Define your generation here. Generation What
30 يونيو بعد 3 سنوات: المثقفون بين الاعتصام والسجن
 
 

بعد حوالي عام من تولي الرئيس الأسبق محمد مرسي رئاسة الجمهورية، ووسط دعوات حاشدة وتوقيعات بالآلاف علي استمارات “تمرد” لخلع مرسي ونظامه الإسلامي، وتحديد موعد 30 يونيو لإسقاط النظام، كان للمثقفين دورهم أيضًا.

تحت مطلب “رفض أخونة الدولة” دخلت مجموعة من المثقفين والكتاب في اعتصام مفتوح بدأ من 5 يونيو 2013. احتل المعتصمون الغاضبون مبني وزارة الثقافة في منطقة الزمالك لمنع الوزير “الإخواني” علاء عبد العزيز من الدخول بعد أن قام بعدة تغييرات داخل الوزارة وأدلى بتصريحات أحسّت علي إِثرها الجماعة الثقافية بالتهديد. العشرات من كبار الكتاب والفنانين وشباب المثقفين مقيمون بمبني الوزارة، وآخرون يذهبون للتضامن، أجواء احتفالية يومية بشارع شجرة الدر المطل عليه مبني الوزارة، من عروض فنية وتغطية إعلامية واسعة للاعتصام، محليًا ودوليًا.

وبينما رفض عدد من الكتاب استرجاع ما حدث أو الحديث عن اللحظة الحالية لما يشعرون به من مرارة وإحباط، ففي السطور التالية يسترجع مثقفون وفنانون آخرون لحظات الاعتصام ويحكون عن التحولات السياسية والثقافية في مصر عبر ثلاث سنوات وصولًا للحظة الحالية.

تهديد إسلامي للثقافة والفنون

يتذكر المنتج والسيناريست د.محمد العدل، وهو واحد من أبرز الوجوه التي نظمت الاعتصام، اللحظات الأولي والتخطيط لاعتصام الوزارة:

“كانت لدينا قناعة بأنه من أجل السيطرة علي الدولة لا بد من السيطرة علي الإعلام والتعليم والثقافة. اﻹخوان نصبّوا وزراء إخوانًيا في التعليم والإعلام، وعندما أتوا بوزير ثقافة إخواني كان لا بد من وقف هذا الزحف، خاصة عندما قرر هذا الوزير تنحية رئيس الهيئة العامة للكتاب، ووضع بدلًا منه شخص إخواني، فقررت مع سيد فؤاد وخالد يوسف الاحتجاج بشكل عملي، ودعينا شخصيات كبيرة سنًا ومقامًا في البداية حتى لا يقال إننا (عيال)، وخطّطنا لاقتحام الوزارة في هدوء، وأعلنّا للإعلام احتلالنا للوزارة”.

أما الفنان التشكيلي محمد عبلة فيحكي أنه كان رابع شخص يدخل الوزارة في العاشرة صباحًا، بعد اجتماع مصغر اتفق فيه الحاضرون علي الاعتصام لشعورهم بالتهديد من الوزير الجديد وتخوفهم من دخول الثقافة في نفق مظلم.

يضيف عبلة: “كنا نعرف أننا نقوم بشيء كبير. وعندما بدأت الناس في التوافد والتضامن، اتضح لنا أن الشعور بالخطر شعور عام، خاصة عندما أرسل اﻹخوان لنا مجموعات لتهديد الاعتصام”.

كان الخطر متمثلًا في إقالة رؤساء تحرير بعض السلاسل الثقافية، والتسريبات من دار الوثائق القومية لرغبة الأخوان في تزوير ما يخصهم من وثائق تاريخية، حسبما يقول مدير دار ميريت للنشر محمد هاشم.

يضيف الشاعر مايكل عادل، وهو واحد من المثقفين الشباب الذين اعتصموا بالوزارة، أنه كان هناك استهداف للمجال الثقافي والفني بمنع بعض الأنشطة الفنية، وأن اﻹخوان عينوا وزيرًا ليطبق مشروعهم لطمس الهوية الثقافية وتحجيم الفن، ليمتد الأمر بعدها لتحريم الفنون والكتابة. يقول “كنا نستهدف مشروعهم هذا. كان يحركني رعب من فكرة أننا حاولنا تطهير الجرح في يناير 2011 ففتحناه أكثر، ووصلنا لتحريم الملابس والغناء، بخلاف تصفية اﻷشخاص، خاصة أن الإسلاميين وصلوا الحكم علي جثث الثوار”.

كان الكاتب الصحفي ورئيس تحرير جريدة القاهرة سيد محمود حاضرًا في الاعتصام للتغطية الصحفية، باﻹضافة لاهتمامه به شخصيًا، وربما أعطته تلك المساحة قدرة تحليلية للموقف. يقول: “كان عندي يقين أن الوزير ليس إخوانيًا، لكنه أداة في يد اﻹخوان، وكان يتصور أنه يطهّر الوزارة من أنصار وزير ثقافة مبارك فاروق حسني. وعندما استبعد ثلاث قيادات من الوزارة تأكد لدى المثقفين انطباع أخونة الدولة”، يضيف محمود أن المجموعة المعتصمة لم تجتمع علي أفكار واحدة، فكان هناك تجمع لأصحاب المصالح إلي جانب المثقفين الثوريين، إلي جانب من شعروا فعلًا بتهديد ضد الهوية الثقافية لمصر. يقول: “رغم أن الاعتصام لم يكن جماهيريًا، ولكن الوجوه الفنية والثقافية الشعبية كانت تظهر يوميًا علي شاشات التليفزيون، وهذا ما أعطاه طابعًا شعبيًا”.

هذا ما أكده هاشم بقوله: “الاعتصام كان علي مزاج الدولة، لأنها هي أيضًا كانت تريد إزاحة اﻹخوان، وهناك بعض المعتصمين ممن حققوا مكاسب بعدها وأصبحوا مستشارين في الوزارة، باﻹضافة إلي بعض الكتاب ممن يؤيدون اﻵن النظام تأييدًا مطلقًا ويسكتون أمام قمع الشباب”.

تأييد النظام الجديد ولحظات التحول

توقع محمد العدل إسقاط الإخوان بسبب غياب مقومات استمرار حكمهم وبسبب اتساع الغضب الشعبي، ولكنه يقول: “أي حدث تكون اﻵمال المعلقة عليه أكبر من حجمه، وهذا ما حدث في 30 يونيو، وقبلها في 25 يناير وفي 11 فبراير”.

يري سيد محمود أن التناقضات داخل النخبة الثقافية كانت كامنة تحت السطح وظهرت مع ترشح الرئيس السيسي في الانتخابات، وأن التيار القومي داخل الوسط الثقافي، لتصوراته عن الزعامة الشعبية ورغبته في استعادة لحظة ستينية، أيّد السيسي رغم أن السيسي اقرب في سياساته للسادات منه لعبد الناصر، مشيرًا إلي أن أخطاء الإخوان دفعت لهذا الاتجاه. كانت اللحظة الحاسمة بالنسبة له وللكثيرين حين استُبعد ممثلو التيار الديمقراطي من المشهد السياسي بعد فض اعتصام رابعة في أغسطس 2013. هنا بدأ الشعور بالخطر من السلطة الجديدة، وتأكد أكثر لاحقًا مع الوجوه الإعلامية والبرلمانية الحالية.

يقول محمد عبلة إن التركيز الأكبر للنخبة كان علي التخلص من الأخوان ودعم من يساعد علي ذلك، وكان يوم 30 يونيو بالنسبة له يومًا جميلًا وهامًا، لذا لم ينتبه لأي تفاصيل غير اتفاق الجميع علي هدف محدد. بعد شهور قليلة اختير عبلة في لجنة الخمسين لصياغة دستور جديد لمصر، فتحمس وشعر أنه يشارك في أمر هام، إذ لم تكن الخريطة واضحة لديه بعد، وكان الأمر بالنسبة له فرصة لتشكيل خريطة مصر سياسيًا وثقافيًا. ولكن في نهاية الأمر اتضح ما يحدث داخل اللجنة من “تربيطات” للقوي السياسية، وبدا واضحًا له أن الجيش قام بمواءمات واتفاقات ليتولى زمام الأمور. لا يزال عبلة مؤمنًا أن الدستور كان جيدًا إلي حد بعيد، رغم أنه ربما كان من الممكن أن يكون أفضل. يقول: “عندما بدأ يتضح أن المزاج العام ضد الدستور كنت أحس بألم وبغصة، لأننا اجتهدنا لوضع نصوص صالحة للاستخدام، ومع بداية 2014 اتسعت الانتهاكات ضد الدستور والحريات العامة والصحافة وسجن الناس بسبب آرائها”.

AnchorAnchorAnchorAnchorAnchor يوم 30 يونيو، خرج مايكل عادل في مسيرة شعبية من منطقة بولاق الدكرور. كان مطمئنًا للمشهد قليلًا لوجود رموز من النخبة المعارضة في الصورة، وكان مؤمنًا بأن علي النخبة الثقافية والسياسية التفاوض لجعل النظام الجديد أكثر استئناسًا، لكنهم غابوا عن الساحة بالتدريج، البعض اصطف مع الدولة، والبعض اصطف إلي جانب الأخوان، والبعض الآخر صمت خوفًا من أن يحسب علي الأخوان، فغابت المطالبات بالحقوق. يقول: “ليست هناك سلطة عسكرية لن تسعي للصوت الواحد، ولكن من غير المعقول أن تكون النخبة السياسية أكثر عسكرية من النظام العسكري، وأكثر خيبة من المواطن العادي”. لحظة التحول الأكيدة لعادل كانت في ديسمبر 2013، كان قبلها بشهور قليلة قد اختير في لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة، ولكن اعتقال زميله في اللجنة الناشط والشاعر أحمد دومة، دون أي تحرك من الوزارة، أدى لاستقالته مع آخرين احتجاجًا علي الموقف المتخاذل للوزارة.

كانت رغبة الجميع هي التخلص من الإخوان، وهذا ما قوّى النفوذ العسكري، فلم يكن هناك بديل جاهز، أو حتي اتفاق علي بديل. لم يرغب محمد هاشم في خلع الإخوان وإحلال نظام عسكري محلهم، لكن ما حدث وفق قوله هو أن الأخوان أخذوا يمارسون عنفًا في الشارع تجاه المدنيين، مع محاولات مستمرة لدخول التحرير، وتصعيد العنف في سيناء، وتنظيم اعتصامين مسلحين في ميداني رابعة والنهضة. يقول هاشم: “هذا جعل الناس يركزون في العنف اﻹسلامي وغير قادرين على الصدام مع السلطة، وحتي عندما جرى فض الاعتصامين بعنف، لم يتعاطف الناس، لأنهم لم يشعروا باﻷمان علي حياتهم في ظل حكم الإخوان”. يستدرك أنه “في نوفمبر من العام 2013، وبعد إلقاء القبض علي متظاهري مجلس الشوري والحكم عليهم بسنوات سجن، ثم ظهور حالات للاختفاء القسري وإعدامات بالجملة حتي ضد شباب الإخوان، مع فساد القضاء، فقد بدا واضحًا أن هذا النظام لا يمكن التعايش معه”.

المشهد السياسي بعد مرور ثلاث سنوات

بشكل ساخر، يصف عادل النظام الحالي، بعد غياب كل الرموز السياسية الديمقراطية، بأنه يتكون من الرئيس والحكومة و”مصطفي بكري”، أما الشباب المعارضون الذين يقومون بدور النخبة، فهم غائبون في السجن، للتكلفة المنخفضة لسجنهم بعكس الرموز السياسية ذات الثقل. يقول: “النظام الحالي غشيم وغبي، ورغم أن شرعيته مستمدة من التخلص من اﻹخوان، ولكنه خدمهم بالعنف الشديد في التعامل معهم، مثلما جرى في فض رابعة، الذي كنت ضده رغم أني كنت أرى الاعتصام بوصفه (ثورة مضادة). ساعدت النظام في هذا الاسلاموفوبيا، والتي رغم أنها كانت عندي، ولكني كنت أرى أن ما حدث مع اﻹخوان، إذا ما مرَّ، قد يحدث مع قوى سياسية أخرى. من ناحية أخرى لعب النظام بكارت الخوف من الإخوان لكسب التأييد له، وبالتالي هو لا يسمح لهم بالتواجد ولا يكسرهم، وينكِّل فقط بشبابهم تمهيدًا لمصالحة مع القيادات”. يضيف أنه علي جانب آخر، ضرب هذا النظام مفهوم السيادة الوطنية بتخليه عن جزيرتي تيران وصنافير، وفقد مصداقيته بالتحالف مع أكبر دولة داعمة للإرهاب وهي السعودية، كما أنه استبدل بالسلطة الدينية السلطة الأخلاقية، فطارد المفطرين وعلّق الرئيس بشكل أخلاقي علي الأعمال الدرامية. التهديد الآن بالنسبة لعادل أكبر من وقت الأخوان، بسبب القمع غير المبرر وتمكن النظام الحالي من الدولة، في حين لم تُعط للإخوان الفرصة ليتمكنوا من الدولة ويتحدوا مع الجانب العسكري ضد الثورة.

يري محمود أن الإخوان بثُّوا الخوف داخل المجتمع المصري، مما ولّد مدًا ثوريًا ﻹسقاطهم، وبعدها عوقبت كل الأطراف التي شاركت في إسقاطهم. يقول: “النظام الحالي يعسكر نفسه بنفسه، بالاستعانة بقيادات من الجيش وبعقلية الأوامر، مع غياب مساحات التفكير والحوار الخلافي النقدي، فهو يغلق كل البدائل باستثناء القمع والاستبعاد. أنا أرى السيسي رئيسًا مدنيًا بعقلية عسكرية، والمشكلة هي في غياب العقل المدني، سواء اﻵن أو وقت الإخوان”.

أما العدل فلا يشكك في وطنية وشرعية النظام الحالي، ولكنه يراه مائعًا في التعامل مع اﻹخوان، ويرى الخبرة السياسية لمن يمسكون بمقاليد الحكم ضعيفة، وحجم ما في البلد اكبر من قدراتهم الذهنية. يقول: “إخراج موضوع تيران وصنافير، وطريقة خروج الإعلامية ليليان داوود يخبراننا أنه ليس هناك تفكير أو حنكة سياسية، وأن رد فعل الناس ليس في حسابات الحكام، ومن ناحية أخرى فالشباب من كل التيارات السياسية يُقمعون، من أول شباب الإخوان وصولًا لطلبة الثانوية العامة، أما قيادات الإخوان والفاسدون حتي في عهد مبارك فيحاكَمون بـ(شياكة)”. يضيف العدل أن الدولة الحالية تعتبر أي مختلف في الرأي عدوًا للوطن، بل وتحابي المؤسسات الدينية المختَرقة من التيارات الوهابية.

يري عبلة ألا فارق بين النظام اﻹسلامي والعسكري الحالي، فالتسلط وعدم السماح للآخر بالتعبير عن رأيه صفة مشتركة بينهما، وبالتالي يشعر المثقفون والمواطنون بالإحباط. يقول: “دلوقتي إحنا اللي اتخلعنا. الوضع أسوأ من ثلاث سنوات مرَّت، لأن الباب أُغلق أمام الخيال وأمام حتى الألم تجاه قرارات مثل التنازل عن الجزر. قبلها كان واضحًا أن هناك عدوًا تمكن هزيمته، أمام اﻵن فيجري إفشال أي خيال للمقاومة، لأن السجن بديل في بلد أكثريته شباب”.

لم تعد هناك أي مساحة للتحرك، وهذا دفع الناس للإحباط أو الانسحاب أو الجنون، هكذا يصف هاشم الوضع الحالي، ويقول “من كانوا أقرب للدولة يقفزون من المركب اﻵن قبل غرقها، وكل ما كان اﻹخوان سيفعلونه تقوم به الدولة الحالية، فالنظام الديني والعسكري وجهان لعملة واحدة. كلاهما يعتمد على القمع ويعادي الحريات وضد العدل الاجتماعي، والنظام الحالي قائم علي الدعم من السعودية وعلي التبرعات دون أي استراتيجيات للتنمية”.

غياب الثقافة أو التضييق عليها

يعتبر هاشم الهجمة الأمنية علي دار ميريت و”التاون هاوس” قبل شهرين، كان لــ”كسر وِسط الناس كام سنة قدام”، فمع غياب الحريات لا توجد مساحة لأنشطة ثقافية، وبالتالي تشجع الدولة الناس على اللجوء للجامع، بالإضافة لوجود ثلاثة كتاب في السجن، بينهم الكاتب أحمد ناجي، دون دعم حقيقي أو مقاومة من الجماعة الثقافية، والوضع الثقافي المتدهور جعل حركة النشر أقل وأسوأ، وتروج أعمال سطحية وتُضخ بالسوق الأدبي. هذا كله، بالإضافة إلي غياب الخطط الثقافية لوزير الثقافة الحالي حسبما يري عبلة، وتركيز الدولة علي تبرعات صندوق “تحيا مصر” بدلًا من تشجيع الأنشطة الثقافية والفنية في دور السينما والمسارح، التي أصبحت غائبة. من ناحية أخري، فالمبادرات الأهلية الثقافية التي تقوم بدور وزارة الثقافة، مثل مشروع ساويرس لدعم الأدب أو مشروع ماريان خوري في سينما زاوية، تتعرض في رأي العدل للتضييق من الدولة، التي تري الثقافة رفاهية، ولا تري دورها الناعم في محاربة الإرهاب.

يصف سيد محمود الوضع الثقافي الحالي بالسيئ للغاية، فالثقافة أصحبت “لا فعل”، ويغلب عليها الطابع “المهرجاناتي” أكثر من وجود سياسات ثقافية واضحة، كما استبعدت الدولة كل اﻷصوات المطالبة بسياسات ثقافية بديلة، وأصبح المجتمع المدني الثقافي غير فاعل، وهناك انقسام واضح داخل النخبة الثقافية.

يفسر عادل هذا الانقسام بأن الرموز الثقافية إما مع النظام، أو تنتقده (باستثناء السيسي)، بينما علي مستوي وزارة الثقافة فهناك الكثير من المشروعات التي لا تنفَّذ، والأموال التي تُضخ في جيوب الفاسدين، والمناصب التي لا تعطي إلا لمؤيدي النظام، وعلي المستوي غير الرسمي حسب قوله فأي مثقف معارض أو تنويري يُزج به في السجن. يضيف باختصار: “المشهد الثقافي الحالي في السجن” .

اعلان
 
 
هدير المهدوي