Define your generation here. Generation What

شبه قصة قصيرة عن شهور السنة: في رثاء يونيو

“إوعى.. افتح الطريق”، يصرخ اللواء الذي يحمل جهاز اتصال لاسلكيًا ضخمًا وعتيقًا، بأعلى صوت وأوقع نبرة، فيخترق موكب صغير تتوسطه سيارة سوداء بسبب صياحه جمهرة جنود المراسم. حفل تأبين شهر “يونيو” المهيب والضخم في قاعة المؤتمرات الكبرى الجديدة في الحي العسكري خارج العاصمة هو الحدث الأهم اليوم. ستنقله جميع القنوات التلفزيونية الحكومية والموالية وبعض القنوات الإخبارية. المكان من الخارج هالة من الأضواء المشوبة بالزرقة، شديدة كشموس مجتمعة لا يقطعها إلا حمرة سجاد المراسم. إذا رأي غريب المكان قد يعتقد أن هذه البقعة لا تنتمي إلى البلد الأوسع والمثقل بمشاكل خدمات وبنية تحتية واقتصادية طاحنة، وانقطاع كهرباء مستمر، وأوضاع أمنية كابوسية. حفل التأبين حزين. اﻷغرب أن حفل التأبين هذا اجتماع فريد أيضًا، فهو إحدى المرات القليلة النادرة التي تجتمع فيها شخوص الأشهر الميلادية معًا في مكان أحدها. التأبين لشهر يونيو المتوفى.. قتلًا.

ولكن قبل استكمال قصة قتل يونيو والتي أعيدت صياغتها كوفاة، أود أن أشركك في فكرة. في حقيقة أمرها، فاﻷشهر الميلادية، باﻹضافة لكونها مجموعة متتالية من اﻷيام، كل منها مجموعة وتجل لمفاهيم. فأبريل مثلًا هو “أقسى الشهور” وفقًا لتي إس إليوت في قصيدته الأشهر “الأرض الخراب”، ليس لكونه الرابع في الترتيب بين الأشهر، ولكن لأنه يتجلى فيه ضياع أمل الربيع الزائل في التغيير والبهجة. بالطبع أبريل المصري، الذي كان عليه الجلوس في الكرسي السادس في الصف الأول من حفل التأبين، له شأن آخر.

يونيو هو صاحب الفضل الأكبر في إعادة ترسيخ سلطان يوليو أكثر من أي وقت مضى، بمجهوداته في إسقاط الجبهة الدينية الانتفاعية التي ارتقت إلى سدرة الحكم. ولكن كان لابد من التخلص منه من أجل تهدئة البرجوازية وتعظيم شعورها بالأمان النفسي، بالإضافة إلى إحكام قبضة يوليو على السلطة بالكامل، وهو التفسير الذي يؤيده محمد جبريل في مقاله “بونابرت لن ينهي الثورة“، مظهرًا تشابه الحال هنا مع الثورة الفرنسية.

يظل يناير، بجسده النحيل وعينيه الواسعتين العميقتين وملابسه البسيطة التي تنم عن تصالح مع الذات وعدم اكتراث بآراء الآخرين، يصارع القلق في انتظاره ﻷبريل الذي تأخر كثيرًا، ويتحدث هو ونوفمبر، وهو ثاني أكثر الشهور قربًا إلى يناير وأكثرها جرأة، في قاعة الاستقبال المجاورة للمسرح الكبير الذي سيحتضن حفل التأبين. يبتعد عن يناير أغلب الحضور الذين يضمون رجال الدولة والسفراء ومدراء مجالس إدارة أكبر البنوك والمنظمات والشركات العالمية. كلهم تقريبًا في حلل سوداء قاتمة، يحتسون القهوة والشاي ويدخنون. يتحدث يناير مع مارس وأحد الروائيين، ويخبره الأخير أن عليه توخي الحذر، ويحكي له عن كتاب جاك شانكر “المصريون: قصة راديكالية” The ،Egyptians: A Radical Story، ولعله الكتاب الأهم في تحليل ما تجلى في ٢٠١١ وما تلاها. يعطى الكتاب لقصة المصريين الأبعاد الكونية التي تستحقها، وذلك بوضعها في مركز ريادي على خط نار مواجهات شعوب العالم من أجل التأثير وتمثيل الذات والدخول في المعارك الاجتماعية والاقتصادية لحكم الذات في وجه تقاطعات السياسات النيوليبرالية والسلطوية، ناهيك عن الحديث عن عولمة كل من الثورة والثورة المضادة. يعلم الجميع أن يناير لن يُتخلص منه، بالكامل، ولو بعد حين، وأن يوليو ورجاله–كلٌ على حدة–يحاولون التخلص منه ومن تأثيراته، بعد استنفاد الاستفادة منه في الالتفاف على الرغبات الشعبية وضياع قيمته الرمزية. يزداد قلق يناير إزاء تأخر أبريل.

يقدم مضيفون القهوة والشاي للحضور. محمود من بين المضيفين، وهو شاب مؤدب وضحوك، يدرس ويعمل في ذات الوقت، يرتدي مثل بقية السفرجية قميصًا وبنطالًا أسودين. لحظات ثم يتشاجر أحد كبار الضباط، العقيد حسام الدين، بصوت مكتوم مع محمود، رغم اعتذار الأخير مرارًا. السبب هو أن محمود لم يقدم القهوة له بشكل “مهذب”، متسببًا في سكب بعضها خارج الفنجان مذَهَّب الحواف والمقبض، واكتفائه بقول “معلش”. يسقط كوب ماء على قميص محمود بسبب جذب رئيس السفرجية له بدبلوماسية لإنهاء الموقف. محمود، الذي ابتعد عن كل ما هو سياسي منذ ديسمبر ٢٠١١، تاركًا نفسه للسقوط في بئر من العدمية والسوداوية، سار بخطوات مختنقة إلى الحمام، وجعل يفكر في أسوأ الاحتمالات وأقساها؛ ضياع فرصة عمله في هذه الظروف العصيبة.

تهتز الأرض والهواء لقرب وصول يوليو. ولكن قبيل دخول موكب يوليو بلحظة، ورغم بطئه وفوح رائحة الثمالة من فيه، يتسلل إلى القاعة رئيس قسم الأدب بجامعة العاصمة، الدكتور سيف، والذي فقد ابنه في إحدى مظاهرات سنة ٢٠١١، ساءت حاله بسبب استشهاد ابنه، حتى أُجبر على الخروج بمعاش مبكر. بنظارته شديدة السمك وبذلته التي تكبِّر جسده الضئيل كثيرًا، يدخل ويدندن ببيت شعري: “رمضان ولَّى هاتها يا ساقي… مشتاقة تسعى إلى مشتاق”، حاملًا حقيبة بها كتابان، ديوان شعري لمصطفى إبراهيم بعنوان “مانيفستو”، وكتاب “جرامشي عن التحرير: الثورة والثورة المضادة في مصر” Gramsci on Tahrir: Revolution and Counter-Revolution in Egypt لبيرخت دي سميرت، والذي أهداه له أستاذ جامعي صديق منذ شهور، وأخبره أنه من أهم ما كتب عن دراسة الثورة والثورة المضادة في مصر، وفك الارتباط بينهما. لم يجد سيف الفرصة بعد ليقرأه رغم اهتمامه به. يداعب أستاذ سيف أحد الحضور من تلاميذه الذي صار مقربًا من السلطة بعد تحالفها مع يونيو، قائلًا عن يوليو: “يقتل القتيل ويمشي في جنازته”. يرد عليه: “وطِّي صوتك! إنت جاي تعزي ولا جاي تهرج؟”، فيرد: “لأ.. جاي أهرج”. يقهقهان بسرعة لافتين للأنظار ثم يخفضان صوتهما. يتعجب البعض من سلوكهما، لكن لا يلبث الجميع أن يعودوا لحواراتهم المشتركة.

محمود، الآتي من حي متواضع يبعد عدة كيلومترات من الحي العسكري الجديد، ينظر إلى نفسه في المرآة غاضبًا من هشاشة وضع عمله، إذا قد يخسره بسبب هذه الحادثة. يعمل محمود بالطبع في إطار رأسمالي جائر يشمله ويشمل الملايين مثله، رافضًا خلق ضمان يسمح بالتربح لأصحاب المال ويمنع جموح الرأسمالية وجشعها، وهو أقل القليل الذي يمكننا أن نراه في تحليل تامر وجيه “تغيير العالم“. يضج الحي الذي يسكنه محمود بالقمامة، التي ينبش فيها بعض المعدمين بحثًا عن أي شيء يمكن أكله. يشكو الحي من سوء الخدمات العامة والغلاء الحارق. شتان بين ذلك الحي والقاعة في الخارج. هذا الحي، والذي لا يختلف عن معظم الأحياء في البلاد، هو دليل وجودي على الفشل الحتمي والصراع الدائم بين “الثورة الدائمة” لعامة الشعب، والتي سببها الفشل الحتمي للسلطات النيوليبرالية في تخدير الشعب، و “الثورة السلبية” الأبطأ التي تقودها الطبقة الحاكمة، وهي تمثل توجهًا بين الثورة والثورة المضادة بهدف الاستعادة الدائمة لسلطات تلك الطبقة التي تخسرها اجتماعيًا، وهي تخضع تمامًا لتطورات الرأسمالية عالميًا والتغييرات الدولية. وفقًا لأفكار دي سميت، فإن يناير أكد بقاء الثورة الدائمة في القرن الواحد والعشرين، ويوليو، وإن كان حليفًا للغرب والرأسمالية بسبب الحرب على الإرهاب، إلا إن:

“قيادته الفاشية تتبخر، تاركة المجال للخوف السياسي والتهكم والسلبية. لذا سيكون على حركة العمال المنظمة إيجاد الطريق للحركة المدنية الديموقراطية للخروج من الوحل، وإلا سيواجه البلد فترة مطولة من إرهاب الدولة المضاد للثورة”.

يدخل يوليو، ذي الجسم الضخم والوجه الوسيم غير أرستوقراطي الملامح، و يطغى وجوده على المكان. يرتدي بذلة سوداء باهظة، ولامعة أكثر قليلًا مما يتوافق مع الذوق الراقي، ومزدانة بدبوس علم مصر مذهب، وربطة عنق عريضة. بينما يتسابق الجميع في محاولات إرضائه، يتجاهل يوليو مستشاره لشئون التنمية المجتمعية الشاب، الذي يحاول منذ ثلاث أسابيع الحديث لبضع دقائق عن مشكلات الأهالي والمجتمع المحلي المتزايدة مع توسعات مصنع موبكو بدمياط. السبب هو أن يوليو مسكون بهاجس “صورة مصر أمام العالم”، أكثر من الاهتمام بأوضاع المهمشين وعامة الشعب، و بحوكمته الأمنية لكل شيء، وهو الهاجس الذي تحدث عنه محمد نعيم في مقاله الكاشف “أم الدنياضد الدنيا وخارجها“. فمن الطبيعي إذن لهذا المستشار أن ينتظر. في نظر يوليو، كل مشاكل الوطن سببها إما المؤمرة الخارجية، أو عامة الشعب العالة كثير الإنجاب، الذي يطلب ولا ينتج، ولا خير فيه إلا بجبايته، من أجل تمويل عمليات الحفظ على هيبة الدولة–لا الشعب. يدخل يوليو ويقف لدقائق معطيًا المجال لرؤساء الشركات العالمية، ومندوب البنك الدولي، ممن حضروا الاجتماع الاقتصادي، للهمس في أذنيه بسرعة بتطورات الأمور ومتطلباتهم قبل الدخول إلى المسرح حيث ينتظره البدء في حفل التأبين.

يترسخ إدراك يناير أن هزيمته المريرة لم تكن فقط بسبب الثورة المضادة. الأمر لا يتعلق فقط بتحالف القضاء والسلطة الدينية والإعلام، ولا بالقوى الرسمية الخارجية الإقليمية والعالمية، بل إن حتى المنظمات العالمية ومنها البنك الدولي، والشركات البترول والعابرة للقارات تقف ضده. مصالحها جميعًا ضده.

يدخل يوليو مهرولًا إلى مكانه في المسرح في منتصف الصف الأول. على يمينه شيخ الشيوخ ويليه وزير العدل، أما على يساره فيجلس يناير، رغم العداء الكامن بينهما. شدَّد يناير على المنظمين أن يجلس أبريل على يساره بدلًا من وزير الخارجية. نفذ المنظمون طلبه تحاشيًا لأي مفاجآت، لعلمهم بطبيعة يناير المتمردة.

بمجرد جلوس يوليو يبدأ الحفل بتلاوة القرآن. بعدها سيعطَى كل من شيخ الشيوخ ووزير العدل كلمة، ثم يُختتم التأبين بكلمة يوليو. يبدأ قارئ بالتلاوة من سورة هود بتجويد رشيق، متأن عذب، وصوت أعلى قليلًا مما ينبغي. يتوقف في المنتصف.

ولكن الضابط حسام الدين غير قادر على التحكم في هياجه وغضبه من محمود. يقرر الانسحاب بجثته الرياضية في رشاقة وسرعة من المسرح باحثًا عن محمود. يخبره العساكر أن محمود دخل للتو إلى الحمام في الطابق الأعلى والمواجه لغرفة البث وهندسة الصوت. يتجه إليه.

يبدأ شيخ المؤسسة الدينية في كلمته. ويتحدث عن مؤسسته بصيغة الجمع أو الغائب، وكأنها قاضٍ علوي متسام فوق الواقع، مما يعطي مواقفها موضعية وإنصافًا لا يتأتيان لغيرها. إلا أن هذه المكانة والخطاب كما تؤكد بسمة عبد العزيز في كتابها الهام، “سطوة النص: خطاب الأزهر وأزمة الحكم” الذي أجادت فيه استخدام منهج التحليل النقدي للخطاب، مستهدفة خطابات الأزهر في الأشهر الثلاث التالية لبزوغ نجم يونيو، أي أحداث ٣٠ يونيو، ومستخرجة الملامح العامة والأدوات الخطابية التي تستخدمها المؤسسة في تأييد السلطة وانتقاد الشعب، لا الدفاع عنه. لا يستخدم الأزهر سلطته للحديث عن المهمات مثل فشل حوكمة يوليو وانحسار الخدمات في مواجهة الغلاء الفاحش، ناهيك عن انتشار بطش السلطة الأمنية والتعذيب، وتأثير هذا كله على مصالح العباد كالأوضاع في حي محمود؛ وهو أمر حيوي من مقاصد الشريعة المركزية، وتشارك الكنيسة الأزهر في هذا الانحياز للسلطة. يستمع إليه يناير ويتذكر كيف استُدرج من كونه غالبية في الشارع إلى أقلية في مراكز الاقتراع تبحث عن فوز مستحيل في معارك هوياتية انتخابية مرتكزة على الدين. يتذكر خطأه. يندم. يرمق مارس.

يزيد هذا يناير قلقًا على قلق على أبريل.

***

في هذه الأثناء يدخل الضابط حسام الدين الحمام الذي يجلس به محمود وقد خلع قميصه الأسود وبقى عليه تي شيرت أسود كُتب عليه “وطن بلا تعذيب”. حالما يسقط نظر حسام على التي شيرت ينفجر غيظًا وينهال ضربًا على محمود، قائلًا بانفعال شديد وصياح مكتوم: “هاربّيك. عامل راجل؟” يدخل بعده مباشرة وكيل النيابة هاشم، الذي تربطه صداقة بحسام. يهمس في أذن حسام أن عليه التعامل مع هذا “الكلب” في مكان منعزل، فالوضع هنا مشحون لوجود يوليو ورجال الدولة. يشير عليه بأخذ محمود إلى أي مكان أو غرفة أخرى، حتى لا تحدث جلبة.

الآن، في الأسفل، في المسرح، يأتي دور كلمة وزير العدل. هو شخص شديد التملق لنظام يوليو، وكيف لا، وهو من أعطى الأخير الأرضية القانونية لكل احتياجاته السياسية، بما في ذلك القوانين التي تحكم الخدمة المدنية والتظاهر واﻹعلام الاجتماعي واﻹرهاب، بمعنى آخر، كل الأدوات اللازمة لبسط يد الثورة المضادة. بل الأنكى أنه قضى بحذف موضوع “الشرعية الثورية” التي كانت مستقرة دائمًا لعقود في دراسة القانون ضمن مادة “النظم السياسية” في جميع الجامعات، ناهيك عن أي ذكر لمذبحة القضاة الشهيرة. يوليو ذو طابع “ثوري”، أو إن شئت سمه “انقلابي”، منذ ولادته، فهو مهووس بالمفردات والمفاهيم القانونية المدنية، وكذا الدينية الأخلاقية، والديموقراطية الرنانة، وهو ذاته دائمًا أول من يثور ضدها، منقلبًا عليها ولا يدع مجالًا لتشكلها في الواقع! يتذكر يناير جدلًا مطولًا عن هذه الأفكار جمعه ببعض الناشطين من المجتمع المدني ممن أثنوا على كتاب عمرو الشلقاني “ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية ١٨٠٥-٢٠٠٥”.

لن يأتي أبريل وسيبقى كرسيه فارغًا. رغم محاولات يناير الوصول إليه هاتفيًا، سيكتشف لاحقًا حقيقة اختفائه القصري بعد عشرة أشهر. سيحاكم أبريل على عدة تهم منها محاولة قلب نظام الحكم.

“رحمك الله وغفر لك يا يونيو. نعم الأخ كنت. لولاك…” يمصمص يوليو شفتيه ويكمل خطبته. لا يقطع نظر الجميع المثبت عليه سوى تلألؤ أحجار الماس الصغيرة في ساعة يده التي يحركها إلى الأعلى كل حين.

تزامن أن اليوم هو اليوم الذي يعلن فيه البنك الدولي أن الطبقة الوسطى تقلصت في مصر إلى ثلثي ما كانت عليه في نصف عقد، وصارت أكثر تعاسة.

بعد جذبه من شعره وسحله، أدخل الضابط ووكيل النيابة محمود إلى أول غرفة صادفاها. تصادف أن تلك الغرفة هي غرفة التحكم في البث الهوائي والهندسة الصوتية. أسرعا إلى داخل الغرفة وعنفا محمود، وأوصدا الباب. تصادف أيضًا تواجد مهندسيّ البث في الخارج، أحدهما خرج ليدخن والآخر إلى الحمام، وذلك بعد اطمئنانهما لاستقرار الأوضاع وثبات جودة البث والصوت. تهيأ بذلك لحسام الدين وهاشم ما يريدان. “أهلًا يا إرهابيين” يتهكم وكيل النيابة ثم يركل محمود في معدته. يعاود حسام الدين وصلة مطولة من الضرب المبرح المهين، ولا يتوقف سوى لتهديد محمود بمزيد من التنكيل. بالتوازي مع انتهاء خطبة يوليو، ينتبه مهندسا البث إلى ضرورة عودتهما. يلكم حسام الدين محمود بقوة فيسقط على طاولة التحكم الإلكتروني في الصوت، ويضغط بيسراه بلا قصد على زر يبث الصوت من داخل الغرفة، بدلًا من بث التصفيق الحار المنتشي والذي زامن انتهاء يوليو من خطبته في تلك اللحظة التاريخية. الآن، والآن فقط، ودون علم محمود وهاشم وحسام الدين، سيسمعهم العالم كله. ستتعرى الحقيقة، ولو للحظات.

محمود: “أبوس رجلك… أنا كده كده ميت. أنا بس بساعد أهلي، عايز آكل عيش.”

حسام الدين: “تعذيب! إنت شفت حاجة؟”

هاشم: “إنت هتتسجن ومش هتخرج خالص”.

علامات التعجب والاستنكار لما تبثه مكبرات الصوت بدأت تظهر على الوجوه في حفل التأبين. المشاهدون في المنازل وعلى المقاهي لا يستطيعون فهم ما يجري بشكل كامل، ولكن تأوهات محمود وواقعيتها، تزيد من إدراكهم.

حسام الدين: “خربتو البلد يا كلاب. أحنا أسيادكم وهنفضل أسيادكم. هاعلمك ازاي تخدِّم عليا. إحنا عايزين نجيب الاستقرار ونرفع راسكم بهيبة الدولة وسط العالم، وإنتم عايزين إسقاط الدولة وتجيبونا ورا. خد!” ينهال عليه.

الطَرَقات المدوية على الباب من فردَي أمن ومهندسَي البث تقطع فاصل التعذيب. في هذه اللحظة ينتبه المُخرج المسؤول عن البث، فيقطع البث الصوتي، ويسمع الجميع صوت تشويش إلكتروني لثوان يتبعه صمت، يبدأ مذيع في التحدث معلنًا على عجل: “نأسف لهذه التشويش اﻹلكتروني الموجَّه والذي يبدو أن إحدى الجماعات الإرهابية قامت به للتشويش على حفل تأبين يونيو المبجل”.

ولأنه كان أول من استوعب ما حدث، يقف يناير أمام يوليو ويبدأ في الصياح، ويتجمع حوله أفراد حماية يوليو. ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعرى فيها الحقيقة، ولكن هكذا بدت، على الأقل للبعض. ينقطع البث التلفزيوني للحظات. يبكي أغسطس وينهار أكتوبر، فكلاهما معروف بفواجعه السابقة. يصرخ أستاذ سيف في القاعة: “قتلتو القتيل، كاس وداير ويومكم جاي”، يركض أفراد الأمن تجاهه وتضرب الفوضى المكان. من بين المئات الموجودة ينسحب قليلون فقط اعتراضًا ونصرة للحق، منهم مستشار يوليو الشاب لتجديد الخطاب الديني الذي عزم على الاستقالة من منصبه احتجاجًا. يخرج كذلك أحد كبار القساوسة. يخرج أحد الصحفيين ونقابي ووزير سابق. سينقاد جميع المنسحبين إلى النيابة ويستجوبون طوال الليل. بعدها بأسبوع سيقيل الرئيس مستشاره الديني ذاك، الذي سيمنع بشكل سري من الحديث في التلفزيون، بعد أن كان ضيفًا دائم، وستُسحب كتبه من الأسواق. أما القسيس فسينعزل في أحد الأديرة في الصعيد لباقي حياته، وستتجاهله المؤسسة الكنسية. سيُنكَّل بباقي الشخصيات المنسحبة؛ سيصفهم الإعلام، الذي تبنى نظرية “تشويش الجماعة الإرهابية”، بالخيانة والاستقواء بالخارج.

يغرق باقي الحضور في الوجوم لعدة لحظات، ثم يفيقون على شعور قوي ومريح بالإنكار والألفة بالوضع. يشغِّل المخرج أقرب تسجيل قرآني يستطيع الوصول إليه، إنقاذًا للموقف. يقرأ المقرئ بدءًا من الآية: “وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ”. سيكمل الحضور ليلتهم وحياتهم وأعمالهم كأن شيئًا لم يكن. سيبقى محمود محبوسًا احتياطيًا لقرابة العامين حتى يخرج بلا تهم وقد فقد أحد أسنانه الأمامية.

بعد ساعات من انتهاء التأبين، سيجد عامل تنظيف شنطة الأستاذ سيف. ينظر فيها، ويجد ديوان “مانيفيستو”. يفتحه فتقع عيناه على البيت التالي:

“وحكي الشهيد للشهيد م السما السابعة

عن ثورة تانية حتيجي .. أقوى م الأولى”

سيكون ابن هذا العامل أحد محركيها.

اعلان