالي كام يوم بافكر في أول شغل ليا في مجال حقوق الإنسان؛ واحدة صاحبتي بعتتلي إعلان وظيفة في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”. قدمت وانا خايفة ما اتقبلش، علشان كنت لسة متخرجة وما عنديش أي خبرة. لسه فاكرة المقابلة، رحت بدري وشفت حسام بهجت وأنا داخلة العمارة اللي فيها المكتب. علق عليّا إني جاية بدري. اتقبلت في الوظيفة وبدأت شغل في المكان اللي باعتبره بيتي التاني، المكان اللي اتعلمت فيه إني أكون مهنية في شغلي، وفي نفس الوقت ما افقدش إحساسي بالشغل اللي باعمله. فاكرة إني عرفت في مرة إن حسام قفل التليفون في وش واحد من أمن الدولة كان بيكلمه عن الشغل، وفاكرة إني عرفت بعدين إن أي حد بيشتغل في المبادرة بيتفتح له ملف في أمن الدولة.

وقتها حسيت إن الشغل في “حقوق الإنسان” خطر. ماكنتش عارفة إن بعد ٩ سنين تقريبًا، نفس الشخص اللي علمني كل المبادئ اللي باشتغل بيها لحد دلوقتي، هيحضر جلسات طلب التحفظ على “أمواله”، ويبقى ممنوع من السفر. ماكنتش عارفة قد إيه ممكن يأثر عليا إن حسام تحصل له حاجة، لحد ما المخابرات الحربية قررت تحبسه. كانت من أصعب الأيام اللي عدت عليا. قعدت افكر في كل الأيام اللي عدت عليا في الحجز في القسم وبعدين في السجن وفي دماغي مليون سيناريو للأيام اللي هتعدِّي على حسام.

حسام طلع بعد ٣ أيام، بس النظام مصمم على إن كل شخص ليه دور في فضحهم هيتعاقب، حتى بعد ما حسام ساب المبادرة، فالشغل اللي عمله واللي بيعمله دلوقتي بيخليه، هو وناس تانية، على قايمة الأولوية للنظام. الموضوع مابقاش مكالمة تليفون من ضابط في “أمن الدولة”، الموضوع بقى إن لازم الكل يسكت. ماحدش يتكلم عن اللي النظام بيعمله. محدش يتكلم إلا الممثل الوحيد للدولة، الممثل الوحيد للنظام.

المطلوب هو إن الكل توصل له الرسالة إن الشغل في مجال حقوق الإنسان أو الصحافة أو أي مجال تاني بيسمح بالاستقلال ومعارضة السياسات الرسمية خطر على حياتك؛ ممكن تفقد مصدر دخلك، ممكن تتحبس لمدة سنين طويلة من حياتك في ظروف غير إنسانية، ممكن ما تبقاش قادر تتحرك بره البلد.

بافكر في كل ده وبافكر في اللي اتعلمته من شغلي في المبادرة من زمان؛ مرة كنت مع حد من زمايلي بنجمع شهادات عن حادثة عنف طائفي ضد مسيحيين في قرية في الصعيد، ومخبر بلَّغ القسم وجا أخدنا من بيت قسيس كنا بنتكلم عنه. رحنا القسم والمأمور قال لنا نستنى “الباشا” من أمن الدولة. استنينا والباشا جا يسألنا لو معانا “إذن” نيجي القرية، ومشَّانا بشرط إننا نروَّح على القاهرة. دي كانت أول مرة اتعامل مع حد من أمن الدولة، بس ما كانتش آخر مرة أنزل اجمع شهادات من ناس عن حوادث حصلت، بس ما اتوقفتش تاني. مش عارفة ليه ما فكرتش مرة إني أغيَّر مجال شغلي علشان خايفة. مرة فكرت علشان كنت مرهقة من العبء النفسي، بس مش علشان خايفة من اللي هيعمله النظام.

بعد ما طلعت من السجن كذا حد توقع إني أوقف شغل ولو مؤقتًا، سواء علشان أريح أو علشان “ماحدِّش” يركز معايا. ما شفتش سبب لدا. قررت ارجع للشغل بالتدريج وابعد شوية عن الحاجات اللي ممكن توجعني نفسيًا، بس اللي اتعلمته من أول يوم شغل ليا في المبادرة في ٢٠٠٧، هو إني طالما اخترت إني أشتغل في مجال حقوق الإنسان في مصر لازم اتعامل مع كل المشاكل اللي بتيجي مع دا، وحسام دايمًا كان مثال لدا. سناء سألتني مرة لو ندمانة إني نزلت المظاهرة وبسبب دا إحنا في السجن، وقتها قلت لها على الأقل أنا مش محبوسة بتهمة زي “التمويل الأجنبي”، تهمة أنا مش مقتنعة إني أحب ادفع تمنها.

دلوقتي الموضوع مختلف، دلوقتي الموضوع مش موضوع تمويل أجنبي، بقيت شايفاها قضية أكبر. الموضوع هو أي حد مهتم بإنه يكون جزء من التغيير للأفضل؛ حقوقيين، صحفيين، نقابيين، مستقلين. المطلوب اننا نوقف شغل. المطلوب اننا نقبل ونسكت عن الاختفاء القسري، الحبس، انتهاك الحريات والحقوق كل يوم. أنا ما اتعلمتش اسكت من الخوف، لكن باتعلم كل يوم من حسام ومن كل حد واقف مكانه.

اعلان