Define your generation here. Generation What
30 يونيو بعد 3 سنوات: نقطة التحول في الدبلوماسية المصرية
 
 

“إنها لحظة من اللحظات التي سيفرد لها التاريخ فصلًا كاملًا، هذه اللحظة تستحق عن جدارة وصف أن ما قبلها ليس إطلاقًا كما بعدها. في هذه اللحظة تغير موقف دول بأكملها من سابع سماء إلى سابع أرض، وتحصلت دول أخرى على إنعاش طارئ مدّ حياتها حتى إشعار آخر. هي من اللحظات الكاشفة لديناميكية السياسة الدولية، وسحرها.. سواء كنت معها أو ضدها، تبقى فارقة”.

هكذا يصف سياسي فرنسي، فضّل عدم نشر هويته، اللحظة الممتدة من 30 يونيو إلى 3 يوليو 2013، وأثرها الممتد على دول الجوار المصري، والدول الفاعلة في المنطقة، وحتى المنظور الذي تستخدمه الدول الغربية في التعامل مع القضايا الشرق أوسطية “الشائكة”.

يقول السياسي الفرنسي المهتم بشؤون الشرق الأوسط في حديث مع “مدى مصر” إنه “لتحليل أثر ما حدث لا بد سريعا من سرد الوضع قبل ذلك كيف كان. بالنظرة العامة نستطيع النظر إلى تركيا، وقطر، وسوريا، وليبيا وأيضًا إلى الخليج”.

تركيا:

يصف السياسي الفرنسي الوضع التركي في المنطقة قبل 30 يونيو بأنه كان “غير مسبوق”، “ويستكمل: “باتت تصريحات وزير الخاريجة التركي حينها أحمد داود أوغلو عن إمكانية عودة حلم الامبراطورية العثمانية، بقيادة العثمانيون الجدد، باتت تأخذ موضع الإمكانية المطروحة بقوة. كانت منطقة الربيع العربي كلها تقريبًا قد وقعت في يد الإخوان المسلمين، وعبر هؤلاء وصلت تركيا إلى قمّة نفوذها، واكتسبت غطرسة غير مسبوقة؛ كأن تساعد رجال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا بشكل علني، تمرر لهم السلاح والمتطوعين الجدد، وتفتح لهم الحدود لتحقيق حرية الحركة، وتشكل منفذًا رئيسًا لبيع نفط داعش في السوق السوداء”.

كان وزير الخارجية التركي أوغلو قد أعلن في مؤتمر حزبه (العدالة والتنمية) في العام 2009 -ردًا على التحليلات عن طموحاتهم بانتزاع نفوذ واسع في المنطقة- قائلًا: “يقولون إننا العثمانيين الجدد.. نعم نحن العثمانيين الجدد”. وأعاد التوصيف في عدة مقابلات صحفية في العامين 2011 و2012، عندما طُرحت تساؤلات عما إذا كانت تركيا مؤهلة لقيادة المنطقة، فردد: “تركيا قادت المنطقة من خلال الدولة العثمانية لفترات طويلة من الزمن.. ونحن لا نزال مؤهلين لذلك”.

قطر:

يستكمل السياسي الفرنسي سرده: “بالنسبة لقطر، كانت الشهور التي سبقت 30 يونيو هي مرحلة العز بالنسبة للدولة الصغيرة-الحديثة. نفوذ قطر في مصر تخطى الحدود المعقولة، كما وصلت إلى أنها كانت تحاول الاستحواذ على قطاعات تجارية في قلب باريس. تخطت دورها في ليبيا بمساعدة رجال القاعدة، وعلى رأسهم عبد الحكيم بلحاج، وأرسلت لهم بواخر ممتلئة بالسلاح والعتاد، ووصل بها الأمر إلى أنها دخلت في حرب مباشرة مع القوات الفرنسية في مالي.. مثل هذا الوضع بالنسبة لدولة كان طموحها أن تستضيف بطولة كأس العالم لكرة القدم كان بالطبع حلمًا من ما وراء الخيال”.

سوريا:

يرى المصدر أنه في سوريا قبل 30 يونيو كان النظام لا يحسد على الوضع الميداني، بعد أن “تراجعت أماكن نفوذ القوات النظامية لصالح القوات الإسلامية المدعومة من السعودية والكويت والإمارات من جهة، ومن قطر وتركيا من جهة أخرى. كما أن الوضع السياسي كان يُشكّل ضاغطًا على نظام الأسد أكثر من أي وقت مضى”.

ليبيا:

يصف السياسي الفرنسي الوضع في ليبيا آنذاك بأن النفوذ كان يمتد لصالح قوات فجر ليبيا المحسوبة على التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وبدأ ذراع داعش في التلويح.

ويعد فجر ليبيا تحالفًا بين عدد من الميلشيات العسكرية الإسلامية المنحدرة من أكثر من مدينة ليبية، أبرزها مصراتة، والذين حاولوا توسيع رقعة نفوذهم بالسيطرة على عدد من المدن أبرزها العاصمة طرابلس، والتي هاجموا مطارها الدولي وعدد من المعسكرات المحيطة به في محاولة للسيطرة عليه، فيما أعلنت مجموعة تسمي نفسها “لواء البتار” مبايعتها لـ “داعش” رسميًا في خريف 2014، قبل أن يقبل أبو بكر البغدادي بيعتهم معلنًا عن ثلاث ولايات لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا: برقة شرقًا، وفزان جنوبًا، وطرابلس غربًا.

غزة:

ويستطرد المصدر أنه في ذلك الوقت بدأت في الظهور “شواهد عديدة إلى أن حماس التي بنت شرعيتها على الحرب مع القوات الإسرائيلية، بدت وكأنها على استعداد لمراجعة حسابها واللجوء إلى سياسة أخرى في ظل أن حدودها مع مصر باتت مؤمنة من خلال الرئاسة المصرية نفسها”.

الخليج:

يقول السياسي المهتم بشؤون الشرق الأوسط: “بالنسبة للخليج فالأمر لم يكن على أفضل حال. من جهة هم كانوا متمسكين بأمن مبارك والذي كانت المحاكمات لا تزال تحيط به، من الجهة الأخرى فإن حلم السعودية كقائد للدول السنية في المنطقة كان مهددًا بسيطرة الإخوان المسلمين على مصر وتونس وغزة وجزئيا سوريا وليبيا، والأهم من ذلك إنهم لم يكونوا معجبين بسياسة مرسي الخارجية”.

نقطة التحول:

من هنا، يرصد السياسي الفرنسي واحدة من نقاط التحول “عند هذا الحد، لم يكن غريبا أن نصف القشّة التي قصمت ظهر البعير بأنها كانت المؤتمر الجماهيري الذي حضره مرسي في ستاد كرة قدم، وحضره آلاف السلفيين ممن لهم تاريخ مكروه مع القوات المسلحة منذ عهد الرئيس أنور السادات. وفي المؤتمر يتم الإعلان عن الجهاد في سوريا لـ “قطع يد الشيعة”.. هكذا بدم بارد قرر مرسي الاستهانة بوضعه السياسي واحتساب نفسه رئيسًا لمجموعات مطيورة تدعو للقتل والحرب ضد طائفة أخرى، ضاربًا بعرض الحائط الوضع السياسي الداخلي والخريطة الإقليمية وكل الأعراف والبروتوكولات السياسية والدبلوماسية. ليس عجيبا أبدًا أن تكون اللحظة الحرجة كانت متعلقة بأمور خارجية وليس شؤون داخلية”.

وكان الرئيس المعزول محمد مرسي، وقبل أيام من الإطاحة به، قد رعى وحضر مؤتمرًا حاشدًا في ستاد القاهرة، كان عنوانه “نصرة الشعب السوري”، رغم أن معظم الكلمات تعرضت للدعاوى للتظاهر في 30 يونيو للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة. ودعى الحاضرون لقتل “الشيعة الرافضة” في سوريا، وقد كان أثر ذلك حاضرًا بقتل مواطنين مصريين من الطائفة الشيعية في إحدى قرى الجيزة. لكن الأحاديث التي خرجت في حضرة الرئيس كفّرت أيضًا الداعين لـ “الخروج عليه” بعد أيام.

بعد 30 يونيو

بعد شهور عديدة من الارتباك، أعقبت الإطاحة بالرئيس المنتخب عقب مظاهرات حاشدة، وصفها البعض بأنها الأكثر حشدًا في التاريخ الحديث، اتسعت مروحة الاحتمالات فيما يخص توجهات مصر الخارجية على أقصى اتساع ممكن. البعض رأى أن مصر استبدلت الولايات المتحدة بروسيا، فيما أصرت الدولة أنه ليس استبدالا، لكنه عودة لطبيعة الأمور بالتنويع. ورأى آخرون أن مصر باتت عصى في يد المملكة السعودية، والبعض رأي أنها مبالغة في تصوير التحالف القوي الذي يحتمل اتفاقات واختلافات، وذهب البعض إلى إعادة إنتاج العداء الناصري لدولة الإسرائيليين، ورأى البعض الآخر أن كل ذلك مجرد دعاية للاستهلاك المحلي.

الآن، وبعد ثلاثة أعوام، بات متوفرا ما يمكننا بناءً عليه الحديث عمّا تغير في السياسة الخارجية عقب الإطاحة بمرسي عن السلطة ومرور منصور بها وتربع السيسي عليها.

ليبيا:

أول الحديث يأتي من المتحدث الرسمي باسم حكومة طرابلس في ليبيا، جمال زوبية، المحسوب على الإخوان المسلمين وحلفائهم في ليبيا.

يقول زوبية لـ “مدى مصر” إن “الانقلاب” مثّل “كارثة بكل المقاييس. اتفقنا أو اختلفنا مع الإخوان المسلمين في مصر، كان هناك حكومة حقيقية، أعلنت بوضوح دعمها للثورتين الليبية والسورية من أول يوم واتخذت خطوات جادة في سبيل هذا الدعم. ما حدث بعد الانقلاب كان كارثة، ليس على ليبيا فقط، إنما على العالم العربي والإسلامي. بات ذلك واضحًا في محاصرة غزة والتضييق على الفلسطينيين مثلًا. أما على المستوى الليبي، فبدأت مصر في التضييق على الثوار الليبيين، ومحاربة “فجر ليبيا” (الإخوان المسلمين في ليبيا) واعتقال أنصارها في مصر”.

ويستطرد زوبية: “حملت مصر بعد الانقلاب على كتفها مهمة التسويق لقوات خليفة حفتر، وتقديمه للعالم، بل ودعمه عسكريًا على الأرض”.

ويضيف: “الحكومة المصرية خلقت كذبة أن رجال داعش أعدموا أقباط في ليبيا، واستغلت الفرصة هي والإمارات لقصف مواقع الثوار لصالح قوات حفتر.. دور مصر الآن مخجل”.

كانت حسابات (شبه رسمية) تابعة لتنظيم داعش قد بثت، في فبراير من العام الماضي، مقاطع مصورة لذبح 21 قبطيًا مصريًا في الصحراء الليبية. ومن ضمن الحسابات التي نشرت ذلك، حسابات اعتادت نشر صور ومقاطع لعمليات حقيقية للتنظيم في سوريا والعراق تحديدًا.

وأعقب ذلك غارات نفذتها القوات الجوية المصرية على مواقع عسكرية في ليبيا، قالت القوات المسلحة المصرية إنها تابعة للتنظيم المتطرف، فيما أصرّت مصادر جماعات المعارضة والإخوان المسلمين في ليبيا أن المواقع المستهدفة تابعة لـ “الثوار الليبيين”.

اليمن:

في مقابل حديث زوبية، يتحدث عضو الهيئة العليا لتكتل إنقاذ اليمن، بليغ المخلافي لـ “مدى مصر” ويقول: “نحن نرى أن ما حدث في 30 يونيو، وما يُرسم حتى الآن في ما يخص السياسة الخارجية المصرية، هو تصحيح لمسار ثورة 25 يناير. مصر قبل 30 يونيو لم تكن تسير في اتجاهها الطبيعي في كنف السياسة العربية والأمن القومي العربي، إنما كان تنضم للركب التركي، وتخدم المصالح التركية في المنطقة.

ويضيف: “وصول الإخوان المسلمين للسلطة في مصر ساعد المشروع التركي- القطري، والذي تحصل على مكتسبات ضخمة بالفعل. والإطاحة بالإخوان بدورها استطاعت توجيه ضربة قاضية لهذا المشروع، بالذات مع الغرق التركي في المستنقع السوري، ما أدى لتحجيم دور تركيا بشدة وأيضًا أدى لانسحاب قطر من أدوار عديدة كانت قد ضلعت فيها”.

ومن المنظور اليمني، يقول المخلافي: “بالنسبة لليمن، فمصر بعد 30 يونيو عادت للموقع الطبيعي. ارتباط البلدين ارتباط تاريخي. أي تغيير يحدث في مصر يؤثر بقوة على اليمن، سياسيا وعسكريا وشعبيا، وهذا حكم التاريخ والحاضر والمستقبل. ومن هنا نثمّن موقف مصر الآن من الأزمة اليمنية. هذا الموقف يتجلّى في السياسة وفي الحرب على حد السواء. عندما كان الواقع يتطلب دخلت مصر في التحالف العربي في عملياته العسكرية في اليمن. والآن، الدبلوماسية المصرية تلعب دورا محوريا في الحل السياسي، وهي حاضرة في كل محاولات الحل السياسي بين الأطراف اليمنية الجارية في الكويت”.

سوريا:

فراس الخالدي، عضو مجموعة القاهرة في المعارضة السورية، يقول لـ “مدى مصر” إن “30 يونيو شأنها شأن الأحداث الفارقة، تلافت مشاكل كثيرة وألقت مشاكل أخرى. لا نستطيع نسيان الحراك داخل الشارع السوري نفسه بين مؤيد لها ومعارض. لكن بعض المثقفين والنشطاء والنخب السورية قدّمت 30 يونيو للشارع السوري بشكل مختلف. تم تقديمها على أنها حراك إصلاحي مهم وضروري ويصب في مصلحة الثورة السورية، باعتبار أنه يُخرج المنطقة من دائرة الاتهام بالأسلمة ويساعد على ترسيخ بعض المكتسبات المدنية”.

ويضيف الخالدي: “هناك مثل صارخ يمكنه توضيح أين كنّا وإلى أين أصبحنا في ما يخص المسألة السورية. قبل 30 يونيو كنا في مؤتمر جماهيري يرعاه رئيس الدولة، مشحون بالعواطف وبالخطابات المفتوحة، لكن دون أي عمل جاد وواضح يدعم الثورة. وأصبحنا بعد ذلك بصدد تشكيل مجموعة تحمل اسم العاصمة المصرية، لها دور فاعل في المعادلة السياسية السورية، لها رؤيتها في المرحلة الانتقالية المفترضة وعلى تواصل مع المبعوث الأممي لسوريا. لكن في الوقت ذاته هناك الأمور السلبية التي لا يمكننا التغاضي عنها. مثلا هناك إصرار الإعلام المصري على صناعة أعداء جدد من الجالية السورية في مصر، وإظهار أن مواقفها هي مواقف من الحكم في مصر، كما أن الإعلام ذاته يصر على أن هناك تعاون بين الدولة المصرية والنظام السوري، رغم أن الرئيس ووزير الخارجية المصريين يوضحان في كل مناسبة دعمهم للشعب السوري ومطالبه المشروعة”.

يُجمل الخالدي الوضع بقوله إن “هناك مشاكل لها علاقة بوضع السوريين في مصر والتضييق عليهم في ما يخص الإقامات ولمّ شمل الأسر، لكن على الجهة الأخرى فإن المعارضة السورية في القاهرة لها حرية مطلقة في مواقفها السياسية، ودائما ما تكون الخارجية المصرية داعمة لها في الحصول على هذه الحرية والراحة، بدلًا عن سياسة سابقة قائمة على العواطف الجياشة”.

تنويع العلاقات واللعب مع الكبار

بالعودة إلى السياسي الفرنسي، الذي فضّل عدم نشر هويته، يقول “بطريقة ما، باتت مصر بعد 30 يونيو، وفي السنوات الثلاث الأخيرة، لاعبا دبلوماسيا محترفا. لا نتحدث عن تقييم المواقف كنت مع أو ضد، بل نتحدث عن ملامح التحرك الدبلوماسي والسياسي. الدبلوماسية المصرية عرفت بشكل جيد ماذا يريد العالم منها، وماذا تريد هي من العالم. بالحديث عن فرنسا مثلا، مصر تريد صفقات سلاح تجعلها على رأس التوازن العسكري في الشرق الأوسط، تريد دعم سياسي واقتصادي. فرنسا تريد من مصر حليف قوي في وسط منطقة تتداعى. تريد تأمين أوروبا من عودة المقاتلين الأوروبيين من الحرب في سوريا والعراق وليبيا، وتريد أيضا تحقيق مصالح اقتصادية مهمة في واقع أوروبي داخلي مأزوم. بالقياس أيضا على مستوى العلاقة بين مصر والسعودية، ليس الأمر كما هو مصور أن الدبلوماسية المصرية تابعة بشكل كامل للسعودية، فالجميع يعلم أن المشاركة المصرية العسكرية في اليمن كانت شرفية وكانت موضع خلاف، وكذلك يعلم الجميع أن هناك فجوة بين مصر والسعودية في ما يخص سوريا، وأن ذلك أيضا موضع خلاف بين البلدين. لكن مصر تعرف أن السعودية ستدعمها اقتصاديا في وقت تحتاج فيه ذلك، مقابل سياسات بعينها تجاه إيران والآن تجاه قضية الجزيرتين، والأهم من الجزيرتين ترسيم الحدود البحرية بينهما. هنا في هذين المثالين تتضح احترافية الدبلوماسية المصرية، وتتجلّى مشكلة دبلوماسية الإخوان. كلًا من الإخوان ومبارك اشتركا في مبدأ الارتماء عند قطب دولي حتى النهاية. أما الآن فالمسألة مختلفة، وبالفعل نجحت الدبلوماسية الحالية في هدفها، من الصعب القول بعبارة واحدة إن مصر تمترست مع قطب معين. لا، هي تلعب سياسة، وهذا جزء أساسي من محددات كون لحظة الإطاحة بالإخوان كانت بداية تحولات كبرى في المنطقة بأسرها”.

اعلان