مصر تعود لمبادرة حوض النيل بعد 6 سنوات من المقاطعة

بعد مقاطعة دامت ما يقرب من 6 سنوات، شاركت مصر مُمثلة في وزير الموارد المائية والرى، محمد عبد العاطى، أمس الثلاثاء، في الاجتماع الوزاري الـ24 لوزراء المياه لدول مبادرة حوض النيل فى العاصمة الأوغندية، كمبالا.

كان الرئيس اﻷسبق حسني مبارك قد اتخذ قرارًا في 2010 بتعليق أنشطة مصر في المبادرة بعد قيام 6 دول بالتوقيع على اتفاقية إطارية جديدة لتقاسم المياه بينها دون موافقة مصر.

كانت اتفاقية تقاسم مياه النيل عام 1929، ثم الاتفاقية الثنائية بين مصر والسودان عام 1959، تحفظان لمصر النصيب اﻷكبر من مياه النهر.

طبقًا لاتفاقية 1929، تحصل مصر على حصة 48 مليار متر مكعب، بنسبة 57% من مجموع مياه النيل، وتم توقيعها بين مصر وبريطانيا نيابة عن 3 من دول حوض النيل هي: أوغندا وتنزانيا وكينيا، وقت خضوعها إلى جانب مصر للاستعمار البريطاني. وتعطي الاتفاقية مصر حق الاعتراض (فيتو) على المشاريع التي تقام على النهر، وتسمح لمصر بعقد اتفاقيات ثنائية مع السودان في ما يتعلق بترتيبات الاستفادة المشتركة من مياه النيل.

وفي 1959، عقدت مصر اتفاقها الثنائي مع السودان لتحتفظ بنسبتها، وتوزيع الفائدة المائية الناتجة من السد العالي على الدولتين، وهو ما يرفع نصيب مصر إلى 55.5 مليار متر مكعب بنسبة 66% من المياه.

وبعد استقلال دول حوض النيل (مصر والسودان وأوغندا وإثيوبيا والكونغو الديموقراطية وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا، وإريتريا لاحقًا) عن الاستعمار، طالبت بعض الحكومات بتعديل اتفاقيات تقاسم مياه النيل، بهدف السماح لهم بإقامة مشاريع على مجرى النهر دون تعقيدات الرجوع للحكومة المصرية من أجل التفاوض والتنسيق معها.

أدت النقاشات بين دول حوض النيل في فبراير 1999 إلى توقيع عشر دول على مبادرة حوض النيل. وطبقًا لموقعها اﻹلكتروني، فإن المبادرة تعمل بشكل انتقالي مؤقت إلى أن تنتهي الدول اﻷعضاء من التوقيع على اتفاقية إطارية جديدة للتعاون تحدد بشكل دائم حصص اقتسام مياه النيل وإنشاء مفوضية تتولى آليات تطوير مشاريع تنموية على النهر.

وبعد أكثر من عقد، فشلت دول حوض النيل في عقد الاتفاقية الإطارية. وفي مقر سكرتارية المبادرة في “عنتيبي” بأوغندا، في مايو 2010، قررت أربع دول، إثيوبيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا، توقيع مقترح باتفاقية إطارية لتقاسم المياه، على أمل إقناع دول أخرى بالموافقة وتحقيق أغلبية داخل مبادرة حوض النيل تسمح بإقرار الاتفاقية بشكل نهائي. وبعد يومين، وقّعت كينيا على المقترح، لتصبح دول مبادرة حوض النيل العشر في انتظار انضمام دولة أخرى للاتفاقية لتحقيق الأغلبية بستة أعضاء.

استنكرت مصر وقتها موقف الدول الموقعة، ورفضت مراجعة اتفاقيات نهر النيل، وأعلنت تجميد أنشطتها بالمبادرة. وأكد الخطاب السياسي الرسمي أن مصر لن تتنازل عن حصتها التاريخية من مياه النيل. وبالرغم من الرفض القاطع للاتفاقية، فإن مصر بدأت في هذه الفترة الانتباه للمخاطر المحتملة التي يواجهها أمنها المائي بعد توقيع اتفاقية عنتيبي.

وفي مارس 2011، أعلنت بوروندي توقيعها على مقترح الاتفاقية الإطارية كسادس اﻷعضاء، وهو ما حقق اﻷغلبية. ولم يعد أمام الاتفاقية سوى أن يتم إقرارها من قبل برلمانات الدول الموقعة حتى تدخل حيز التنفيذ قبل أن يتم تفعيلها بغض النظر عن موافقة مصر. وقامت 3 دول فقط منها بالتصديق على الاتفاقية في برلماناتها حتى اﻵن هي إثيوبيا وتنزانيا ورواندا.

وبعد شهر واحد من انضمام بوروندي، أعلن رئيس الوزراء اﻷثيوبي الراحل، ميليس زيناوي، عن نية بلاده الشروع في بدء تنفيذ سد النهضة اﻷثيوبيي الكبير.

استمرت مصر على موقفها الرافض لاتفاقية عنتيبي، ومقاطعة اجتماعات المبادرة. لكن الموقف المصري لم يغير من حقائق اﻷرض شيئًا، استمرت إثيوبيا في بناء السد، وأعلنت منذ شهور قليلة عن اكتمال ما يقرب من 70% من عمليات البناء، وأعلنت دول أخرى عن نياتها البدء في مشروعات جديدة على مياه النهر، كان آخرها مشروع سد الكونغو، والذي يفترض أن يكون ثاني أكبر سدود العالم في مجال توليد الكهرباء.

أدركت مصر عبر السنوات الماضية خطورة مواقفها المتشددة فيما يتعلق بالمشروعات الأفريقية على مجرى النيل. وعبر مفاوضات شاقة مع الجانب اﻹثيوبي، قدمت مصر عددًا من التنازلات عن مواقفها المسبقة، في محاولة للوصول إلى اتفاق يتفادي أضرار السد على حصة مصر من المياه.

كما بدأت مصر مؤخرًا في اعتماد سياسة أكثر انفتاحًا مع دول حوض النيل، في محاولة مصرية للمشاركة مع المشاريع اﻷفريقية الطموحة وتفادي أخطاءها في التجربة اﻹثيوبية. وربما تأتي مشاركة مصر في اجتماعات مبادرة حوض النيل، وإنهاءها لمقاطعتها، كخطوة إضافية على طريق هذا الانفتاح، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الشروق فيه إن وزير الري يحمل خلال مشاركته في الاجتماعات “عددًا من الرسائل بمثابة سياسات جديدة للتقارب مع دول منابع النيل، تؤكد اهتمام مصر بالتعاون الجاد لحل أزمات المياه فى دول حوض النيل والمساعدة فى تقديم الخبرات الفنية والتكنولوجية المصرية، دون التطرق إلى ملف الخلاف القائم بشأن الاتفاقية أو موقف مصر من عضويتها فى مبادرة حوض النيل”.

وأضافت الصحيفة أن الوزير سيتقدم للمؤتمر بمشروع يحمل عنوان “زيرو عطش”، يستعرض فيه “الإمكانيات المصرية للعمل على توفير المياه النقية للأغراض السكانية فى عدد من المناطق بداية بالسودان، حيث سيتم عرض المخطط العام لمواقع تنفيذ المشروع والدراسات الفنية المتعلقة به، وإجراءات التمويل اللازم والمعدات الضرورية”.

اعلان

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن