Define your generation here. Generation What

عن إهانة القضاة الذين يسجنوننا

صباحًا، في أول أيام عيد الفطر، أجلس في كافيه على كورنيش الإسكندرية، لكني لا أكاد أنظر إلى البحر. كلما رأيت بحرًا أو حديقة غمرتني المرارة. تقتحم عقلي ذكريات كثيرة لرفاق زنازين عانوا كثيرًا لأنهم كانوا قبل السجن يحبون المرح، ويتفننون في اصطياد “الفُسَح” مع الأصدقاء. في بداية الحبسة كان صديقي لؤي القهوجي يكرر عليّ وعده بأنه سيصحبني بعد خروجنا إلى الأماكن والمطاعم التي يحبها، ليعوِّض كسلي في اكتشاف أكلات وفسح جميلة. لم يكن يخطر ببالنا يومها أن القضاء المصري سينبش في أوراقه حتى يجد للؤي وماهينور ويوسف قضية حفظتها النيابة أيام مرسي، ليتلقوا حكمًا بالحبس سنة وثلاثة شهور، تحول دون خروج لؤي في العفو الذي خرجتُ به في سبتمبر 2015.

زملاء آخرون كانوا يطلبون من ذويهم تقديم استشكالات على أحكامهم، رغم أنها بلا جدوى، ورغم أن الترحيلات تتضمن وعودًا صادقة بالمهانة والتكدس والاعتداءات؛ كانوا يفعلون ذلك لرؤية الأسفلت والبحر من نوافذ عربة الترحيلات الضيقة، المتخمة بالقضبان الصغيرة، كأن السجناء سيتسرّبون منها.

كلما رأيت بحرًا أو حديقة غمرتني ذكريات ترحيلات كان سجناؤها يُمنّون أنفسهم بحكم البراءة أو بخطف نظرة إلى البحر، فعادوا متخمين بالمهانة والبؤس. لكن لماذا سُجن هؤلاء الآلاف؟ لأنّ المستشار الجليل شريف حافظ أو محمد الطنيخي وأشباههما حكموا عليهم بالسجن؛ ألم نسمع كثيرا عن الحكم بـ”ضمير” القاضي؟

أنا جالس في كافيه أمام البحر لكنني أتذكر الفتى ماجد طارق، ذا التسعة عشر عامًا، حين عاد من استشكال كان واثقًا أنه سيُرفض، لكنه أراد أن يرى البحر والأسفلت والحياة خارج السجن. أذكر ملامحه وهو يحكي عن الكورنيش والبنات اللاتي زادهن الصيف فتنة وسحرًا.

لكني لم أبدأ المقال للكتابة عن ذكرياتي مع بحر أو حديقة. أكتب لأنني قرأت تقريرًا نشره موقع مدى مصر عن القاضي شريف حافظ. أعادني التقرير الممتاز إلى ذكرياتي مع القضاة الذين يجرّم القانون إهانتهم.

أحاول تذكر اسم القاضي الذي حكم علينا في أول درجة. كان ذلك في يناير 2014، أعصر ذهني لكنني لا أذكر اسمه، أذكر ما حكاه صديقي ومحاميّ الأستاذ حمدي خلف لوسائل الإعلام من أنه كان ينتظر الحكم علينا بينما القاضي في غرفة المداولة، فاتصل به صديق وأخبره أنه قرأ على موقع اليوم السابع خبر الحكم علينا بالحبس سنتين وغرامة 50 ألف جنيه، فاندهش صديقي حمدي لأن القاضي كان لا يزال في المداولة، فدخل إليه وأخبره بالحكم الذي تأكد منه عن طريق الموبايل، فغضب القاضي وقال بأنه لم يُصدر حكمه وأمر بإخراج المحامين من غرفة المداولة، لكنه أصدر ذات الحكم الذي نشره اليوم السابع! كيف عرف اليوم السابع بالحكم قبل صدوره؟

في فبراير 2014، أيّد القاضي شريف حافظ رئيس محكمة جنح مستأنف المنشية، حكم الدرجة الأولى، رغم أن الاستئناف يلغي الأحكام أو يخففها غالبًا. بحسب تقرير مدى مصر يحاكم شريف حافظ الآن باتهامات منها: التزوير في محضر جلسة وإساءة استخدام النفوذ والإساءة لمهنة القضاء. كما ذكر التقرير أن المستشار الجليل متهم بالرشوة الجنسية بعد التسجيل له وإلقاء القبض عليه.

ثم قدمنا استشكالًا على الحكم، رفضه المستشار (الجليل أيضًا!) محمد الطنيخي، في أكتوبر 2014، ليُقبض عليه أيضًا بعد أقل من عام، متلبسًا بتقاضي رشوة من أحد رموز الحزب الوطني بالإسكندرية، نظير تسوية وضع فيلا بحي راقٍ. حُبس الطنيخي احتياطيًا بحسب التقارير الصحفية، ثم قدم استقالته، فأخلي سبيله وغادر البلاد. هكذا بقي قضاة النقض، الذين رفضوا طعننا على الحكم شكلًا فلم ينظروا فيه موضوعًا من الأصل! لا أعرف أسماءهم، لم أبحث عنهم؛ لا أظنني سأحتمل.

ما الذي يبرر سجن إنسان سنتين في سجن كالجحيم هو سجن برج العرب، بأحكام أصدرها هؤلاء القضاة؟ كيف يمكن تعويض سجين عن حنينه لأطفاله، عن إلغاء تاريخه معهم لسنوات، عن تدهور صحته وتدمير حياته وتعمّد إذلاله يوميًا؟ من يعوض سجينًا ظل ينام بحبوب منومة لأن حكة الجرب تمنعه من النوم؟ كيف ينسى اللحظة التي رأى فيها بقع الدم على ملابسه من شدة هرشه بين مفاصله، أو اللحظة التي رأى فيها صرصارًا في طعامه، أو لحظة “دعك” المرحاض والبلاط وإزالة آثار البراز لأن هذا دوره في جدول الخدمة؟ لاحظوا أنني لم أذكر شيئًا عن التعذيب والقتل بالإهمال الطبي.

بعد خروجي من السجن، نصحني كثيرون بمغادرة مصر، فرفضت تمامًا، ثم مررت بموقف ما في ديسمبر الماضي، قررت على أثره البحث عن منحة كتابة إبداعية خارج مصر لبضعة أشهر. بعد معرفتي بأخبار حافظ والطنيخي، أصبحت أتمنى الخروج من مصر في أقرب فرصة. لا أريد الحياة في وطن كهذا؛ لا أستحق أبدًا. لم أتخلّ عن مبادئي، فقط تخليتُ عن الحياة في هذا المصنع الهائل للقمامة البشرية.

***

أختلس الآن نظرة أخيرة إلى البحر، وأفكر في صديقي لؤي القهوجي، الذي حرص كثيرًا على أداء خدمتي نيابةً عني لمساعدتي على كتابة روايتي؛ ما نوع الفسح التي لابد أنه يفكر فيها الآن، في يوم العيد، بينما يجهز الطعام أو “يدعك” المرحاض؟ أفكر في لؤي، وأجدد اتفاقنا القديم: حين يخرج من السجن سأصحبه يومًا إلى المطاعم والفسح التي يحبها.

اعلان