Define your generation here. Generation What
ندوة “مدى مصر” عن أسئلة 30 يونيو (2)
هل كان هناك مسار آخر محتمل؟
 
 
 

هل كان من الممكن تلافي حدث 30 يونيو بتبعاته؟ كان هذا هو السؤال الرئيسي، الذي تمحورت حوله ندوة مدى مصر عن 30 يونيو، والتي دُعي إليها الباحثان عمرو عبد الرحمن وإبراهيم الهضيبي، الكاتبان عمرو عزت وبلال علاء، والناشطة إلهام عيداروس. دار الجزء الثاني من الندوة باﻷساس حول ما إذا كانت هناك مسارات أخرى محتملة كان يمكن للقوى الديمقراطية اتخاذها من 30 يونيو وحتى اﻵن. ننشر هنا وقائع الجزء الثاني والأخير من الندوة.

ردًا على هذا السؤال رأى عمرو عبد الرحمن أن السؤال عما إذا كان هناك مسار يختلف عما حدث بعد 30 يونيو يُضمر المنطق اﻹخواني، والذي بمقتضاه فالنزول ضد محمد مرسي يعني القبول بحكم العسكر، ما يعني بدوره القبول بمذبحة رابعة: “هناك أيضًا أكاديميون غربيون يتكلمون بنفس المنطق التسلسلي، يضعون الثلاث حتميات وراء بعضها فيصبح الكلام مستحيلًا. رأيي أن هذه الحتميات لن توصلنا لشيء. أنا شخصيًا أرى أنه لم يكن هناك خيار آخر، غير النزول ضد مرسي والقبول بـ3 يوليو، وأنا لا أفصل الأمرين عن بعضهما”.

أين الخطأ إذن؟ يفصِّل عبد الرحمن خطأين كبيرين يرقيان لمرتبة الجريمة من وجهة نظره:

1- مشاركة البرادعي وزياد بهاء الدين في الحكومة. وهنا أنا أصب جام غضبي على توهمك أن ستستطيع الحكم بجانب الجيش. ما العلاقة بين 30 يونيو وبين أن يكون عندنا نائب رئيس وزراء للشؤون الاقتصادية؟ اجتمع ممثلون لمنظمات حقوقية وقتها بزياد بهاء الدين الذي قال إن لديه مشاريع لضرائب. ما علاقة هذا بما يحدث في مصر؟ إذا أردت أن تشتري لنفسك مساحة فلابد أن تطرح نفسك كمعارضة كبيرة، مثلما فعل اﻹخوان في فبراير 2011، عندما قالوا إنهم ليس لهم علاقة بأي شأن سياسي. هذا هو الفرق بين من عملوا لـ80 عامًا في السياسة، ومن عملوا لـ8 أشهر. دولة يُعاد تركيبها بكل شيء فيها، لماذا أتورط أنا في هذا؟ زياد بهاء الدين أدخل للحكومة قانون المناقصات والمزايدات باﻹضافة إلى الوجبة المدرسية. مع كل حبي واحترامي للشخص، ولكن هل الشرعية ثمنها الدم، والوجبة المدرسية أيضًا ثمنها الدم؟

2- بسبب اﻷحداث الملحمية التي جرت بعدها، لا يتذكر أحد اﻵن ما الذي كانت تنادي به خارطة الطريق المعلنة بعد 3 يوليو. كانت ببساطة تنادي بانتخابات رئاسية مبكرة تجري خلال 60 يومًا، تليها انتخابات برلمانية ثم دستور، وفي أثناء هذا مصالحة وطنية. فما كان من الجناح الديمقراطي إلا أن طالب بالدستور قبل خارطة الطريق. وعليه فقد اختفى مطلب الانتخابات الرئاسية، وأصبح البلد فعليًا في حضن الجيش. اتصرف بقى. 30 يونيو، التي اشتريت لنفسك مساحة فيها، أعطيتها للجيش مقابل أن تجلس لتفكر في الدستور. النتيجة كانت أن أفراد المكوِّن الديمقراطي داخل الثورة، انجرّوا على أرضية اﻹسلاميين. كثيرون ممن نزلوا في 30 يونيو أنفسهم، سرعان ما نزلوا مع اﻹسلاميين في ميدان رمسيس يوم 17 أغسطس بعد فض رابعة. أصبح الانقلاب انقلابًا، قتل ألف شخص، والانتخابات في علم الغيب، ولا نعرف إن كان السيسي سيترشّح أم لا، وبدأت النخب القديمة تقصقص ريشنا وتتسلى علينا؛ قضية ضد علاء عبد الفتاح في نوفمبر، وأخرى ضد أحمد ماهر، ثم خالد السيد وصولًا إلى يارا سلام. كانوا يتسلّون علينا حرفيًا.

مدى مصر: ولكن كان هناك أيضًا مزاج بين من نزلوا 30 يونيو ﻹغلاق مساحة التظاهر مرة أخرى؟ ألم يكن هذا مزاجًا فاشيًا يرغب أصلًا في إغلاق المجال العام؟

عمرو عبد الرحمن: هذا لا يعني أن الناس كانت تريد ذبح اﻹخوان. لو لم يُذبح سوى مئة، بدلًا من ألف، لم يكن أحد ليغضب. ولو لم يُذبح أحد كان ليصبح خيرًا وبركة. أرى أن هناك مبالغة في تقدير فاشية المزاج العام وقتها. ما كان يحدث بين اﻹعلاميين، مثل أحمد موسى وغيره، يختلف عما يحدث على أرض الواقع. أنا غير واثق أن الناس أرادت ذبح اﻹخوان، وإنما فقط كانت تريد فعلًا لكل هذه القصة، بإخوانها بيسارها بجيشها، أن تنتهي. ولكن اﻹخوان لووا ذراع الجيش. رفضوا المساومة حتى عندما جاءت كاترين أشتون منسقة العلاقات الدولية في الاتحاد اﻷوروبي للتوسط بينهم وبينه. ففهم الناس أن اﻹخوان لا يريدون التفاهم ولا يريدون سوى الدم، وبالتالي لم يعد باقيًا سوى إخراج مشهد الذبح. لم تكن هناك مساحة للتظاهرات وقتها، ولكن كانت هناك مساحة للحركة؛ الضغط لتقصير الفترة الانتقالية، حشد البرادعي لعلاقاته الدولة للضغط على السيسي ﻹجراء الانتخابات في ستين يومًا كما وعد في خارطة الطريق.

إلهام عيداروس: لديّ مشكلة في تصور رابعة كمحطة فاصلة بين ما قبلها وما بعدها، فهذا فيه قبول لسردية اﻹخوان عن اﻷحداث. أعتقد أن هذا المزاج الدموي بين الناس بدأ من أيام الاتحادية، وكان يجري التمهيد له في ظل الفزع من الاعتداءات الجنسية والطائفية المتكررة. التيار اﻹسلامي يتحمل المسؤولية عن الاعتداءات الطائفية، وعن التمهيد لقبول الجماهير بمستويات كبيرة من القمع.

“بالنسبة لموضوع التيار الديمقراطي، فأنا أتفق مع عمرو عبد الرحمن، على أنه كان يمكن له القيام بدور المعارضة بعد 30 يونيو، لا أن يشارك في الحكم. هذا مرتبط بتكوين الديمقراطيين في مصر ورؤيتهم لأنفسهم. فمعظمهم، ومنهم البرادعي، يرون أنفسهم مثقفين وطنيين لا مؤسسين لتيار ديمقراطي مستقل. والبرادعي نموذج لهذا المثقف الوطني، بمعنى أنه يريد إصلاح البلد، فيتحالف مع اﻹسلاميين ﻹسقاط مبارك، ثم يتردد في مقاطعة محمد مرسي ويفعل كل ما في وسعة لعقلنة من في السلطة، ويكون من الطبيعي أن يدخل الحكومة بعد 3 يوليو استكمالًا لدوره في اﻹصلاح. المشكلة اﻷساسية في نظري أنه في كل هذا، لا تضع الحركة الديمقراطية على عاتقها فكرة بناء تيار، حتى يكون عندنا جمهور أو فيل بتعبير عمرو عزت. نحن أصلًا لا نعرف الفيل الخاص بنا. اﻹسلاميون لديهم جسم اجتماعي، ولكن التيار الديمقراطي لم يفكر في بناء جسم له”.

“نحن كتيار ديمقراطي لا نعرف الفرق بين تحالفات ندخلها لمواجهة سلطة غاشمة وتحالفات نسعى بها لاختراق المجتمع. كان جزء كبير من هزيمة التيار الديمقراطي متعلقًا بكونه لم ينشئ تيارًا”.

طرحت عيداروس “جبهة ثوار” مثالًا لعدم التركيز على بناء تيار مجتمعي: “الجبهة كانت إحدى اﻹجابات المبكرة للتيار الديمقراطي على سؤال 3 يوليو. ولكن حتى هذه الجبهة لم تبحث عن جمهورها. هي رأت أن هذه السلطة غاشمة وأنها تريد التصدي لها، فطرحت شعار (لا للعسكرة)، ولم تقل أي شيء آخر يجتذب الجمهور، فما كان من الناس إلا أن اتهموها بالعمل مع اﻹخوان، ﻷن هذا كان شعار اﻹخوان. الجبهة قالت إنها ضد العسكرة ولم تقل هي مع ماذا”.

“جبهة ثوار عارضت النظام القائم، لكنها لم ترفض شرعيته تمامًا، بدليل أنها دعت لمظاهرات اعتراضًا على مواد بعينها من الدستور الجديد الذي يجري وضعه، وكان هذا أول موقف معارض للسلطة بعد 3 يوليو من خارج اﻹسلاميين، وانضربت في مظاهرات مجلس الشورى مما أظهر ﻷول مرة أيضًا أن هناك من يُقمع من غير اﻹسلاميين. لماذا إذن ضاعت فرصة بناء معارضة ديمقراطية تراكمًا على جبهة ثوار؟ ليس ﻷن أعضاءها في السجن، ولكن ﻷنها لم تطرح شيئًا آخر سوى مناهضة العسكرة. فمثلًا في النقاش حول الدستور طرحت وثيقة الحد اﻷدنى، والتي اشتملت على كل المواقف المناهضة للعسكرة والحلول اﻷمنية مع أمور لها علاقة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية واللا-مركزية والحريات السياسية، ولكن لم تقل شيئًا عن القضايا التي خلقت المشكلة مع اﻹسلاميين، مثل المرأة واﻷقباط والحريات الدينية”.

ترى عيداروس أن جزءًا من عجز التيار الديمقراطي في مصر عن بناء قاعدة يتعلق بالتباس موقفه من اﻷقباط: “الدولة المصرية موقفها طائفي ورجعي من اﻷقباط منذ دستور 1923، ولكن في لحظات بعينها يتصور الديمقراطيون والتحرريون أن هذه الدولة الطائفية لا تختلف كثيرًا عن حكم اﻹسلاميين. وهذه إجابة خاطئة جدًا بالنسبة للمسيحيين في مصر. الفرق بين الدولة واﻹسلاميين في الشأن القبطي هو الفرق بين دولة قتلت 30 مسيحيًا في ماسبيرو نزلوا للاحتجاج عليها، وإسلاميين يقذفون مبنى الكاتدرائية بالخرطوش. مثل الفارق بين احتقار الدولة للشيعة وتمييزها ضدهم، وسحل اﻹسلاميين لهم في شوارع أبو النمرس. اﻷقليات تحس أن وجودها كله مهدد تحت حكم اﻹسلاميين، أما الدولة فهي تقتل المسيحيين مثلما قتلت غيرهم، وما يعلق بذاكرة المواطن ليس أن المسيحيين قتلوا في ماسبيرو، إنما أن معارضين نزلوا وانضربوا في الشوارع”.

بلال علاء: العنف الإسلامي ضد اﻷقباط هو عنف على الهوية، أما الدولة فلا تضطهد اﻷقباط إلا عندما يعترضون عليها. بالتالي يحس المسيحي بوجود هامش يسمح بالمناورة مع الدولة، غير متوافر في حالة اﻹسلاميين..

إلهام عيداروس: ليس هناك ديمقراطيون في العالم لا يتوجهون للأقليات. كيف أجبنا نحن على سؤال اﻷقليات؟ حتى بعد أن بان الوجه الرجعي والطائفي لنظام السيسي، لماذا ظل المسيحيون لا يحبوننا ولا يروننا بديلًا؟ لماذا نناضل مع المسيحيين، ثم في النهاية يصوتون لقائمة “حب مصر” أو بالكثير لـ”المصريين اﻷحرار”؟ لماذا لا يرى المسيحيون البرادعي أو عمرو حمزاوي نموذجًا؟ ﻷننا نعطي مشكلتنا مع السلطة اﻷولوية على توجهنا للمجتمع.

“هذه قراءتي لاختيار عبد المنعم أبو الفتوح. هناك من صوتوا في الانتخابات الرئاسية 2012 لأبو الفتوح وهناك من صوتوا لحمدين، في محاولة للإجابة على سؤال ماهية الحلف الديمقراطي السليم الذي يجب تشكله في هذه اللحظة الانتخابية. واﻹجابتان ليستا خاطئتين، في حالة إذا ما كانت عينك على مواجهة استبداد أجهزة السلطة، وليس التوجه ببرنامجك للمجتمع. كيف تنتخب إسلاميًا وتطلب من المسيحيين انتخابه؟!”

إبراهيم الهضيبي: أختلف فقط مع نقطة أن نزول الناس ضد اﻹخوان كان بسبب موقفهم من اﻷقباط أو الشيعة. أعتقد ألا مشكلة لدى عموم الناس في مصر مع اضطهاد اﻷقباط أو الشيعة”.

إلهام عيداروس: لا أتفق. مفهومي عن حقوق المرأة يختلف كثيرًا عن مفهوم قريبتي القروية التي نزلت هي أيضًا في 30 يونيو، ودخلتُ في حوار عبثي معها ﻷفند تصورها عن كون اﻹخوان سيئدون البنات (تضحك). بالنسبة للراديكاليين في موقفهم من الطائفية واﻷبوية، فالدولة واﻹسلاميون والتيار الحاكم كلهم رجعيون. ولكن ما قد تخسره المرأة التقليدية غير النسوية كبير جدًا في ظل الحكم اﻹسلامي. حتى النساء اللاتي يعشن في المنظومة الأبوية وقانعات بها يرغبن في مساحة للحركة لن تتوفر لو كنا في دول مثل إيران والسعودية والسودان. لا أحتاج ﻷن أكون نسوية ﻷحس أني لا أريد أخذ هذه المخاطرة. في الانتخابات الرئاسية بين مرسي وشفيق، لامتني نساء كثيرة يمكن وصفهن بالتقليديات على إبطال صوتي، وألححن عليّ بأن أنتخب شفيق حفاظًا على حقوق النساء من الضياع.

“المكون اﻷبوي في الدولة شديد الوضوح”، تضيف عيداروس: “ولكن هناك فارقًا بين أن يكون هذا مجرد مكون وبجانبه أشياء أخرى، وبين أن يكون هو اﻷساس”.

عمرو عزت: هناك اختلاف بين الفئات التي تنظر لنفسها كنساء وأقباط وشيعة باﻷساس، وبين شباب المسيحيين والشيعة الذين دخلوا أحزابًا وتيارات ديمقراطية. الفئات اﻷولى ترى موقف الدولة تجاههم محافظًا وذكوريًا، و لكنه يسمح بأن يشدَّه المجتمع المدني خطوات بسيطة للأمام، وبالتالي يفضلّون كفئة تفكر في مصلحتها الفئوية فقط بشكل براجماتي، الانحياز الدولة. أما من اختاروا الانحياز لمعركة الديمقراطية فيخوضون المعركة لكي يبنوا التيار السياسي الذي يمثلهم ويتحملون ضعفه واحتمالات فشله.

“أنا تواصلت مع عدد كبير من الشيعة منذ 2011، كجزء من عملي البحثي عن حرية الدين والمعتقد في مصر، وأرى أغلبيتهم الساحقة الآن مع السيسي، لدرجة أن أحدهم، وهو من أكثر من عانوا منهم على يد أمن الدولة، كان في جلسة حسينية ودعا فيها للسيسي ورفع الفيديو على يوتيوب. جلستُ مع هذا الشخص فقال لي إن صحيح أن اﻷمن بهدله، ولكن اﻹخوان سيقتلونه: على اﻷقل اﻷمن يقمعنا، لكنه يقمع السلفيين أيضًا”.

إبراهيم الهضيبي: مثل منطق المسلمين في أمريكا الذين لا يريدون التصويت لبيرني ساندرز ﻷنهم لا يريدون رئيسًا من أقلية أخرى.

إلهام عيداروس: هذا هو الموضوع. كيف نشد هذه الفئات لكي ترى في الديمقراطية مصلحتها؟

عمرو عزت: نفس الشخص الذي أحكي أنه دعا السيسي للحسينية، كان مناصرا لحملة حمدين في منطقته، ووقتها ابتزَّه اﻹخوان وأخذوا يكررون أن الشيعة مع حمدين. ولكنه عندما رأى الصراع محتدمًا أخذ خياره بوصفه شيعيًا. هناك من لا يريدون أخذ الخيار غير البراجماتي للنهاية. هؤلاء خاضوا معنا المغامرة في اﻷول، ولكن انحازوا للأقوى عندما وجدوا تيارًا منتصرًا وآخر ضعيفًا.

إلهام عيداروس: التيار الديمقراطي ضعيف وأيضًا غير حاسم في قضايا المواطنة. عندما يراهن تيار ديمقراطي على شخص بخلفية إسلامية، كيف يتوقع أن يصل إلى المسيحيين؟ المسألة الطائفية حظت بإجابتين في الانتخابات البرلمانية 2011. قائمة “الكتلة المصرية” ردت ردًا طائفيًا ونسّقت مع الكنائس وما إلى ذلك، أما قائمة “الثورة مستمرة”، التي كانت عبارة عن تحالف بين اشتراكيين “حزب التحالف الشعبي” وليبراليين “حزب مصر الحرية” وإسلاميين “حزب التيار المصري”، فقد كتبت برنامجًا جيدًا من حيث الحريات الدينية، وسيئ من حيث حقوق المرأة، لأن التيار المصري، المنشق عن اﻹخوان ابتزنا، بأن جعلنا نضع عدم تعارض حقوق المرأة مع أحكام الشريعة في البرنامج. توحيد القوى الشابّة المؤمنة بأهداف الثورة كان هدفًا مهمًا وسليمًا من الناحية الديمقراطية، ولكنه جاء على حساب قدرتنا على التوجه للأقباط، بسبب خطاب وممارسات بعض مرشحي واعضاء التيار المصري.

بلال علاء: منذ الثورة والهدف كان التوافق على الديمقراطية، ولكن لم تعد هناك ديمقراطية بعد 30 يونيو. هناك تيار إسلامي لا يريد التفاوض أو التنازل، والتيار الديمقراطي لا يملك إجابة على هذه المعضلة. اﻹسلاميون لم يكونوا أقلية مهمشة بحيث يجري اعتبارهم يمينًا متطرفًا وانتهى اﻷمر. هم ربع المجتمع، وفي أي انتخابات كانوا ليفوزون بما يقارب الـ30 في المئة. هم قرروا عدم التخلي عن الحكم، وأنت قررت ألا حل سوى بتخليهم عن الحكم. أي مشهد نصيغه، بعد هذا، كان ليقوم باﻷساس على إزاحتهم من المجال العام. هذه هي المهمة التي طرحتها 30 يونيو، ولابد أن يقوم بها أحد ويأخذ مستحقاتها. لا يجوز أن يقوم بها أمن الدولة ثم يأتي الديمقراطيون للحكم. الموضوع كان محسومًا بالنسبة لي: ما دام السيسي هو الوحيد القادر على إزاحتهم من المشهد، وبالتالي تحقيق مطلب 30 يونيو، إذن سيحكم مصر، بطبيعة الأشياء. البرادعي كان بإمكانه القيام بخطوات أخرى؟ ما هي؟ أقصد فيم تختلف رؤية البرادعي جذريًا عن السيسي؟ ما المشهد السياسي الذي يتخيله بدون إزاحة اﻹخوان من المجال العام، وبالتالي بدون تصدُّر اﻷجهزة اﻷمنية للمشهد؟ اﻷجهزة لا تركب على شيء، هي تقوم بمهمتها وتأخذ مستحقاتها. أزاحت اﻹخوان وحاربت اﻹرهاب.

“كان الطرح البديل لدى التيار الديمقراطي في الحقيقة قائمًا على تقسيم التيار اﻹسلامي، وهذه كانت مهمة البرادعي؛ أن يقسّم اﻹسلاميين بحيث يقبل جزء كبير منهم بالتنازل وبالدخول في العملية الديمقراطية. وهذه أيضًا كانت مهمة أمن الدولة في التسعينيات، والتي نتجت عنها المراجعات الفكرية، واﻹسلاميون الذين ينادون بالحرية والديمقراطية. نحن جئنا من ثغرات في المجال العام، وفجأة، في لحظة الثورة، وجدنا أنفسنا قوة كبيرة وبِنْتًا للمجال العام القائم على تفاهم الحد اﻷدنى مع اﻹسلاميين. طيب ماذا لو أصبح اﻹسلاميون إسلاميين فعلًا؛ طالبوا بدولة إسلامية؟ وانتهى بالتالي هذا الحد الأدنى من التفاهم؟ ماذا سنفعل في المجال العام؟ هل لدينا صيغة للتواجد في المجال العام اﻵن؟ لا. هل كان الجناح الديمقراطي يريد أن يعود اﻹخوان للسياسة؟ لا.

إلهام عيداروس: لا أتفق مع هذا الحسم.

عمرو عبد الرحمن: أنا شخصيًا كنت أريد أن يعود اﻹخوان للسياسة ويقيموا حزبًا. ولكن في لحظة معينة، وصلت لقناعة بأنهم لا يصلحون. لم يكن هذا في أزمة اﻹعلان الدستوري الذي كان صراعًا كلاسيكيًا تمكنَّا فيه من مناورة اﻹخوان في معاقلهم . وإنما لدى تأجيل مرسي للانتخابات البرلمانية، التي كانت لمصلحته هو ولمصلحة حزبه. مرسي نفسه هو من وضع مادة في الدستور تحتِّم نظر المحكمة الدستورية في قانون الانتخابات، ووضع للمحكمة موادًا يسهل رفضها، وعندما رفضته حدّد ميعاد الانتخابات في أعياد اﻷقباط، فرفضتها المحكمة اﻹدارية العليا. هذا ما أظهر لي عدم جدية اﻹخوان في حل اﻷزمة السياسية، وأوصلني لنقطة أنه ينبغي إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وإزاحته هو نفسه.

“ولكن على الناحية اﻷخرى نحن نتكلم عن دولة تقتل الناس في الشقق. أنا لا أستوعب الحتميات التي يضعها أمامنا البعض. اﻹخوان لا يريدون الرجوع للمجال السياسي، طيب، لكن لا ينفع أن تفتح النار عليهم في الشقق، ولا أن تعطي 500 أو 600 حكم باﻹعدام في جلسة واحدة”.

“رأيي أن ثمة مسؤولية تاريخية علينا في التأكيد على أن أنه من الممكن مواجهة اﻹخوان، دون الـ600 حكم إعدام والقتل على الهوية. هناك مزاج عنيف فعلًا، ولكن تحجيمه لا يتأتى عبر العمل معه، وإنما العمل من خارجه”.

بلال علاء: محاولة تحجيم عنف الدولة من قِبَل الجناح الديمقراطي، وخلفه التيار العلماني الثوري، تأخرت كثيرًا. ﻷن كل اعتقالات اﻹخوان، ولمدة عام كامل، كانت تقابَل بالتهليل. لم يبدأ الخطاب التحجيمي لعنف الدولة، إلا بعد اعتقال علاء عبد الفتاح. وحتى بالنسبة لاعتصام رابعة، ظل التحريض على فضِّه مستمرًا حتى لحظة الفض نفسها.

إلهام عيداروس: التيار الديمقراطي لم يهلل جميعه لرابعة. حسب معلوماتي، فقبل الفض أجرى الببلاوي اجتماعًا مع رؤساء اﻷحزاب، وقال لهم إنهم ينوون فض الاعتصام، وإنه يتوقع أن يموت عدد كبير، فاعترض محمد أبو الغار وعبد الغفار شكر، وطالبا بالتمهل ﻷن الفض لا يجب أن يكون ثمنه الكثير من الأرواح.

عمرو عبد الرحمن: لهذا أقول إن هناك فارقًا بين أن ترفض فض رابعة وأنت نائب رئيس، وأن ترفضه وأنت معارض. باختصار، لن تتمكن من معارضتهم وأنت مشارك في حكومتهم.

اعلان