Define your generation here. Generation What

خروج بريطانيا: ماذا حدث وماذا بعد؟

عندما استيقظت صباح الجمعة في هيرتفوردشير (بجنوب إنجلترا)، كانت بريطانيا قد قررت بنسبة 52% من أصوات الناخبين الخروج من الاتحاد الأوربي، وكان رئيس الوزراء ديفيد كاميرون قد استقال.

كانت الصدمة الثقافية الناجمة عن هبوط طائرتي في المملكة المتحدة راجعة من القاهرة يوم الخميس الماضي ـ أي يوم الاستفتاء ـ والاستماع إلى نجم الإذاعة جيريمي فاين في تعليقه لبي بي سي، قد جعلاني أتعاطف مع مشاعر الصحفي جاك شينكر بشأن هذا التصويت، حيث شبَّه الأمر بـ”الزحف، دونما سلاح، إلى إحدى معارك لعبة العروش المحتدمة تحت سماوات متقلبة، وعلى خلفية موسيقية ملحمية، ولكن دونما معرفة حقيقية بمن ينتمي إلى أيٍّ من الأطراف المتحاربة، ودونما دراية بالطريقة التي يفترض أن أخوض بها القتال، أو بالسبب اللعين الذي يجعل كل أورجي الدمار المتبادل المجاني هذا قائمًا من الأساس”.

كان رد فعلي الأولي على الاستفتاء وأنا في القاهرة (التي قضيت فيها أغلب السنوات الست الماضية) هو أن الساسة وبعض أصدقائي اليساريين يغالون بعض الشيء. فلماذا يعتبرون التصويت بالخروج من الاتحاد الأوربي مكافئًا للعنصرية ورهاب الأجانب والفاشية، بينما ينظرون إلى التصويت بالبقاء باعتباره البديل التقدمي الاحتوائي؟ وما سر حدة الناس الشديدة إزاء المسألة كلها؟

يختلف الواقع التاريخي للاتحاد الأوربي ـ من وجهة نظري ـ اختلافًا كبيرًا عن البروباجندا التي يشيعها الكثيرون في معسكر المصوتين للبقاء. أليس الاتحاد الأوربي ـ في نهاية المطاف ـ مشروعًا يندرج ضمن السياسات المشتركة المعادية للهجرة، ويضمن التحالفات العسكرية في جنوب البحر المتوسط وشرقه من خلال دعم أنظمة حكم قمعية وإنشاء سوق للتبادل التجاري يتسم بالقوة والموالاة لأوروبا، وليس اتحادًا أسطوريًا للسلام والتلاقي؟

يتجلى هذا بوضوح في رد فعل الاتحاد الأوروبي على انتخاب حزب سيريزا اليساري في اليونان، برفضه الاعتراف برغبته في إعادة التفاوض على تخفيف الدين والتقشف، وضمانه لنخبة بروكسل الاستقواء على اليونان وإرغامها على نظام نيولبرالي محابٍ لمصالح رجال الأعمال.

ولكن هذا لم يكن استفتاء من الشعب على النظام النيولبرالي، بل استفتاء حرَّض عليه ساسة استغلوا مخاوف كثير من البريطانيين وقلقهم، وسط تصاعد رهاب الأجانب والعنصرية. في سياق كهذا، أجد أنني واعية بأن الدافع الثوري القائل بـ “اللعنة على الاتحاد الأوربي” هو إلى حد ما دافع مضلل يضع كل من يقول به عمليًا في تحالف مع اليمين المتطرف.

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي هو تركة لصفقة اقتصادية أبرمت في مطلع ثمانينيات القرن الماضي فأفادت مراكز اقتصادية معينة في بريطانيا وانحدرت بكثيرين آخرين. ويمكن أن نرى نتائج هذا التفاوت [في الدخول] واضحة في التصويت: فإلى حد كبير صوَّتت لندن والجنوب الشرقي لصالح البقاء، في حين صوَّتت الأغلبية في مناطق مثل بيتربورو ولينكولنشير لصالح الخروج. بينما انشقَّت مناطق مثل مانشستر وبريمنجهم، مع كلام كثير من قدامى الناخبين البريطانيين الآسيويين والأفارقة عن الخروج بحماس جارف لا يقل عن حماس الطبقة العاملة البيضاء. وآلاف الناخبين المسيَّسين والعديد من المدن الجامعية مثل بريمنجهام ونوتنهام وكوفنتري صوَّتت أيضًا لصالح الخروج بأرقام هائلة.

تبيِّن الاستطلاعات أن التصويت لم يجرِ بدافع محض من أبناء الطبقة العاملة البيض المصابين برهاب الأجانب، برغم أن بي بي سي أجرت حوارات مع كل من استطاعت الوصول إليهم من الأفراد المتعصبين في قاطني عمارات الدولة في شمال البلد وجنوبه في أخبار الساعة العاشرة في اليوم السابق على التصويت.

لم أكن حاضرة لأرى الغضب الذي اكتنف البلد في ظل حكم كاميرون، وحتى لو كنت حاضرة، فلا يخفى عليّ أن فقاعتي اللندنية كثيرًا ما تفصلني عن واقع الكثيرين. ولكن يزداد وضوحًا لي أن هذا الاستفتاء لم يكن على الاتحاد الأوروبي، بل على التفاوت [في الدخول] وعلى الطبقة، والغضب المتزايد على النخبة الحاكمة المتعالية التي يمقتها الكثير من الشعب ووسائل الإعلام.

الشعب غاضب لعدد من الأسباب، وغضبه محسوس. مشكلات نقص السكن والبطالة ومهانة الطبقة العاملة وعجز أعضاء البرلمان عن مخاطبة الأغلبية، سواء في اليسار أو في اليمين، هي ما أدت إلى تفاقم هذه المشاعر.

في صباح الجمعة، كان الناس بالفعل يوجهون الاتهامات. على من ينصب اللوم: على المسنين الذين يشعرون بالحنين إلى ماض لم يكن له وجود، أم فقراء الطبقة العاملة، أم اليمين المتطرف، أم وسط إنجلترا، أم من لم يصوتوا؟

ثمة ثلاثة ردود فعل دالة من أصدقائي في اليسار، وتتراوح من الرغبة في الرحيل، والتلهي عن السياسات الكبرى، والانهماك بصورة أكبر في المجتمعات المحلية، إلى لوم غير المثقفين، إلى الرغبة في “تثقيف الشعب” ـ وهذه آراء كنت أسمعها بين الحين والآخر في دوائر الناشطين والصحفيين واليساريين في القاهرة.

ما الذي سيعنيه هذا؟

لم يحدث إلا في صباح الجمعة أن أدركت السبب الذي جعل شخصًا يغير 800 ألف جنيهًا في مكتب الصرافة أمامي في مطار هيثرو في اليوم السابق، في مفارقة أخرى أعيها تمام الوعي وأنا أتحسر على افتقار اليسار إلى التأهب لمواجهة هذه اللحظة والتخطيط للمستقبل.

لقد ضاعت بالفعل بلايين الجنيهات من صناديق التقاعد، وسيتسنَّى لسماسرة العقارات الشراء بأسعار منخفضة، بينما سترتفع أسعار كل شيء، ومن المحتمل أن تعقد بريطانيا صفقات مع دول أوروبية ثرية من أجل بقاء عمال معينين، والتمييز ضد غيرهم، ومع ازدياد التوتر أكثر فأكثر في كل شيء، سيكون المهاجرون واللاجئون كباش فداء أكثر مما هم الآن.

بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بوقت قصير، دعت اسكتلندة إلى استفتاء آخر على الاستقلال عن الملكة المتحدة، حيث صوَّت 62 في المائة من الاسكتلنديين للبقاء في الاتحاد الأوربي. وأغلبية الناخبين في أيرلندة الشمالية صوتت أيضًا من أجل البقاء، ودعا حزب سين فين السياسي الأيرلندي إلى استفتاء حدودي على توحيد أيرلندة.

قدمت البنوك العالمية سيولة للحفاظ على استقرار السوق، وتخطط الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي للقاء يوم السبت لمناقشة تبعات التصويت. وقال البعض ـ ومن بينهم حملة الخروج الرسمية ـ إن المفاوضات قد تستغرق سنين، إذ ينبغي أن تتفاوض 27 دولة أخرى من أعضاء الاتحاد الأوربي على اتفاقات متعلقة بالتعرفات الجمركية والحدود. هناك أيضًا عمليات جارية ينبغي اتخاذ قرار بشأنها ـ فبريطانيا على سبيل المثال جزء من قوات الاتحاد الأوربي المنتشرة لاعتراض المهربين في ليبيا.

وهناك احتمال أن تحذو دول تعاني من سياسات الاتحاد الأوروبية التقشفية حذو بريطانيا وتجري استفتاءات على عضويتها، أو ربما تقرر الدول الثرية أن تفعلها منفردة هي الأخرى، ولكن الانفصال التام عن الاتحاد في هذه المرحلة يبدو مستبعدًا.

وفيما يهدأ غبار التصويت الذي ترك الكثيرين يتساءلون عن مستقبل المملكة المتحدة وأوروبا، هناك احتياج لفهم سر هذه الجاذبية الكبيرة التي تهيأت لشعار الخروج القائل بـ “استعادة السيطرة”. مثلما يتضح من الأصوات الغاضبة المتفجرة أمامي على شاشة التليفزيون الليلة، يشعر الكثيرون أن الساسة خذلوهم ورأوا في ذلك التصويت وسيلة للاعتراض على وعود مغدورة وتقشف فادح في السنوات الأخيرة.

واليمين متأهب لاستثمار هذا وحشد أنصاره المنتمين إلى قاعدة عريضة. قال نيل فاراج زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة اليميني المتطرف هذا الصباح: “تجاسروا على الحلم بفجر يطلع على المملكة المتحدة وقد استقلت”. ورغم أن هناك دعمًا متزايدًا لبديل ـ مثلما يتبين من انتصار جيريمي كوربين الساحق برئاسة حزب العمل العام الماضي ـ فإن كوربين يواجه الآن احتمال التصويت بسحب الثقة من حزبه. اليسار يعاني حالة متدهورة من التشظي وفقدان الروح المعنوية.

اعلان