Define your generation here. Generation What
ندوة “مدى مصر” عن أسئلة 30 يونيو (1)
ما الذي كنا نفكر فيه وقتها؟
 
 
 

هل كان من الممكن تلافي حدث 30 يونيو بتبعاته؟ كان هذا هو السؤال الرئيسي، الذي تمحورت حوله ندوة مدى مصر عن 30 يونيو، والتي دُعي إليها الباحثان عمرو عبد الرحمن وإبراهيم الهضيبي، الكاتبان عمرو عزت وبلال علاء، والناشطة إلهام عيداروس. دار الجزء اﻷول من الندوة، حول أسئلة أخرى: ما الذي كنا نفكر فيه قبل 30 يونيو، هل تصورنا أننا قادرون على إزاحة اﻹخوان ومن ثم تولي الحكم بنفسنا، أم أن الجيش هو من سيتولاه ثم يقيم دولة ديمقراطية؟ كيف بدا لنا البديل أصلًا وقتها؟ باﻹضافة للسؤال اﻷكثر مبدئية، حول “من نحن” باﻷساس، والذي احتل جزءًا كبيرًا من كلام المشاركين. ننشر هنا وقائع الجزء اﻷول من الندوة.

رد بلال علاء على سؤال “كيف كنا نفكر ساعتها”، باسترجاع السنة التي حكم فيها اﻹخوان المسلمون، فقد بدأ تيار الثورة ساعتها في اﻹحساس بأن ثمة خطأ حدث، وإن لم يُعلن عنه بشكل صريح، نتج عنه وصول اﻹسلاميين للحكم. هذا اﻹحساس دفع مجموعات ثورية للالتحام مع خطابات علمانية راديكالية، ما أدى في النهاية لتغلب المكوَّن العلماني على المكوَّن المعادي للنظام القديم. بعد اﻹعلان الدستوري، بدأ هذا المكون العلماني يتقاطع بصراحة مع خطاب الدولة. كانت هناك بقايا من خطاب الثورة ولكنها كانت تقابَل بالمزايدة “مش انتو اللي عصرتو ليمون؟ مش انتو اللي جبتو اﻹخوان؟ مش آن اﻵوان تسكتو وتخلونا احنا الكبار نشتغل؟”

“لم تكن عندنا أفكار واضحة” يضيف علاء: “فمكون الثورة أو اليسار أو مجموعات 25 يناير، ورغم احتلالها مساحة إعلامية كبيرة، إلا أنها كانت مهزومة وشرعيتها مهزوزة في تياراتها، لصالح المكون العلماني أو لصالح خطاب التحالف مع الدولة، ولم تكن هي ما أنتجت 30/6، وإنما استمرت مهزومة بعدها كما كانت قبلها. وما انتصر كان المكون العلماني الذي يرى أن أكبر خطأ وقعنا فيه كان التحالف مع اﻹخوان، مع خلق أساطير خطابية من نوعية أن اليسار هو من انتخب مرسي وسمح للإسلاميين بالحكم وأتي بأبو الفتوح”.

عمرو عبد الرحمن: أبو الفتوح لم يأت!

بلال علاء: كلها أساطير. قرأت تعليقا ﻷحدهم مرة يقول إنه لم ير يساريًا ينتقد اﻹخوان. يا راجل!

أما إلهام عيداروس فقد أكدت في بداية كلامها أن هذا سؤال “ما البديل” لا ينطبق فقط على 30 يونيو وإنما على 25 يناير أو على حركة التغيير بمجملها من 2004: “كان هناك شبه إجماع في 2004 بأن المهمة الرئيسية هي إسقاط مبارك بمشروعه للتوريث، وكان هناك كذا طرح، إسلامي، قومي ناصري لا يرى مشكلة في صعود عمر سليمان، باﻹضافة لأقلية ديمقراطية محدودة جدًا بين اليساريين باﻷساس، مثل سامر سليمان وغيره، كانت ترى أن الجبهة الواسعة التي تضم اﻹسلاميين والقوميين مع الديمقراطيين لن تنفع، وأنه لابد من وضع شعار “لا للعسكرة ولا للإسلام السياسي”. ولكنهم كانوا مجموعة شديدة الهامشية، وحتى أنشطتهم كان اﻹعلام ينسبها لحركة كفاية. هكذا يكون هناك في كل محطة إجماعٌ على من نريد إسقاطه، وعادة ما يكون هو الشخص الذي في الحكم، مثل مبارك، أو من اقترب من الحكم، مثل جمال مبارك، وبالتالي فالسؤال ينطبق على حركة التغيير كلها من 2004 فصاعدًا”.

تحفظت عيداروس أيضًا على التصنيف الشائع؛ ثوري وإصلاحي، فيما يتعلق بالموقف من اﻹخوان أو العسكر، فحتى بينما جبهة اﻹنقاذ تسعى لمحاصرة مرسي بشدة، كان الحزب المصري الديمقراطي ضد قرار مقاطعة الانتخابات البرلمانية. هذا الحزب يُصنَّف إصلاحيًا، وهو إصلاحي فعلًا كما تؤكد، بمعنى أنه لا يؤيد الفوضى الشاملة وإنما التغيير التدريجي واﻹصلاح. حزب التحالف الشعبي كان مع مقاطعة الانتخابات أثناء حكم مرسي، لكن رئيسه عبد الغفار شكر قاوم خيار المقاطعة أثناء نقاشات في الحزب، وفضّل أن تكون معارضة ديمقراطية له. كان “العقلاء” في الحزب يرون الحل اﻷمثل هو الضغط على مرسي لتحقيق إصلاحات، بدعوى أنه إذا سقط، سيأتي الجيش بديلًا وسيعود الثوريون لهتاف “يسقط حكم العسكر”، ولن نخرج من هذه الدوامة.

عمرو عبد الرحمن: أكثر من كان ضد مقاطعة الانتخابات هو عمرو موسى. بل وأقام اجتماعًا مع خيرت الشاطر في الشهور السابقة على 30 يونيو. هذا كان خيارًا سياسيًا. كان يريد أن يكسب شيئا.

إلهام عيداروس: لا أعتقد أن اﻷمر كان مدفوعًا بالانتهازية السياسية باﻷساس، ولكن رؤيتهم للمجتمع كانت قائمة على عدم تحمل المجتمع لحالة الثورة المستمرة. أنا شخصيًا كنت أرى أن التخلص من اﻹخوان ضروري، وله ثمن سياسي يستحق أن يُدفع.

***

طرح عمرو عبد الرحمن التساؤل الذي سيحتل مساحة كبيرة في الندوة “احنا مين”: “لم تكن الصراعات السياسية في مصر أبدًا تحدث في العلن، وإنما كانت كل قوة تجد لنفسها ممثلًا داخل الدولة. فقط مؤخرًا، وعلى هامش الصراعات، كان يتشكل مكوَّن ديمقراطي جذري مع الوقت، ارتكزت إحدى ضفتيه على معاداة الفكرة المترسخة بأن مصر لا تُحكم إلا من خلال أجهزة أمنية، وإنما يجب أن تُحكم من خلال مجال سياسي تعبِّر فيه القوى المختلفة عن مصالحها، سواء أتت بيمين أو يسار. والضفة الثانية لهذا المكون الديمقراطي كانت متعلقة بالمحتوى، وهي مناداته بالديمقراطية في مصر، سواء في مجال تنظيم الدين والحياة الخاصة أو مسألة المرأة، مع قدر ما من هيكلة العلاقة بين السلطة والثروة.

“هذا المكون الديمقراطي” شرح عبد الرحمن: “كان أقلية في 2004 وفي 2011 وحتى اليوم وسيبقى أقلية لفترة قادمة. أي أنه لم ينجح في التحول لمشروع سياسي يتجاوز حدود بعض أبناء الطبقة المتوسطة؛ وهم ناس تعب أهلهم في تعليمهم، وبالتالي لا يملكون ثروات وإنما كل حصيلتهم التعليم و”المفهومية”، أي العلاقة بالكمبيوتر وبالعالم، وبالتالي فمن المنطقي جدًا عندما يبدأ التحول نحو الليبرالية الجديدة في التسعينيات أن يجد هؤلاء، ممن لا يملكون مالّا ولا علاقة بالسلطة، أنفسهم معلقين في الهواء. هذه المجموعات دخلت 2011 وهي أقلية، ولكن عبقريتها كمنت في ممارسة سياسة ذكية وتحييد الجيش وإدارة معركة مع الفكرة اﻷساسية، وهي أن هذا البلد لن يحكم من خلال اﻷجهزة، ولهذا كانت أهداف المعركة وزارة الداخلية وأمن الدولة. ولكن ابتداء من مارس 2011 وهي تتلقى الضربات وتخرج مهزومة من كل معاركها”.

احتلت الثورة الفرنسية جانبًا كبيرًا من كلام عبد الرحمن:”الثورة حدث ضخم لا يدعي ملكيته أحد. إذا سألتك متى انتصرت الثورة الفرنسية أو متى هُزمت، لن يجيب أحد. أو هل هُزمت الثورة الروسية عندما جاء ستالين؟ طيب هل انتصرت؟ الثورة حدث موضوعي؛ انهيار لعلاقات القوى في المجتمع بالكامل في المجالين العام والخاص، وفي الثروة والسوق والقدرة على القمع. هذا الحدث المعقد لا تجوز قراءته من خلال ثنائيات الثورة والثورة المضادة. من قلب الثورة خرج مشروع استبدادي لا أعتقد أنه يمثل الثورة المضادة، وإنما أسوأ. كارل ماركس بالمناسبة لم يستخدم تعبير “الثورة المضادة” في مجمل كتاباته سوى مرات قليلة، أحدها كان في تعليقه على هزيمة كوميونة باريس، أما صعود نابليون الثالث الذي صفّى المجال السياسي بالكامل وقضى على كل الطموح الثوري للطبقة العاملة، فلم يسمه ماركس ثورةً مضادةً، وإنما مشروعًا جديدًا يتشكل أو “مشروع البونابرتية” .

“التيار الديمقراطي الجذري في مصر لعب سياسة بكل الطرق، تحالف مع اﻹخوان، أقام تجربة (الثورة مستمرة) وصوّت لأبو الفتوح أو خالد علي أو حمدين صباحي، وفي الانتخابات الرئاسية اتفقت أغلبيته مع مرسي، ثم مع جبهة اﻹنقاذ. وباستثناء معركة واحدة خاضها وحده في محمد محمود، فقد كان هذا التيار يقوم بما تسمح به قدراته. بهذا المعنى فلم يحدث خطأ كبير. أما بالنسبة لمحمد مرسي فقد فكّر أنه يستحيل عليه ضرب قوى الدولة القديمة من دون ضرب قوى الثورة. ﻷنه كان يرغب باﻷساس في القيام بدور البونابرت: (أنا رئيس الجمهورية، إذن أنا من سأتفق مع اﻹخوان والسعودية وأدير الدولة). هو إذن من دفعنا لهذه الناحية”.

“قبل 30 يونيو”، تابع عبد الرحمن: “كان يبدو أن هناك انقلابًا قادمًا، واﻹخوان لا يساعدون أنفسهم. في شهري مارس وأبريل 2013 بدا أن هناك شيئًا يحدث بين اﻹخوان لا أفهمه، كالرغبة في المقامرة بكل شيء، إما أن أكون أنا بونابرت أو أخسر كل شيء. آخر محاولة لعقلنة هذا، كانت عندما ذهب عمرو موسى لخيرت الشاطر ومعه القوى التي شكلت الحكومة بعد 3 يوليو. ورفض اﻹخوان هذا. بدأ يتضح أن القوى القديمة في مصر وصلت لاستنتاج يشبه بالضبط ما دار في رأس نظيرتها في فرنسا 1848. عندما أتيح للبرجوازية الكبيرة هناك، ونتيجة للثورة، إنشاء أحزاب، فأقامت ما عرف وقتها بالحزب الجمهوري وحزب النظام ومجموعة القوى الليبرالية. وفي خلال أربع سنوات رأت أن هذا لن ينفع، ﻷن هناك قوى في المجتمع أكثر تجذرًا منها بكثير، فلجأت للجيش. يصف ماركس هذا ببراعة حينما يقول إن البرجوازية الكبيرة قررت الانقلاب على دولتها وأتت بالمهرج من (الزريبة) ونصبته إمبراطورًا”.

“أما في مصر، فقد ظلت الرأسمالية الكبيرة تدير مصالحها من خلال اﻷجهزة والقصر الرئاسي، ثم وجدت نفسها بعد الثورة في وضع يحتِّم عليها إنشاء أحزاب، وأصبحت هناك أحزاب مثل (المؤتمر) و(المصريين اﻷحرار) وغيرها. ثم فوجئت أن حزب اﻹخوان قادر وحده على ابتلاعها، وبالتالي فالموضوع لا يستحق العناء، فبدأت تجمّع توكيلات لعبد الفتاح السيسي، التي أصبحت فيما بعد توكيلات (تمرد)، بعدما رأت أن سبغ صفة الثورة على اﻷمر سيجعله يبدو مقبولًا أكثر”.

“في ظل هذا الوضع؛ البرجوازية الكبيرة تراهن على الجيش، ومرسي يصر على الادعاء أنه هو بونابرت الثورة، والجيش يتفرج واعيًا بأن الكرة ستسقط عنده في النهاية، ماذا أفعل أنا؟ هل أجلس في البيت؟ ليس هناك شيء اسمه بلد في حالة ثورة ويطرح أحد أطرافها الجلوس في البيت. هل أتحالف مع اﻹخوان الذين لا يريدون التحالف مع أحد؟ أم أبدأ في شراء لنفسي مساحة أتحرك فيها فيما بعد سقوط اﻹخوان؟ كان الخيار اﻷخير هو ما استقررنا عليه، ولم يكن هذا خطأ. وإنما جوهر الفشل أننا لم نستطع استغلال المساحة التي اشتريناها لأنفسنا قبل 3 يوليو”.

تمحورت كلمة إبراهيم الهضيبي حول عدم استعداد اﻹخوان للتحالف مع أحد وقتها: “من ناحية كان يبدو أن التحالف بين الإخوان والجيش يتفكك. ظهر هذا في أحداث بورسعيد ثم في إضرابات الشرطة في فبراير ومارس. كان ضابط قد قُتل في سيناء، وحضر وزير الداخلية الجنازة وكاد الضباط أن يضربوه. أصبح اﻹخوان عبئًا على المؤسسات التي أتت بهم بهدف استيعاب الثورة. ومن ناحية أخرى كان تعنت اﻹخوان يتزايد، ليس أن مرسي رفض إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ولكنه رفض حتى إقالة هشام قنديل عندما طولب بهذا من قلب حزبه، وقيل من مكتب خيرت الشاطر في منتصف يونيو 2013 (إننا ندير أربع دول، مصر وتونس وليبيا واليمن)، وحتى بعد جمعة التفويض رفض اﻹخوان الانضمام لحركة (الميدان الثالث)، بدعوى أنهم هم أصحاب الشرعية.

“في يوم 30 يونيو أصبح اختيار الإخوان هو عدم تقديم أي تنازل مقابل الحفاظ على التنظيم. لم يرغبوا في الخروج من السلطة بشكل يبدون فيه مهزومين، إلا لو كانوا مظلومين”.

“قبل 30 يونيو”، يحكي الهضيبي: “كانت حسبتي أني سأنزل المظاهرات وهناك احتمال من اثنين، إما نزول عدد كبير من الناس يجبر اﻹخوان على تقديم تنازل، أو سأحاول تحجيم تحرك الجيش في المشهد، على غرار ما حاولت فعله مجموعات (يسقط كل من خان)، التي شارك أغلبنا فيها. اﻵن تبدو لنا هذه المجموعات غير مؤثرة، لكن وقتها كانت تبدو شديدة التأثير”.

بدأ عمرو عزت بمحاولة للرد على سؤال “احنا مين” عن طريق شرح المعنيين المستخدمين في مصر لتعبير “الثورة”: “اﻷول هو حالة الثورة، التي تكلم عمرو عبد الرحمن عن كونها ليست ملك أحد؛ حالة الصراع وانهيار علاقات السلطة بين القوى والأطراف المختلفة، صحيح لم يحدث انهيار في علاقات القوى ولكن حدث تهديد باحتمالية انهيارها. أما المعنى الثاني فيتعلق بوصف التيار الذي يحب تسمية نفسه (تيار الثورة) من باب المبادرة أو إخلاصه ﻷفكار سياسية عن التغيير وأخذه خطوات في اتجاه تغيير الواقع”.

“بعد إسقاط مبارك، والتوافق على ذلك بين الجيش واﻹسلاميين وقطاعات أكبر من الدولة والجماهير، انضمت إلينا قوى كثيرة جدًا. في هذه اﻷيام أحسست بشيء من الهزيمة، كأننا كنا مجموعة أصغر تقوم بعمل شديد الصعوبة مع انطلاق الثورة، ثم وصلنا فجأة لانتصار سريع والكل مشترك فيه. بعد هذا الانتصار بدأت مرحلة جديدة من الصراع وبعدها بدأت تتضح علاقات القوى في المجتمع، وبدأ يتضح أن (التيار الثوري) – المتمايز عن الإسلاميين – رغم أنه أكثر اﻷطراف كلامًا وتفكيرًا في الثورة، إلا أنه أعجزهم عن (اﻷداء الثوري) بالمعنى الكلاسيكي، بمعنى هزيمة جميع اﻷطراف وإخضاعهم لرغبته”.

“بالتزامن مع هذا”، يضيف عزت، “نمت روحٌ بين بعض أفراد هذا التيار، المجموعات الأكثر راديكالية أو بيننا جميعًا في أوقات احتدام الصراع في الشارع، هذه الروح مفادها أننا (تيار إسقاط)، يعمل على تفكيك العلاقات القديمة والمهيمنة في المجتمع وضد القوى التي تحتل السلطة فيه، بما فيها اﻹسلاميون، ولا يدخل في أي اتفاق وإنما يعادي جميع الاتفاقات والمساومات”.

“كانت لدينا في نفس الوقت مشكلة شاركنا فيها اﻹسلاميون، وهي عدم قدرة النخب على السيطرة التامة على جماهيرها، وكون الجماهير هي من تدفع هذه النخب أحيانًا إلى مواقف أكثر راديكالية وأقل توافقية. الجمهور المنضم إلينا كان متعطشًا للحركة والتغيير والصراع ذي الطابع الثوري. أغلب الشباب عندنا انحازوا للثورة في طبعتها اﻷكثر راديكالية ودرامية، أي معارك محمد محمود، وتوجيه الإهانة لمن يريدون التفاوض وعقد الاتفاقات”.

لم يكن هذا بعيدًا عما يحدث بين اﻹسلاميين أيضا كما يرى، وإنما كانت هناك فئات بين اﻹخوان ترى أنها غير قادرة على حسم الوضع لصالحها، في مقابل جماهير ضخمة من الإسلاميين ممن دخلت في حالة “احنا الثورة”، ولكن بطبعتها اﻹسلامية هذه المرة. استبطنت جماهير من السلفيين و”حازمون” موضوع الثورة وأصبح عندهم تعطش لقهر الأطراف الأخرى، بما فيها نحن. بينما كانت الطبقة السياسية للإخوان تسعى لبعض المرونة، كانت تجد جمهورها يقول لها وقت الخلاف حول الدستور: نحن نقف وراءكم من أجل الحل اﻹسلامي ولا يمكن أن تحذفوا الديباجات اﻹسلامية التي نريد وضعها في الدستور، وهي أصلًا أقل من طموحنا بكثير”.

في نهاية المعركة ظهر تيار ثالث، هو القوى القديمة ورأس المال والطبقات المتخوفة من التغيير الجذري التي بدأت تستجمع نفسها، ومعها الجيش وأجهزة الدولة. كان هذا التيار، للمفارقة، هو القادر على استخدام المنطق الثوري فعلًا في النهاية، وهو ما تبلور مع حكم السيسي، أي إخضاع الجميع له، يخوض معركة على السلطة في أداء ثوري بعيد عن الإجراءات، يقتل ويسجن ويضع القوانين التي يريدها ويكسر القوى السياسية. وخسرنا نحن في مباراة “المنطق الثوري”.

“قبل 30 يونيو لم يكن من المطروح أبدًا مساندة اﻹخوان ضد انقلاب محتمل، ﻷننا كنا في مقدمة المعركة ضد اﻹخوان في الشارع وفي الإعلام، والجيش غير ظاهر في الصورة بشكل فج، لكن تدخله محتمل ويلوح في الأفق، ويبدو أن القوى الثورية لم تفكر بشكل كافٍ في كيفية الاشتراك معه في موقف بما يسمح بالاشتباك والصراع معه لاحقًا. مع الوقت بدا أن القوى القديمة تأخذ المساحة اﻷوسع في المعركة ضد اﻹخوان؛ وهي قوى تخبرنا أنها معنا ولكنها تريد للجيش أن يحكم. وتساءل البعض اﻷكثر عملية من النخب السياسية: كيف سنتعامل مع الوضع، وماذا سيكون دورنا لو حدث انقلاب؟ هذه القيادات أخذت دورًا فيما بعد الانقلاب. وبدأت جماهير الثورة تشتمها وتخونها، وهم لم يكونوا قادرين على تسويق مشاركتهم في الحكومة لجمهورهم (الثوري). فتحولوا إلى أفراد يمثلون أنفسهم بعد أن كانوا جزءًا من تيار، وتصرفوا بناء على ذلك”.

“هذا جزء من مشكلتنا بين نفسنا. هناك من يقومون بمراجعات ويقولون إن الحل في التنظيم كأنه كان يمكن ببساطة أن ننضم كلنا لتنظيم واحد منضبط، مثل الكشافة مثلًا. ولكن الواقع أن أولًا، كانت هناك في الفترة اللاحقة على الثورة هستيريا من التجمع التنظيمي في حركات وحلقات و روابط وأشكال مختلفة، وثانيًا أننا كنا، كجماعة، نكبر جدًا ونضم أفرادًا مختلفين جدًا فيما بينهم ونحتاج وقتًا وجهدًا كبيرًا لكي نكون فعلا تيارًا له أفكار متقاربة”.

أكد عزت على أن هذا كان يحدث أيضًا بين اﻹسلاميين: “أرى أن جمهورهم المتعطش للثورة هو من جرَّهم بقدر ما لهذا المصير. في حوارات مع كوادر (معتدلة نسبيًا) في حزب الحرية والعدالة قالوا لي إنهم مثل من يسوقون الفيل. هم يوافقون على حذف مادة من الدستور تتعلق بأصول الفقه، ولكن الفيل الذي يسوقونه لن يسمح لهم بهذا، وهم غذوا الفيل من زمن بعيد على فكرة الحل اﻹسلامي والديباجات الدينية وليس على الديمقراطية وقبول الحسابات الممكنة، بما فيها التوافق مع (العلمانيين)”.

إبراهيم الهضيبي: هذا صحيح، ولكن في لحظات معينة لم يكن صحيحًا. سواء في جمعة الشرعية والشريعة، أو في اﻹعلان الدستوري، أو على منصة رابعة، كانت قيادات اﻹخوان هي من تشحن جماهيرها.

بلال علاء: كانوا يريدون تجذير جماهيرهم.

عمرو عزت: نعم. القيادات أيضًا كانت تخرج بشكل راديكالي للدفاع عن المشروع اﻹسلامي، هم يعرفون جمهورهم في النهاية ويخاطبونه. ولكن في الكواليس كانت لدى بعضهم أزمة مثل أزمتنا. مثلًا، قيادات اﻹخوان كانت تطمح لعلاقات جيدة مع إيران، ولكن جمهورهم الواسع هو من رفض، وكان موقف القيادات الإخوانية المبدئي مرنًا من القانون الموحد لدور العبادة، غير أن جمهور اﻹسلاميين، وبالإضافة لهم اﻷزهر، رفضوا بحسم. اﻹخوان، ككيان سياسي، كانوا يفكرون في علاقات السلطة وتوازناتها، وكانت لديهم رغبات توافقية، ولكن الميل اﻹسلامي الواسع لم يكن باتجاه التوافق. كل اﻷطراف أخذت راحتها في هذا الوقت: نحن في ثورة ونعبر عن نفسنا بوضوح ومتعطشون للصراع ولانتصار حاسم.

***

بلال علاء: في لحظة 30 يونيو كان موقف جماهير الثورة عامة، من غير اﻹسلاميين، هو الدفاع عن السيسي وعن 3 يوليو: “آه ما السيسي شاكمهم، راجل يالا!”، وعندما مشي البرادعي رأى الناس أنه يهرب من المعركة، بينما هم يريدون المواجهة. من وقت الثورة وهناك مطالبة بتجذير الخطابات. وعلى قدر ما كانت الخطابات تبدو إصلاحية وتوافقية على قدر ما كانت تفقد هيمنتها على الجماهير. خطاب شفيق مثلًا هو اﻵخر كان علمانيًا صريحًا، ومستعدًا للتوافق مع شباب الثورة من أجل إزاحة اﻹسلاميين، لم يكن مثل خطاب دولة مبارك بالتأكيد. وبينما فقد اﻹسلاميون ذوو الميول الديمقراطية هيمنتهم على الجماهير، كان حازمون هم اﻷقدر على الهيمنة الخطابية. اﻹخوان بمجرد جلوسهم مع سلفي، يهزمهم ويشعرهم بالذنب، فيجذِّرون خطابهم ثانية، فنغضب نحن ونجذِّر خطاباتنا، وعندما نحاول التوافق يقال لنا: “مش دول اللي ضربونا وباعونا في محمد محمود؟”

“وقتها، بدا لعموم الناس أن تيار الثورة ضخم جدًا. حتى السيسي كان يعتقد هذا، ولذا أتى بتيار الثورة في الحكم بعد 30 يونيو. المشكلة أنه اكتشف بمجرد مجيئه، أن الناس تحبه أكثر مما تحب الثورة، وأن الحل القمعي الذي يمثله أكثر جذرية لدى الناس من الكلام عن الديمقراطية والتفاوض. بالتالي كان السيسي حلًا ثوريًا، ليس فقط ﻷنه استخدم آليات ثورية، ولكن ﻷنه كان يملك إجابة على الصراع المتفاقم الذي لا يريد أحدٌ حلَّه بين طرفين كلاهما يرفض التوافق. لذلك، ولمدة سنة من 30 يونيو، كان من ينتقدون الجيش قلة قليلة، ﻷن السيسي فعلًا كان يُعجِب الناس. ثم أن 30 يونيو تمكن رؤيتها فعلًا كثورة. شرائح كبيرة نزلت الشوارع تطلب إزاحة اﻹخوان”.

“اﻹخوان من جانبهم كان لديهم الاستعلاء بالجماهير: (أنتم يا علمانيون مكانكم في مقاهي وسط البلد، أما نحن فالشعب كله معنا). إذن، جئنا لهم بالشعب، فلم يصدقوا، وثار التساؤل حول العدد الحقيقي لمن نزلوا في 30 يونيو، واضطروا لقياس مساحة الميادين لحساب هذه المسألة”.

عمرو عبد الرحمن: (يضحك) محللون كبار انشغلوا في قناة الجزيرة بحل هذه اﻹشكالية.

إبراهيم الهضيبي: لم يقل اﻹخوان هذا إلا بعد 30 يونيو، ولكن في بنية عقلهم نفسها لم يتخيلوا نزول كل هذه الأعداد. كون الناس غاضبة شيء، والنجاح في حشدهم للنزول شيء آخر لم يتصوروه. هم لم يرغبوا في رؤية الجماهير، ﻷنهم بمجرد رؤيتها سيضطرون للإجابة على سؤال “ما الخطأ الذي فعلناه”. قبلها بعام كان محمد أبو حامد قد دعا لمليونية ضد حكم اﻹخوان، ولم يشارك فيها سوى مائتي شخص. ما الذي تغير إذن؟ ولذلك فطول الوقت يُشار إلى أن 30 يونيو، وليس 3 يوليو، هي الانقلاب. ﻷن اﻹخوان أرادوا محو مشهد الجماهير من ذاكرتهم.

“أعتقد أن اﻹخوان لم يختاروا شعار (مرسي راجع) إلا بهدف الحفاظ على تماسك التنظيم، رغم يقينهم أن (مرسي مش راجع). وكانوا على استعداد للعنف المحدود من أجل الحفاظ على تماسك التنظيم. لكن لا ننسى أن اﻹخوان يتعاملون مع سفاحين أيضًا؛ لو لم يتعلق الموضوع إلا بمذبحة الحرس الجمهوري، كان ليمكن الحفاظ على تماسك التنظيم، ولكنهم في رابعة استُدرجوا لمستوى مختلف تمامًا من العنف، لا يمكن معه الحفاظ على التنظيم”.

بلال علاء: أية سلطة تواجه ثورة تقدم بعض التنازلات الخطابية. بعد يومين من اندلاع 25 يناير ظهر مبارك في التليفزيون وأقال حبيب العادلي. كانت تنازلات سريعة جدًا، ولكن اﻹخوان لم يقدموا أي تنازل، ولو على مستوى الخطاب.

إبراهيم الهضيبي: مرسي قدم تنازلات في 2 يوليو، قال كل شيء باستثناء أنه سيرحل، ولكن خطابه لم يكن مفهومًا.

عمرو عبد الرحمن: رسالة مرسي باختصار في هذا البيان كانت أن الشرعية ثمنها الدم.

اعلان