Define your generation here. Generation What
خطبة الجمعة تأتيكم من “الأوقاف” موحدة ومكتوبة
 
 

أعلنت وزارة الأوقاف في بيان لها السبت الماضي تشكيل لجنة لإعداد وصياغة موضوعات خطب الجمعة مع تعميمها على جميع الأئمة بالجمهورية موحدة ومكتوبة، بعد أن اقتصرت الوزارة في السابق على توحيد موضوع الخطبة فقط وترك مهمة طريقة عرضها ومعالجتها وصياغتها للأئمة. وقالت الوزارة إن الهدف من تعميم الخطبة المكتوبة هو التيسير على الأئمة وتحقيق الرسائل المرجوة من الخطبة على أفضل وجه ممكن.

ووجه البيان انتقادات حادة لآداء الخطباء والأئمة أثناء خطبة الجمعة، مشيرًا إلى أن هذا الآداء هو السبب الرئيسي للقرار الأخير: “بعض الخطباء لا يملكون أنفسهم على المنبر سواء بالإطالة التي تخالف سنة النبي، أم بالخروج عن الموضوع إلى موضوعات أو جزئيات متناثرة لا علاقة لها بالموضوع بما يربك المستمع ويشتت ذهنه، ويضيع المعنى المقصود من وراء الموضوع، أم بالدخول في أمور سياسية أو حزبية لا علاقة لها بمضمون خطبة الجمعة”.

وفي تصريح نشره موقع الوزارة أمس الإثنين، قال وزير الأوقاف، محمد مختار جمعة، أن توحيد الخطبة وجعلها مكتوبة ليس له أي دوافع سياسية، وأضاف: “إنما هدفه صياغة الفكر المستنير بصورة علمية ومنهجية وسأكون أول من يبدأ بتنفيذها”، مؤكدًا أنه سيعقد لقاءات مع القيادات الدعوية وجموع الأئمة لبيان أهمية القرار.

وقالت وزارة الأوقاف في بيانها أن مديريات الأوقاف ستقدم كشوفًا بأسماء بعض الأئمة “المتميزين” الذين يمكنهم إلقاء الخطب الموحدة ارتجالًا بدون الحاجة للالتزام بنص الخطبة المكتوبة.

وقال الشيخ جابر طايع، رئيس القطاع الديني بالوزارة، في اتصال هاتفي مع “مدى مصر” إن “جمعة” تقابل معه ومع ممثلي القطاعات المختلفة بالوزارة أمس الإثنين وأقنعهم أن الخطبة الموحدة المكتوبة هي “في صالح الدين والدعوة”، وأكد أن الوزير سيعقد اليوم الثلاثاء اجتماعًا موسعًا مع وكلاء الوزارة بالجمهورية من أجل إقناعهم بالقرار تمهيدًا لتعميمه على مستوى الجمهورية.

ونشر موقع الوزارة تقريرًا عن اجتماع جمعة مع “قيادات وعلماء الوزارة” الذين أعلنوا تأييدهم لقرار تعميم الخطبة المكتوبة، حيث “أبدوا تفهمهم للأبعاد الشرعية والمغزى الحقيقي الذي  يهدف إلى صياغة الفكر المستنير للدين بما يبرز وجهه الحضاري ويزيل ما علق بأذهان البعض من الأفهام الخاطئة”.

وتزامن قرار تعميم الخطبة المكتوبة مع لقاء جمع “جمعة” والرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث عرض الوزير في الاجتماع خطة الوزارة في المجال الدعوي، وإعداد وتأهيل الأئمة وصقل مهاراتهم. كما قدم جمعة للسيسي استيراتيجية “لإعادة صياغة ورفع مستوى الفهم الديني الصحيح المستنير”، حسبما أفادت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية، حيث تشتمل الاستيراتيجية على خطة دعوية تنقسم لمرحلتين، أولهما قصيرة المدى لمدة عام وأخرى متوسطة المدى لمدة خمسة أعوام. وقالت الوكالة نقلًا عن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، السفير علاء يوسف، أن السيسي أكد دعمه الكامل لخطة الوزارة، مضيفًا أن “تلك الجهود تهدف إلى المساهمة في القضاء على حالات الخلاف والفرقة والتشرذم، والعمل على تحقيق مصالح الناس واحترام بعضهم لبعض”، مؤكدًا “حرص الدولة على ترسيخ أسس العيش الإنساني المشترك بعيدًا عن كل ألوان الكراهية والعنف والتطرف”.

جاء قرار توحيد موضوع خطبة الجمعة بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في عام 2013، حيث كانت وزارة الأوقاف أحد الأدوات الرئيسية في صراع نظام ما بعد أحداث 30 يونيو 2013 مع جماعة الإخوان المسلمين، وعمدت الوزارة إلى السيطرة على المجال الديني في مصر كمحاولة لتقليم أظافر الجماعة بنزع أحد أهم أسلحتها، ألا وهو الدعوة الدينية.

وبدأت حرب المنابر حينما أعلن “جمعة” في سبتمبر 2013 عن تسريح قرابة 50 ألف إمام من العاملين بنظام المكافأة، وهو ما أرجعه الوزير وقتها لمحاولة “منع تسخير المنابر للترويج لمواقف سياسية”، هذا بالإضافة إلى منع صلاة الجمعة في الزوايا والمساجد التي تقل مساحتها عن ثمانين مترًا، بالإضافة إلى السماح لأئمة الأوقاف فقط بالخطابة يوم الجمعة، تبعًا للقرار بقانون الخاص بتنظيم الخطابة، الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور قبيل تركه منصبه، كما اتبعت الوزارة معاييرًا متشددة لضمان عدم اعتلاء المنتمين للإخوان للمنابر مرة أخرى. إلا أن قرار الوزارة في 2013 بتوحيد موضوع خطبة الجمعة على مستوى الجمهورية كان من أهم الخطوات التي تم اتخاذها في سبيل فرض السيطرة. في ذلك الحين، قال جمعة في مؤتمر صحفي إن الخطبة الموحدة لا تهدف إلى فرض قيود أخرى على الحريات الدينية، ولكنها محاولة لإبعاد الجوامع عن الصراعات السياسية والحزبية.

إلا أن قرار الوزارة الأخير بتوحيد الخطبة مكتوبة أثار موجة غضب وانتقادات واسعة بين أوساط الأئمة والخطباء العاملين بوزارة الأوقاف، الذين سخروا من “الخطيب أبو ورقة” الذي قد يثير سخرية المصلين لقرائته الخطبة من ورقة تحمل “املاءات الحكومة عليه”. يقول أحد أئمة وزارة الأوقاف، طلب عدم ذكر اسمه، إن هناك حالة رفض عامة بين أئمة الوزارة للقرار. ووجه الإمام انتقادًا حادًا لجمعة، مرجحًا أن القرار يعود “لفشله في وضع خطة حقيقية لتجديد الخطاب الديني في مصر، ولذلك فهو يحاول إرضاء القيادة السياسية بأي شكل”.

وأضاف الإمام أن القرار سوف يحول الأئمة “لبغبغانات فوق المنابر”، رافضًا عقد مقارنات مع دول الخليج التي تطبق الخطبة الموحدة المكتوبة، خاصة وأن طبيعة هذه الدول لا تشبه المجتمع المصري، الذي يتميز بتنوع الفوارق الثقافية والاجتماعية والجغرافية، والتي بدورها تتطلب حرية أكبر للأئمة لاختيار موضوعات تلائم مجتمعاتهم. ويرى الإمام أن “جمعة” نقل للقيادة السياسية صورة غير حقيقية حول مدى توافق الأئمة حول الخطبة المكتوبة. وأضاف: “يدعي الوزير في كل قراراته أنه يستشير مجتمع الأئمة، ولكن هذا غير حقيقي، ففي كل مرة يتم الاجتماع مع أئمة معينين يحظر عليهم النقاش مع الوزير في مشاكل الوزارة”.

ويرى الإمام أيضًا أن القرار يصعب تنفيذه، خاصة مع فشل الوزارة في تطبيق قرارات مشابهة مثل منع عقد خطب الجمعة في الزوايا التي تقل مساحتها عن ثمانين مترًا، حيث ما زالت الخطب تُعقد في هذه الزوايا ومن أئمة غير منتمين للأزهر ووزارة الأوقاف، على حد قوله.

وانتقد الأئمة كذلك الاستثناءات التي سيتم منحها لبعض الأئمة لارتجال الخطبة، خاصة أن معظم الأئمة يحصلون على تقديرات ممتاز وجيد جدًا في التقييمات السنوية التي تجريها الوزارة، مما قد يفتح الباب واسعًا للتمييز بين الأئمة.

وفي رده على انتقادات الأئمة للقرار، قال رئيس القطاع الديني، جابر طايع، لـ”مدى مصر”: “لن نحل كل مشاكل مصر في التليفون”، مضيفًا أن الوزير استطاع إقناع قيادات الوزارة بالقرار، وأنه يهدف لإقناع وكلاء الوزارات الذين سيقومون بدورهم بإقناع الأئمة في المحافظات بأهمية تطبيق القرار.

ويقول الشيخ محمد صبحي، الإمام بوزارة الأوقاف بمحافظة البحيرة، إن المشكلة الأساسية بالقرار الأخير هو هدم تماشيه مع الاحتياجات المتنوعة للمجتمع المصري. ويستدرك: “كخطيب وإمام يعمل في الأرياف، فإن الخطبة الموحدة في الأساس لا تناسب المجتمعات الريفية في كل وقت، فما بالنا بالخطبة المكتوبة. إذا كانت هناك جنازة، فلا يمكن أن أتحدث عن موضوع آخر لا يناسب حالة الحزن والحداد، بل إن الخطبة يجب أن تساير الواقع واحتياجات كل مجتمع. أنا التزم فقط بالخطبة الموحدة حتى لا يقع علي ضرر وليس عن اقتناع بها. إذا كانت الدولة تهدف للسيطرة على المجال الديني فلا مانع، ولكن يجب الاهتمام باحتياجات المجتمع أيضًا”.

ويرى صبحي أن القرار من الصعب تحقيقه بشكل عملي، خاصة في الأرياف والمناطق المتطرفة البعيدة عن رقابة الوزارة، شارحًا: “تركز الوزارة على مساجد كبرى بعينها، لكن في المناطق المتطرفة تغيب رقابة الوزارة، فمنذ تطبيق الخطبة الموحدة في 2013 لم يأت مفتشًا واحدًا من وزارة الأوقاف للتفتيش علي في المسجد الذي أعمل به”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين