Define your generation here. Generation What

بُغضاء الإسلام.. حديث في الشعر والحب والدين

أبدأ هذه الحلقة الأخيرة في سلسلة المقالات الرمضانية المتنوعة في الفكر الاجتماعي الديني، بقصة كاشفة للتناقض المبكر بين طريقتين في فهم الدين، الأولى تراه رفيقًا بالطبيعة الإنسانية ومتصالحًا معها، والثانية تراه قامعًا لهذه الطبيعة، بل ورافضًا لها في معظم الأحيان.

حدثت هذه القصة في العصر المسمى بـ”عصر التابعين”، أي أولئك ممن جاؤوا بعد جيل الصحابة. ففي أحد مواسم الحج كان أحد أئمة الفقه والحديث في المدينة صاعدًا إلى جبل منى، ورأى الصاعدين قبله يتحركون ببطء ملحوظ، واكتشف أن السبب هو فتاة فاتنة الجمال وقفت في منتصف الطريق، وقد كشفت وجهها، فكان كل صاعد يتوقف برهة لينظر مشدوهًا إلى جمالها، فلما اقترب منها هذا “الإمام”، خاطبها قائلًا: “اتق الله يا بنيتي، فإنك تفتنين الناس عن مناسكهم”، فضحكت الفتاة وقالت: “يا عماه إنني من الذين قال فيهن الشاعر:

أماطت كساء الخز عن حر وجهها، وأدنت على الخدين بردًا مهلهلًا، من اللائي لم يحججن يبغين حسبة، ولكن ليقتلن البريء المغفلا”.

قبل أن نعرف رد الشيخ التابعي على هذه الجميلة المشاغبة، تخيلوا لو أن من كان مكانه هو مثلًا الدكتور ياسر برهامي، أو الشيخ بن باز، وتخيلوا ماذا كانت الإجابة لتكون.

لم يملك الإمام التابعي الصاعد إلى منى نفسه من الضحك من ردها، ولكنه ضحك المبتهج الحاني، لأنه قال لها: “أسأل الله أن لا يعذَّب هذا الوجه (الجميل)”، ومضى في طريقه.

بعد انتهاء الحج حُكيت هذه الحكاية لإمام التابعين كلهم سعيد بن المسيب، فضحك هو الآخر، وقال “هذا ظرف أهل الحجاز، أما والله لو كان من بغضاء العراق لقال لها: أخزاك الله، وأسأله أن يحرق هذا الوجه (الجميل) في نار جهنم”.

ولمن يقرأ اسم سعيد بن المسيب لأول مرة، فهو من جاهر برفضه لظلم واستبداد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، خاصة في جباية الأموال وإنفاقها، وقد سُجن وجُلد أكثر من مرة بسبب هذه المعارضة، ثم أنه، وفي اتساق ديني وخلقي مع مبادئه، رفض فيما بعد أن يزوِّج ابنته لولي العهد الوليد بن عبد الملك، إلا أن الأجمل من رفضه خطبة ولي العهد لابنته أنه عرض الأمر عليها، وترك لها حرية الاختيار شارحًا لها أسبابه في الرفض، وملخصها أنها ستأكل “حرامًا” في بيت الإمارة. فلم تتردد الفتاة لحظة واحدة، واختارت أن تردَّ خطبة ابن الخليفة، بل وتتزوج من أرمل ورع كان تلميذًا لأبيها.

هذا الرجل بكل ورعه وزهده ومقاومته للظلم السياسي، تُحكى له حكاية الفتاة المفتونة بجمالها، والمجاهِرة بأنها لا تحج أداء للفريضة، ولكن لتبهر الحجيج بهذا الجمال، والتي تقول ذلك لإمام من أئمة ذلك العصر، لا يرى في القصة كلها ما يخرج عن السياق الإنساني والديني، ويمتدح رد محدثها الفقيه العابد عليها، ثم يضيف أن من يرى في مثل هذا الرد من الفتاة خروجًا على الدين، وعصيانًا لله يستوجب الدعاء على صاحبته بالعذاب في جهنم هم البغضاء، والبغضاء فقط. وكانت العراق في ذلك الوقت هي منبت ومرتع أولئك الغلاة، ولذا قال ابن المسيب ما قاله في المقارنة بين ظرف وتسامح أهل الحجاز، وبين تزمت وجهامة وضيق أفق أهل العراق.

ثم أن للقصة وجهًا آخر، وهو الموقف من الفن، وكان الشعر في ذلك العصر، كما نعلم، هو أبو الفنون، فلو لم تتمثل تلك الفتاة بهذين البيتين من الشعر لما أبهج ردُّها الشيخ الأول والشيخ الثاني، وكل شهود الواقعة ورواتها.

كما أن لهذه القصة وجهًا ثالثًا يمكن وصفه بالوجه الفقهي، وهو أن الفتاة – في أسوأ الفروض الفقهية – اقترفت ذنبًا صغيرًا، أو شيئًا من اللمم بحسب وصف القرآن الكريم نفسه، وفي هذه الحالة فإن باب التوبة مفتوح، بل إن الباب مفتوح لتوبة مرتكبي الكبائر بنص القرآن نفسه.

نعود لنفترض أن أحد بُغضاء العصر الحالي ممن زجوا بكتاب وشعراء في السجون، بتهمة ازدراء الأديان، أو بسبب ما يرونه من تعبيرات فاضحة “جنسيًا” في أعمالهم، كان هو من حاور فتاة قصتنا في الطريق إلى منى، أو كان هو من نُقلت إليه الحكاية كما نُقلت إلى سعيد بن المسيب، فماذا كان ليفعل؟

بالقطع لم يكن ليكتفي بأن يدعو الله عليها بالعذاب في نار جهنم، كما توقع سعيد بن المسيب من بغضاء أهل العراق، بل كان سيهمُّ بقتلها بوصفها آثمة تهين المقدسات، وذلك من باب إزالة المنكر باليد!

سيردُّ أنصار هؤلاء البغضاء المحدثون بأن المقارنة ظالمة لهم، لأن فتاة منى لم تستخدم تعبيرات جنسية مكشوفة، كما استخدم الكتاب المحدثون الذين حُكم عليهم بالسجن مؤخرًا.

ولن أرد على هؤلاء بتاريخ الشعر العربي الذي أفرد بابًا خاصًا لشعراء الخلاعة والمجون، ولكن اقرأوا الحكاية التالية التي جرت فصولها الجميلة في أواخر عصر التابعين أيضًا، وكان بطلها هذه المرة الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين، ابن الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهم جميعًا.

تقول الحكاية إن كثير عزة، وهو أحد شعراء الغزل الكبار، مات في يوم مات فيه أحد كبار أئمة الحديث والفقه، فذهب الإمام محمد الباقر لحضور صلاة الجنازة عليهما، فوجد أغلب شهود جنازة الإمام من الرجال، ووجد أغلب شهود جنازة كثير الشاعر من النساء. ليس ذلك فحسب، ولكن خُيِّل إليه من شدة تزاحم النساء أنه لم تبق امرأة في المدينة إلا وجاءت لتشيع كثيرًا، فنظر إليهن مبتسمًا، وقال: “إنكن صواحب يوسف”، وهنا انبرت له إحداهن قائلة: “يا إمام حقًا نحن صواحب يوسف، وقد كنا له خيرًا منكم أيها الرجال”.

لم يغضب الإمام الباقر، ولم يرد عليها سوى بابتسامة، ولكنه طلب من مرافق له أن يأتيه بهذه المرأة بعد انتهاء الجنازة، فجاءته المرأة، ليسألها: “ما حملك على أن تقولي إنكن كنتن خيرًا ليوسف من الرجال؟”، فسألت: “أتؤمنني غضبك يا ابن رسول الله؟” فردَّ: “قد أمنتك”. قالت: “نحن النساء دعونا يوسف إلى التنعم واللذات، وأحببنا جماله، وأنتم حسدتموه على جماله، وألقيتموه في الجب، وبعتموه رقيقًا، فأي الفريقين كان خيرًا له: نحن النساء، أم أنتم الرجال؟”

هنا تتحدث المرأة لحفيد الرسول نفسه حديثًا صريحًا، يحتمل أن يكون دفاعًا عن امرأة العزيز، التي راودت يوسف عن نفسه (وهذا جنس صريح)، وعن النسوة اللائي قطعن أيديهن افتنانًا بجمال يوسف، فماذا كان رد الإمام محمد الباقر؟

كان يمكنه الرد عليها قائلًا: “إنكن دعوتموه إلى الفاحشة، وإن الله وصف رفض يوسف الاستجابة لدعوتكن بأنه – أي الله سبحانه وتعالى – صرف عن يوسف السوء والفحشاء”، ولكن الإمام الباقر لم يفعل ذلك، لأن المقام كان مقام فن ودعابة، بمناسبة وفاة شاعر غزلي رقيق، مجَّدَ الحب، وعرف كيف يخاطب عواطف النساء ويقدِّر هذه العواطف.

ابتسم محمد الباقر هو أيضًا من شجاعة المرأة، ومن طلاوة حديثها وحضور بديهتها، ثم سألها: “ألك بعل؟” يعني هل أنت متزوجة، وكأنه فكر في الزواج بها، إذا لم تكن متزوجة، إعجابًا بشخصيتها. فردت قائلة: “لي رجل أنا بعله”، بمعنى أنها هي الأقوى شخصية من زوجها.

مرة أخرى، ماذا كان رد الإمام عليها؟

جاء الرد ليعكس استمرار إعجاب الباقر بالشخصية التي تحدثه، فقال: “يحقُّ لمثلك أن تملك لا أن ُتمتلَك”.

هذه القصة، مثلها مثل القصة الأولى، حافلة بالوجوه الفنية والنفسية والفقهية أيضًا، وهي بدورها ترينا بوضوح ساطع ذلك التناقض الذي أشرنا إليه في البداية بين فهم الدين في رفقه بالطبيعة الإنسانية وتسامحه معها، ووضع الفن والأدب في سياقهما الإنساني، وبين فهم آخر للدين يراه قامعًا لنوازع الفن والأدب والدعابة في النفس البشرية، ذلك الفهم الذي لا يؤمن به غير البغضاء.

القصص المماثلة كثيرة، ولكن لنأخذ هذه الحكاية الثالثة التي تشرح معنى ما قاله الأستاذ نجيب محفوظ مبكرًا من أنه لا تنبغي محاكمة الأدب إلا بمنطق الأدب، وكذلك الفن إلا بمنطق الفن، وتثبت صحته. فقد أراد الشاعر الكبير جرير زيارة السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما، وكانت ناقدة حاذقة للشعر، فرفضت الإذن له بالزيارة ثلاث مرات، ثم سمحت له في الرابعة، ولما سألها عن سبب تأخير الإذن له بالزيارة، أجابته بأنه قال في أحد أبياته ما معناه إن من يهواها طرقت بابه في جوف الليل فقال لها إن هذا ليس وقت الزيارة فانصرفي بسلام. ثم أردفت قائلة إن من يفعل ذلك هو رجل ضعيف، أي بلا نخوة، فليس هذا ما تُستقبل به المحبوبة المبادرة بالزيارة، ثم أضافت: “فهلا أدنيت مجلسها وقلت لها ما يقال لمثلها؟”، أي كان ينبغي أن ترحب بها وتمتن لزيارتها وتشعرها بذلك، فوافقها جرير واعترف بضعف هذا البيت من شعره.

لم تكن السيدة سكينة هنا بالطبع تحض جرير على “الفسق”، كما يفهم البغضاء، وإنما فقط تحاكم بيت شعر بمنطق الشعر نفسه. كما أننا لم نقرأ في أي مصدر أن أحدًا من الفقهاء أو أئمة أهل البيت أنفسهم وجَّهَ لومًا إلى السيدة سكينة في هذا الموقف، أو غيره من المواقف الكثيرة التي أعربت فيها عن آرائها في شعر وشعراء الغزل، مثل توجيهها للشاعر “الأحوص” نقدًا لبيت له يشير إلى أن ما يقر عين حبيبته هو ما يقر عينه: “إنه لا يقر عين المرأة غير النكاح، فهل هذا ما يقر عينيك؟!”

السؤال الذي سيبقى بلا إجابة في نهاية هذا الحديث في الشعر والحب والدين هو: ما هي الأسباب البعيدة لظهور هؤلاء البغضاء في اﻹسلام؟

نقول إن هذا السؤال سيبقى بلا إجابة قاطعة، لأن الأسباب متنوعة من زمان لآخر، ومن مكان لآخر، ومن شخص لآخر، ومن جماعة لأخرى، ومع ذلك فيبقى للسياسة دائمًا دخل في صنع البيئة التي تنتج البغض أو تشيع التسامح، بدليل أن جماعة الإخوان المسلمين لم تعترف بشاعر إلا بحسان ابن ثابت الذي كان يمدح الرسول ويرد على شعراء المشركين، وقال أحدهم لي ردًا على ملاحظة عن جفائهم للأدب والفن، لماذا لا يكون كل الشعراء مثل حسان؟ وقد نسوا – كما هي عادتهم في الانتقاء – أن لحسان شعرًا في الغزل وغيره من الأغراض، ونسوا أن المسلمين الأوائل لم يعتبروا حسان من الطبقة الأولى بين الشعراء، بل نسوا أن الرسول نفسه كان يتمثل بأشعار جاهلية، وكان شديد الإعجاب بعنترة، لدرجة أنه قال: “ما وُصف لي إعرابي فأحببت أن أراه إلا عنترة”.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد