Define your generation here. Generation What

بين 2013 و2016.. هل حقًا تتمكن السلطوية بلا مقاومة؟

أدهشني كثيرًا ما كتبه السياسي المتميز والباحث الجاد عمرو حمزاوي في مقاله المنشور في جريدة الشروق تحت عنوان “بين 2013 و2016.. تفسير تراجع الليبرالية واليسار في مصر“، ففي تعميم واختزال لم أعهدهما منه من قبل، أطلق حمزاوي أحكامًا عامة وقاسية على القوى الليبرالية واليسارية.

كان حمزاوي في مقدمة مقاله قد قسَّم القوى الليبرالية واليسارية إلى مجموعتين؛ اﻷولى “التصقت بالسلطوية وقبلت فتات الحضور التشريعي والتنفيذي والذي تلقي به إليهم” بينما المجموعة الأخرى انسحبت من تأييدها بعد أن تورطت على حد تعبيره “في تمكين هذه السلطوية الجديدة، وإطلاق يدها القمعية على المجتمع والمواطن، وحلَّقت تدريجيًا حول مواضع المعارضة والبَحْثٍ عن بديل لم تستقر مرتكزاته أو تتضح معالمه”. ورأى حمزاوي في استنتاج المقال الأساسي أن الاختيارين “لم يحولا بين الليبراليين واليساريين وبين تراجع وغياب الدور وغياب الفاعلية، كما أنهما لم يقللا على اﻹطلاق من سيطرة السلطوية الجديدة على أمور الحكم”.

تورط حمزاوي بهذه الأحكام في تعميم مخل جانَبَه الكثير من الموضوعية والدقة، والأخطر في تقديري هو هذه اللغة التي أعفى فيها نفسه من المسؤولية، أو على الأقل بدا فيها متحررًا من “هموم” الانتماء إلى هذه القوى، التي كان أحد فاعليها، وكان في القلب من تجربتها في أعوام ما بعد الثورة.

وفي حقيقة الأمر، فأنا لا أعرف لماذا جمع اليسار بالليبراليين، وأطلق على التيارين نفس التقييمات واﻷحكام، فهذا الجمع مأخوذ من لغة قوى الإسلام السياسي التي لا تري-عن وعي- فرقًا بين الليبراليين واليساريين، وهو مرتبط برؤيتها الأحادية للصراع الدائر، الذي يقتصر في تصورها على صراع “عقائدي” صفري بين القوي الدينية والعلمانية. هذه الرؤية تحتقر السياسة والتاريخ، فلا ترى مستويات الصراع الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية في المجتمعات الإنسانية، وبالتالي لا تميِّز بين اليساري والليبرالي، بل ترى نفسها في مواجهة كل “الآخرين”. وقد لا يخدم تكريس هذه الفكرة الحركة الديمقراطية، ولا يحسِّن شروط اختراقها لقطاعات شعبية طالما عملنا بدورنا على تأبيد إيداعها في سجن “المعسكر العلماني”، دون التمييز بين موقف هؤلاء العلمانيين من السلطوية أو من قضايا المواطنة أو موقعهم في الصراع الاجتماعي، أي عملنا على طمس هويتهم وتجاهل التمايز بينهم في الفكر والموقع السياسي والكفاحية، وهو اختزال يفتح الطريق ﻹطلاق اﻷحكام العامة وللوصول لاستنتاجات لا ترى التمايزات، ولا ترى داخل هذه التيارات أي إمكانية لتجاوز أمراضها والانحياز لمبادئها.

ربما كان من واجب حمزاوي، من حيث تعريفه لنفسه كسياسي وباحث مؤمن بالفكرة الليبرالية، أن يقيِّم تجربة التيار الليبرالي في مصر وأزمته ودعم بعض أطيافه للسلطوية، ووهن أجنحة التيار الليبرالي المتسقة بحق مع الفكرة الليبرالية، ومنها هذه الجماعة السياسية التي انتمي إليها هو نفسه، والتي اتخذت موقفًا مبكرًا وأصيلًا  من السلطوية، وأن يقيّم العزلة الجماهيرية لهذا التيار، وينقّب عن جمهوره المحتمل بين قطاعات الطبقة الوسطي المدينية وفرص الارتباط بهذا الجمهور، وكل هذه الأمور والأسئلة التي اكتسب عمرو الحمزواى فيها خبرات ورؤى، من خلال نشاطه السياسي ورئاسته لحزب ليبرالي لعدة أعوام. ولهذا كان مثيرًا للدهشة أن يقوم حمزاوي في مقالته بضم تجربة اليسار إلى هذا التقييم “المخل” وإطلاق الأحكام عليها بهذه البساطة. وأنا هنا لا أصادر على حق حمزاوي في تقييم تجربة اليسار المصري ومحاكمته محاكمة قاسية، ولكن هذا بدورة كان يتطلب قراءة أكثر جدية وعمقًا لهذه التجربة وأسئلتها ومكوناتها ومساراتها المتنوعة، بل والمتناقضة .

وهنا في الحقيقة، أريد سؤال حمزاوي، ألم ير بحق في الأعوام من 2013 إلى2016، مقاومة لبناء هذه السلطوية، وهل بحق فشلت هذه المقاومة في تقليل سيطرة السلطوية الجديدة؟

من ضمن اتهاماته للتيارات اليسارية والليبرالية، كان عدم تقديم هذه التيارات الحماية للنقابات المهنية التي خاضت معارك مع السلطوية. وفى الحقيقة لا أعرف هنا لمن يوجه حمزاوي كلامه، وأجد أنه لا مفر من السؤال: ألم تقُد  رموزٌ محسوبةٌ على هذه التيارات، وممثَّلة في مجالس هذه النقابات، هذا الصراع مع الدولة، فمن تصدى لمعركة الأطباء ومن يتصدى لمعركة الصحفيين اﻵن؟ ومن يتصدى لمعركة النقابات المستقلة ومن يتصدى لمعركة المجتمع المدني نفسه؟ أليس في القلب من هذه الصراعات رموز وقوي تنتمي لهذه التيارات وتواجه بشجاعة كل هذا القمع والبطش، وتسعى لقطع الطريق على فرض السلطوية لإرادتها وتصفية الحركة السياسية؟

ألم يسمع عن معركة الطلاب مع الدولة في قضية اتحاد الطلبة المنتخب والتي قادها طلاب منتخبون منتمون إلى التيارات السياسية التي يدينها؟ وكون هذا نفسه سبب حل الأمن لهذا الاتحاد المنتخب؟

أعرف موقف حمزاوي من قضية الجزيرتين، وأتفهم تخوفه من المزاج القومي والشعبوي والمهيمن بالفعل على طيف واسع من النخب السياسة، ولكن في نفس الوقت أتساءل: ألم يتابع  هذا الحراك الواسع الرافض ﻹدارة مصر لعلاقاتها اﻹقليمية من خلال صفقات سرية تتجاهل فيها المواطنات والمواطنين المصريين والدستور والقانون؟ ألم يعرف بأن معركة كبري دارت في الميادين والسجون وفى ساحات المحاكم للتصدي لهذا الإجراء السلطوي من قبل النظام؟ ألا يعرف أن هذا التحرك ليس منزوع السياسة، ولا منزَّهًا عن التيارات السياسية في المجتمع؟ ألا يعرف أن هناك قوى متقدمة تسعى لإنقاذ المعركة من براثن الشعبوية القومية وتعمل على تحويلها لمعركة لرفض تحول مصر إلى عزبة لا وزن فيها للبشر أو القانون، ورفض خضوعها بالكامل لأكثر القوي رجعية وانحطاطًا في المنطقة؟ ألم يلاحظ هذه الطاقة النضالية وهذا المستوي من المواجهة والتضحية الذي اتسمت به هذه المعركة وكل المعارك المتتالية مع هذا النظام؟ ألم يلاحظ أن هذا الحراك، رغم كل التضحيات، قد حقق انتصارات على هذه السلطوية وفتح الطريق لحلقات جديدة من النضال؟

أتفهم جيدًا إدانة عمرو حمزاوي لبعض النخب العلمانية ذات النزوع السلطوي واتهامه لها بعرقلة مسار بناء تيارات سياسية ديمقراطية مستقلة وفاعلة، وهناك بالطبع أخطاء، وربما جرائم، ارتكبتها القوي السياسية الديمقراطية ليس فقط بداية من يونيو 2013. وأتفهم كون كل هذه التجارب تحتاج لتقييم ومصارحة، ولكن ما لا أتفهمه هو تجاهل هذا النضال الديمقراطي الكفاحي الذي يتصارع في ميادين متنوعة دفاعًا عن الحق في حياة كريمة وحرة، ولا أتفهم تجاهل حجم التضحيات المدفوعة يوميًا في سبيل مواجهة هذه السلطوية الغاشمة، هذا النضال الذي تقوده حركة مرتبطة بأجنحة وتجارب ديمقراطية تنتمي للتيارات السياسية “المدنية”، وهي حركة يتجاهلها حمزاوي رغم أنها تعمل بدورها على الخلاص من سطوة النخب التقليدية البائسة ومن ميراث التبعية للسلطوية أو الرجعية، لصالح إعادة تأسيس هذه التيارات السياسية على أرضية أكثر ديمقراطية وارتكازًا على الرصيد الثوري الذي بقي في وعي الآلاف من الشباب الذي ألهمته ثورة يناير، ولا يزال يخوض معاركها، هذا المشروع الذي يتجاوز اختبار الموقف العلني لبعض الرموز “من الخروج عن الإجراءات الديمقراطية منذ ثلاثة أعوام” لصالح خوض معارك الديمقراطية في أي مساحة ممكنة، وبالارتباط مع قطاعات من الجمهور، مساحات تبدأ من التحقيق الصحفي الشجاع إلى معارك النقابات إلى حرم الجامعة، فالنضال الديمقراطي ليس مجموعة من المواقف الصحيحة والآراء المبدئية، بل عملية كفاحية من لحم ودم تعمل على مقاومة السلطة المستبدة والتعبئة ضد السلطوية وتأمين الحركة والساحات المحررة، في مشروع بالغ الصعوبة ومحفوف بالمخاطر والتضحيات ولا بديل عنه، وهو مشروع هجره عمرو حمزاوي عندما اختار ترك حزبه وجماعته السياسية الواعدة واكتفى بمساحة المقالات التي تحولت أخيرًا إلى مساحة للتعميمات والاختزال، مسكونة بمرارة وإحباط ندعوه للتخلص منهما ليعود رصيدًا للحركة الديمقراطية من جديد.

اعلان
 
 
أكرم إسماعيل