Define your generation here. Generation What
أفراح القبة.. أحزاننا العادية
 
 

“ما أسعد من لا يضيع خفقان قلبه في العدم” -رواية أفراح القبة لنجيب محفوظ، واسم مقطوعة من موسيقى المسلسل لهشام نزيه.

كيف صارت جرعة يومية من الدراما الرمضانية شغلنا الشاغل؟ كيف استحوذ أبطال أفراح القبة/ مسرح الهلالي على خفقان قلوبنا؟ كيف استطاع مسلسل واحد أن يمسك بخيوط أسئلة موجعة عن الوجود والعدم؟ كيف يُهزَم الوجود فيصير عدمًا؟ كيف نُهزم مرة تلو الأخرى ونبقى نؤدي أدوارنا؟ ما الحقيقة وما الخيال؟ وكيف تتعدد أوجه حقيقة واحدة؟ ثم “إحنا جينا هنا ليه؟ جينا الدنيا ليه؟”.

ما أن يدق سرحان الهلالي ثلاث مرات تمهيدًا لرفع الستار كل ليلة حتى نأخذ موقعنا في كواليس المسرح، تمسي كل منا عضوة جديدة في فرقة الهلالي المسرحية، تتابع ما يسرده نص مسرحية عباس، تنبش بين سطور الحوار عن رؤيتها هي في هذه المسافة الممتدة بين ما ترويه المسرحية وما تستدعيه ذاكرة الأبطال، تري أيهما أقسي. تتوحد إحدانا مع تحية، وتخطف سنية قلب الأخرى. ما أن تنتهي الحلقة حتى ننصب الاستوديو التحليلي عبر رسائل الفيسبوك التي قد تمد النقاش بيننا على مدار اليوم. تمتد رسائلنا أحيانًا الى عالم تويتر المفتوح، حيث يتابع أبطال القبة فرحتنا بعمل درامي ملك وجداننا، كما يتابعون شذرات مما فجروه بعملهم هذا من أحزاننا العادية.

***

“يعني وبعدين معاكا يا ساقيني المر سِكّ.. دا القلب في هواكا بيعمل تكا تك.”-أغنية شكوكو بصوت طارق وتحية.

يشرح طارق رمضان لتحية عبده نظريته في مراحل التعايش مع هزيمة أحلامه في الحياة. فلسفة طارق المقنعة تقوم على أن الحياة ما هي إلا ثلاث مراحل: العشم – الزهق من العشم – وأخيرًا “كله محصل بعضه”. يستغرقنا السؤال عن أين تقف حياة كل منا الآن طبقًا لتلك المراحل؛ آخر الزهق من العشم أم أول اللامبالاة؟

نفكر لماذا يستهوينا طارق رمضان بينما ننفر من عباس؟ يقول صديق: “طارق منا ونحن منه، فنحن نحبه ولا نطيق خصومه”. ثمة عبقرية في بناء شخصية طارق المركبة، فهو “ابن نادية الله يرحمها” سكنه الفقد منذ يتمه المبكر. نفس هذا اليتم المبكر أحال سرحان إلى شخص بادي القسوة، كافر بالحب وينتهج استعمال البشر. أما طارق فصار مزيجًا من الهشاشة والقسوة. هو المحب الذي يفيض حنانًا لكنه يعجز عن تقديم وعود بأمان لم يعرفه منذ اقتلعه الفقد الأول. هو الثوري الـذي اختار تقبل هزائمه بالاختباء من أحلام الثورة واللواذ بالفن، مكتفيًا بالأدوار الثانية بعد أن هُزمت بطولته خارج المسرح. يصير واقع طارق، بفقده وحيرته وهزيمته، هو دور البطولة الوحيد الذي يحمل له تحققًا على خشبة المسرح، إلا أنه يُهزم مرة أخرى حين يفاجأ بحقيقة أنه، وإن أصبح أخيرًا البطل على خشبة المسرح، فلن يملك أبدًا تغيير سطر واحد في نص قد كُتب، في نص صار قدرًا وحقيقة، حتي وإن امتلك العرض.

***

“بحب مادة التاريخ عشان فيها حواديت وحكايات وأحداث وناس وأماكن. حواديت فيها حب وكره وتضحية وقتل وحياة مليانة خير وغرقانة شر. ستات ورجالة أبطال وأشرار، لا هما ملايكة ولا هما شياطين، بس بنى آدمين، كانوا عايشين ومبقوش عايشين”. عباس لتحية الممسكة بكتاب التاريخ في الحلقة ٢٥.

يحكي التاريخ أن “أفراح القبة” كان مصطلحًا يُطلَق على احتفالات العامة بزفاف الوالي العثماني أو أحد أبناء القصر، والتي كانت عادة تجري عبر ترديد الأغاني في مواكب تستمر لعدة أيام. تري هل كانت جموع المصريين حقًا تهتم بأفراح القصر آنذاك وتشارك المحتل/المستبد أفراحه؟

قدمت لنا “أفراح القبة” حواديت التاريخ، يصاحبها تراث شكوكو المنسي. وكما قدمت لنا صوتا بديلًا للعامة يختلف عن موسيقى عبد الوهاب أو عبد الحليم أو أم كلثوم التي ارتبطت في ذاكرتنا بمرحلة خمسينات الثورة وستينات النكسة، فقد قدمت إجابة بديلة عن سؤال “كيف كان الناس يمارسون حياتهم اليومية علي وقع تلك الأحداث التي دونتها كتب التاريخ، وقدمتها من قبل دراما دأبت على المبالغة؟” يحطم المسلسل كليشيهات السينما والتليفزيون عن فكرة اللحظات الفارقة في تاريخ مصر. كانت النكسة في طور الحدوث التدريجي في مجتمع تعددت هزائمه ما بين الجلاء وإعادة الاحتلال. خطاب التنحي واكبته رقصة سنية وبداية تفردها بخشبة المسرح. يوم مات عبد الناصر فقدت سنية جنينها ولم يبك كثيرون على موت ناصر ولا على الجنين المجهض. يوم عبور ٧٣ لم نر مشاهد لتوزيع الشربات في الشوارع، بل رأينا انتحار سنية وطفلها اللقيط وإعدام أشرف شبندى. ربما اختار جيل النكسة الاستسلام والغرق ليأخذ معه أجيالًا بعده عانت من أعراض ما بعد العبور؛ الانفتاح وغياب العدالة المستتر خلف مجانية التعليم وشعارات الاشتراكية. اختارت سنية الانتحار بعد أن شوهت سنوات الضياع جمالها وهزمتها. سنية -وان لم تكن موجودة في نص محفوظ الأصلي- هي قطعًا خليط من سذاجة نفيسة في “بداية ونهاية” وتطلعات حميدة في “زقاق المدق”.

قدمت لنا “أفراح القبة” القصة البديلة لما فُرض علينا في كتب التاريخ والإعلام الموجه باعتباره “أفراحنا”، نحن العامة، بينما كانت هي “أفراح القبة” التي تحمل في طياتها أحزاننا العادية.

يقفز إلى الذاكرة مشهد عابر من القصة البديلة:

-جدو… انت كنت بتخرج في مظاهرات وانت طالب؟

-…

– جدو… انت مشيت في جنازة عبد الناصر؟

-…

– جدو… وزعت شربات علي الشارع لما انتصرنا في ١٩٧٣؟

– لا… كنا في رمضان وجانا الخبر الصبح. ساعديني في الكلمات المتقاطعة؛ انتصار استراتيجي مصري في ٦ اكتوبر ١٩٧٣… أوله (ال) وآخره (ر)… يبقى إيه؟

– العبور يا جدو.

***

“ليه يا تحية؟”

سألها طارق ثم سألها عباس.

تحية هي الوجه الآخر لطارق. حالمة تجمع بين البراءة والاستنصاح. هي ليست علية وليست سنية وقطعًا ليست درية وطبعًا ليست حليمة. هي صادقة في براءتها وطموحها وحبها. تحلم وعلى عكس طارق تعافر لتحقق أحلامها. لا تنفعها الأحلام ولا الموهبة ولا المعافرة ولا الاستنصاح. ينهزم حلمها على خشبة المسرح أمام جبروت درية وتطلعات سنية. تبارز درية برقصة تقطر ألمًا وهي تعرف أنها، وإن غلبتها في ساحة الرقص، ستظل عاجزة عن هزيمتها. تنفض الهزيمة عنها سريعًا وتعود بعدها بدقائق تتمتم بكلمات أغنية “بغار عليكي”.

بين الفلاش باك ونص عباس، لا نعرف على وجه اليقين إذا كان طارق هو من صفعها أم هي من صفعته. ولا إذا كان هو من قال لها: “كملي لوحدك يا تحية”، أم هي من قالت له: “كمل لوحدك يا طارق”. نعرف يقينًا أنه قال لها: “أنا مش عاوز” حين طرحت فكرة الزواج وانجاب الأطفال. ونعرف أنه أهانها حين قال: “من إمتى بيتقفل عليكي باب يا توحة؟”، ونعرف أنهما في المسافات بين الحب والخذلان عادا يغنيان “الهاشا باشا تاكا” لبعض الوقت، حتى قالت له: “امشي يا طارق”، “هابدأ مع عباس من غير لا خناقات ولا عقد يا طارق”، “هاتجوز عباس وهاجيب منه عيال وهننسى الماضي”.

جاء عباس يحمل لها حلمًا أخيرًا بالتحقق “أنا حبيت الحلم يا عباس”. الهزيمة هي ابنة الحلم. أتي الحلم الأخير مع عباس في مساحة “ال٢٠٠ إحساس اللي لا هما حب ولا هما كره”، ولم يكن كافيًا ليُنسيها الماضي، ولم يكن كافيًا ليبقيها حية. ربما لم يكتم عباس أنفاسها بيديه، إلا أنه يظل قاتلها.

لن نعرف أبدًا “ليه يا تحية؟” لا إجابة واحدة قاطعة، وهو ما ينسحب على قصص سرحان ودرية، وكرم وفتنة، وكرم وحليمة. قدمت لنا “أفراح القبة” جوهر مأساة البشرية؛ تنهزم أحلامنا ولا نحصل أبدًا على إجابات قاطعة.

***

“النص بتاع المؤلف، بس العرض ملكي أنا، ع الخشبة أنا”- طارق رمضان

يقتحم طارق خشبة المسرح في غير مشهده، ويملي سطورًا على درية/تحية كان يمكن في حينها أن تغيِّر مجرى القدر.

من بإمكانه تغيير مجرى القدر؟ بل من يحدد أي نص يعتلي المسرح؟ ومن يحظى بأدوار البطولة؟

وافق سرحان على نص احتوى ما سبق أن رفضه قبل ربع قرن، دون أن يقدم تفسيرًا سوى أن “الزمن دار”. منح عباس فرصة أن يغادر “الكمبوشة” وأن يعتلي نصه خشبة المسرح، بينما كُتب على كرم الذي جاء المسرح للمرة الأولى مؤلفًا أن يبقى مردّدًا نصوص غيره داخل الكمبوشة إلى الأبد. لا يكسب كرم سوى تحرر علاقته بعباس من عقدته القديمة: من أبوه؟ وهل هو حقًا أباه؟

تقول درية: “حتى جمهوري بيمثل إنه جمهوري”، تدرك أن سرحان وماله والأفيشات يصنعون أبطالًا قد لا يكونون أبطالًا. إسماعيل هو بطل فرقة الهلالي، إلا أنه في الحقيقة، أو في نص عباس، بلا ذكر. برغل كان يريد أن يكون ممثلًا دون أن يمنحه القدر/سرحان/عباس فرصة لتحقيق ذلك. لا نعرف أبدًا من قدم جملتي عم محمود الذي مات فجأة. ونعرف ألا أحد سوى عائلته اهتم حقًا لموته.

تأخذنا الحكايات الفرعية في المسلسل إلى نفس الأسئلة الوجودية التي يحملها الخط الرئيسي. من يكتب التاريخ؟ من يحدد أبطاله؟ من يعرف الحقيقة فعلًا؟ وكيف تحكم الذاكرة الانتقائية رواية الماضي الشخصي والعام؟

ضائع عباس بين أمنية أمه “دا ملاك” وتحامل أبيه “دا شيطان”. يظل يبحث عن الكمال، عن النضج، عن حكاية مكتملة ليكتب منها مسرحيته. يتناسى أنه لا ملاك ولا شيطان. لا يعتلي خشبة المسرح إلا حين يكتب نصًا من تراجيديا حقيقة أبطالها بني آدمين.

لا نعرف يقينًا من كاتب السيناريو والحوار للمسلسل، محمد أمين راضي أم نشوى زايد أم كلاهما. ولكن نعرف أن إجبار المسلسل على اعتلاء مسرح الدراما الرمضانية لم يكن بالضرورة أفضل الخيارات. في ظروف غير رمضانية وحلقات أقل من الثلاثين كان يمكن لهذا العمل أن يكون أفضل ما قدمته دراما التلفزيون على اﻹطلاق. إلا أن بعض التطويل وكثير من الربكة في نهاية المسلسل جاءا وكأنما يؤكدان على نقائص البشرية، ويصبان كأسًا أخيرًا في أحزاننا العادية.

ملعونة هي الهزيمة…”بس الفن عمره ما كان ملعون”. كرم يونس.

اعلان
 
 
حنان البدوي