Define your generation here. Generation What
30 يونيو بعد 3 سنوات: الدولة والأقباط والوعود المتبخرة
فيما يستمر تأييد الأقباط للسيسي.. يتصاعد غضبهم تجاه الدولة
 
 
 

كان مشهد وقوف البابا تواضروس، بابا الكنيسة الأرثوذكسية، بجوار شيخ الأزهر، أحمد الطيب، وأرفع قيادات الدولة في 3 يوليو 2013، لإعلان إسقاط حكم الإخوان المسلمين علامة فارقة في علاقة الأقباط بالدولة، العلامة التي وضعت المجتمع القبطي -ربما لأول مرة- في موقع الحليف القوي للدولة المصرية.

منذ هذا الوقت، أعلن معظم الأقباط تأييدهم لخارطة الطريق ولرئاسة عبد الفتاح السيسي بعدها، وفي المقابل أعلنت الدولة تصديها للنشاط المتنامي للإسلام السياسي، الذي اعتبره الأقباط عدوهم الأول، بالإضافة لإعلانها حماية الأقباط وإنهاء التمييز ضدهم.

ومنذ انتخابه، كانت زيارات السيسي للكاتدرائية في احتفالات أعياد الميلاد خلال العامين الماضيين، بالإضافة إلى وعوده المتكررة للأقباط بحمايتهم ووصفهم بشركاء الوطن، علامات مستمرة أن عصرًا جديدًا ينتظر الأقباط في مصر. وزاد هذا الإحساس بالدعم مع وعود الرئيس المتكررة بسرعة إعادة بناء الكنائس المتضررة من جراء حملة العنف والتخريب التي طالت العديد من الكنائس والممتلكات القبطية بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس 2013. ففي خطابه من الكاتدرائية هذا العام اعتذر السيسي عن عدم إتمام عمليات إعادة البناء والترميم للكنائس، مجددًا وعده بانتهاء هذه العمليات بنهاية 2016.

العنف الطائفي مستمر

وعلى الرغم من هذه الوعود المتكررة، إلا أن بعض الأحداث الطائفية الأخيرة قد توحي بأن شيئًا ما قد عكر صفو العلاقة بين الطرفين وأَخر تنفيذ هذه الوعود التي بدت في بعض الأوقات أنها وعود تبخرت في هواء السياسة، مما يطرح سؤالًا هامًا حول شكل سياسة الدولة تجاه الأقباط.

كانت أحداث العنف الطائفي الأخيرة في قرية الكرم بمحافظة المنيا أحد أهم علامات تصدع هذه العلاقة، حيث أدت شائعة عن علاقة عاطفية تربط بين شابًا مسيحيًا وامرأة مسلمة إلى موجة من العنف ضد الأقباط من قاطني القرية، فتم تدمير منازلهم وممتلكاتهم، بينما اقتحم قرابة الثلاثمائة رجل منزل الشاب المسيحي وسحلوا والدته المسنة عارية في الشارع، حسب بيان أصدرته أبرشية المنيا الشهر الماضي. أثارت الحادثة موجة من الغضب والإدانة، بينما اكتفى ممثلو الدولة من القيادات الأمنية والمحلية وعلى رأسهم محافظ المنيا المحافظ، طارق نصر، بإنكار واقعة السحل والتعرية والتقليل من شأن الحادث.

في الوقت نفسه سارعت مؤسسة “بيت العيلة” التابعة للأزهر بإجراء جلسات صلح عرفي بين أقباط ومسلمي القرية لاحتواء الموقف المشتعل، الأمر الذي رفضته الكنيسة الأرثوذكسية للمرة الأولى ممثلة في الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا، على الرغم من بيان السيسي الذي استنكر الواقعة، ووعد بإعادة بناء الممتلكات المدمرة ومحاسبة المتورطين في الحادث.

انتقد الكثيرون مثل هذه الجلسات، التي تديرها الدولة عادة ممثلة في أذرعها الأمنية في الحوادث المماثلة، لأنها تعتبر بديلًا غير عادل لمبدأ سيادة القانون، حيث تنتهي معظمها بشروط مجحفة للأقباط مما يؤدي لإفلات الفاعلين الأصليين والمحرضين على العنف الطائفي. كانت دراسة أجرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في يونيو 2015 قالت إن هذه الجلسات قد حلت محل أجهزة العدالة التي تديرها الدولة، مما جعلها بوابة للهروب من تطبيق القانون، تدعم ضياع حقوق الأقباط.

يقول الأنبا مكاريوس لـ “مدى مصر” إن هذه الحادثة كانت “القشة التي قصمت ظهر البعير”، مضيفًا: “اكتشفنا أن الصلح العرفي لا يمكن أن يكون حلًا جذريًا لمشاكل العنف الطائفي، حيث تعطي هذه الجلسات الضوء الأخضر للآخرين لارتكاب جرائم أكبر ضد الأقباط. نحن أناس وطنيون ونريد لدولة القانون أن تحكم، هذه الجلسات تٌشعر الأقباط بالحزن والغبن”.

وعلى الرغم من وجود 45 حالة عنف طائفي وثقتها “المبادرة” في دراستها انتهت بعقد هذه الجلسات في الخمسة سنوات الأخيرة،إلا أن الأقباط والكنيسة الأرثوذكسية أعلنوا عن رفضهم اللجوء لمثل هذه الحلول .

ويرى مكاريوس أن الصلح العرفي “إهانة للدولة والحكومة”، مؤكدا: “على الحكومة أن تحمي الدولة، على الحكومة أن تكون غيورة على هذه الدولة أكثر من ذلك، ولن تتحقق هذه الحماية إلا إذا تم تطبيق القانون وإحالة المسئولين عن هذه الجرائم إلى المحاكمة”. وعما إذا كانت الحكومة قادرة على ذلك، قال مكاريوس: “نعم قادرة، فقط إذا توفرت لديها الإرادة لذلك، وتوفرت هذه الإرادة فقط حينما أصدر الرئيس السيسي بيانه الذي أدى لتحرك القيادات المحلية والأمنية”.

بعد حادثة المنيا الأخيرة، وجهت مجموعة من أقباط المهجر انتقادًا لاذعًا للسيسي، وحملوه المسئولية كاملة بسبب عدم مقدرته على حماية حقوق الأقباط وتطبيق دولة القانون.

وقال أقباط المهجر في بيان: “لقد وقفنا جميعًا مع مصر وسيادتكم مواقف مشرفة خلال ثورة ٣٠ يونيو وتصدينا في الخارج لمحاولات النيل من شرعيتك وعقدنا لقاءات في الاتحاد الأوربي والكونجرس الأمريكي والبرلمان الكندي والأسترالي وغيرهما، وعمل كثيرًا منا بجوار الدبلوماسيين المصريين في المحافل الدولية للدفاع عن وطننا وعن شرعيتك. الآن نريد من سيادتكم وقفة حازمة مع قيادات المحافظة والأمن الذين تهاونوا في حماية الشعب. لن يصلح بعد الآن إصدار البيانات بتفعيل القانون وإرسال وزير الحكم المحلي لعقد جلسات عرفية”.

وانتقد البيان بشكل محدد استمرار محافظ المنيا والقيادات الأمنية في مناصبهم بعد مواقفهم من حادثة العنف الطائفي الأخيرة، مشيرًا إلى الصورة الأعم من حالة تدهور الحقوق والحريات العامة التي يشهدها الواقع السياسي المصري. وفي هذا الصدد أضاف البيان: “لقد وقفنا موقف المحايد من أحداث سيئة نرفضها جميعًا مرت علي وطننا مثل القبض علي شباب الثورة والقبض علي شباب جمعة الأرض الذي رفض التسليم في أرضه واستئنا جميعا من سرعة محاكمات كل من يتظاهر ضد حكمك مع عدم محاكمة من يعتدي على العرض والشرف المصري أو من يعتدي على الأقباط العزل بنوازع دينية أو من يحرق بيوت الصلاة”.

ويظهر عدم اهتمام الدولة في حل مثل هذه المعضلات بشكل جذري في حالات أخرى مشابهة، حيث تسبب نشر شاب قبطي مقيم في الأردن لمقاطع وصور أُعتبرت مسيئة للاسلام في يناير 2015 في سلسلة من العنف الطائفي التي طالت عائلته في قرية كفر درويش في محافظة بني سويف التي هاجمها مجموعة من أهالي القرية المسلمون. نتج عن الحادثة حرق وتدمير  لممتلكات الأقباط وتم تهجير أهل الشاب من القرية تحت إشراف قوات الأمن بدعوى حمايتهم.

معضلة بناء الكنائس

وكان استمرار صعوبة بناء الكنائس مشكلة أخرى يشكو منها الأقباط. في آخر حوادث العنف الطائفي هذا الشهر تم إلقاء القبض على مجموعة من الأقباط بقرية قريبة من منطقة العامرية بمحافظة الاسكندرية بتهمة “إقامة الصلاة بدون تصريح” بعد اندلاع أحداث عنف ضد الأقباط في المنطقة لأدائهم الصلوات في مبنى خدمي تابع للكنيسة، كما تم الاعتداء على قسيس وتحطيم سيارته.  وفي فيديو تم تصويره لموقع الأحداث، ردد أهالي القرية الغاضبون “مش عايزين كنيسة، إسلامية إسلامية”. وتدوال مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي صورا لعائلة أحد أقباط المنطقة وهي تسكن الشارع بعد طرده من منزله. وعلى الرغم من الإفراج عن المقبوض عليهم لاحقًا، إلا أن الحادثة جددت الجدل حول صعوبة بناء الكنائس، الأمر الذي أُعتبر مصدرًا لحوادث العنف الطائفي في أحيان كثيرة.

وفي حادثة مماثلة سابقة، تسبب الخلاف حول بناء كنيسة في قرية الماريناب بأسوان في أكتوبر 2011 لسلسلة من العنف الطائفي في القرية، والتي كانت السبب الرئيسي لتظاهرة الأقباط الكبرى أمام مبنى ماسبيرو التي انتهت بمقتل 23 قبطيا على يد قوات الشرطة العسكرية فيما عرف لاحقا بـ “مذبحة ماسبيرو”.

وينتظر الملايين من الأقباط تنفيذ وعود بتمرير قانون بناء دور العبادة الموحد الذي من المفترض أن يسهل إجراءات بناء الكنائس. ومن المتوقع أن تسلم الحكومة نسخة من القانون المقترح للبرلمان قريبًا، إلا أن نقاطًا عديدة لم تحسم، منها مدى التدخل الأمني في عملية التصريح للبناء. وقال النائب عن دائرة شبرا، جون طلعت، لـ “مدى مصر” إن البرلمان في انتظار النسخة النهائية من المشروع لمناقشته وتمريره.

إلا أن كثيرين من المراقبين يتخوفون من المماطلة في إصدار القانون الذي مكث في أدراج الحكومة لسنين طويلة، إلا أن طلعت أكد أن مؤسسات الدولة لا تملك رفاهية المماطلة. وأضاف: “طبقا للدستور، لا بد من تمرير القانون قبل انتهاء الدور الأول من انعقاد المجلس، وبالتالي فنحن مجبرون على إصداره”. ويتوقع تمديد الدور الأول لانعقاد البرلمان إلى شهر أغسطس بعد أن كان من المزمع انتهاؤه في 30 يونيو الحالي.

وتعود القوانين المنظمة لبناء الكنائس إلى عصر الإمبراطورية العثمانية، تحديدًا إلى الخط الهمايوني الذي تم إصداره في 1856 ويعطي السلطان العثماني الحق في إعطاء التصاريح لبناء دور العبادة والمقابر لغير المسلمين. واستمر العمل بالخط الهمايوني حتى عام 1934 حتى جاء وزير الداخلية آنذاك، محمد عزبي، وأصدر قانونًا يشتمل على عشرة شروط لبناء الكنائس، منها وجوب موافقة أهالي المنطقة المسلمين على بناء كنيسة في المحيط الجغرافي الذي يعيشون فيه، بالإضافة إلى شروط تعجيزية أخرى، واستمر العمل بهذا القانون حتى اليوم.

ازدراء الأديان

شهدت الأعوام الماضية، خصوصًا إبان حكم جماعة الإخوان المسلمين، تصاعدًا في قضايا ازدراء الأديان خاصة ضد الأقباط واستمرت خلال حكم الرئيس السيسي.

في المنيا أيضًا، وقبل شهور قليلة من واقعة الكرم، قضت محكمة جنح بني مزار في فبراير الماضي بحبس 3 طلاب أقباط قُصَّر خمس سنوات، وإيداع رابع إحدى دور الرعاية الاجتماعية إيداعًا مفتوحًا لأنه دون سن الـ18 بعد إدانتهم بتهمة ازدراء الدين الإسلامي خلال مقطع فيديو يسخر من تنظيم الدولة الإسلامية.

وطالب عدد من البرلمانيين بالغاء المادة 98 من قانون العقوبات الخاصة بازدراء الأديان، إلا أن وزارة العدل رفضت وأكدت أنها هامة جدا لمحاربة “التطرف الديني”.

ماذا بعد؟

يقول الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، اسحاق إبراهيم، إنه على الرغم من استمرار تقدير الأقباط لشخص السيسي، إلا أنه هناك غضبًا متزايدًا ضد أجهزة الدولة والحكومة لتقاعسهم عن التعامل مع الملف القبطي بشكل جيد. واستدرك: “بالتأكيد قل تأييد الأقباط  للنظام الحالي عما كان الوضع عليه في 30 يونيو، هم ما زالوا يقدرون السيسي لقضائه على حكم الإخوان، ولكن إذا استمر الوضع على ما هو عليه مع عدم علاج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فإنهم سيوجهون غضبهم إلى السيسي شخصيًا”.

يتفق الطبيب والناشط بيتر روماني، المقيم في قنا بصعيد مصر، مع إبراهيم، مؤكدا أن الأقباط بطبعهم متمركزون حول مشاكلهم الخاصة بهم. “رأى الأقباط في 30 يونيو تدخلا إلهيا حماهم من حكم الإخوان، وفي سبيل ذلك أيدوا كل الإجراءات التي اتخذها السيسي لتخليصهم من الإسلاميين. لكنهم شعروا أخيرا أن شيئا لم يتغير، خاصة مع أحداث المنيا والعامرية. ما زالوا يوجهون لومهم للحكومة، ولكن ربما يوجهون لومهم للسيسي قريبا”.

فيما يرى المواطن السكندري مايكل نبيل أنه لأول مرة يشعر بالتقدير كقبطي بعد زيارة السيسي للكاتدرائية “حتى لو كان تقديرا ظاهريا” على حد قوله. إلا أنه يشعر بعدم الرضا بسبب تفاقم الأزمات الطائفية المتراكمة حيث يتم حل معظم المشاكل الطائفية داخل أقسام الشرطة “بالود والعشم والمعارف بعيدا عن القانون”. يقول نبيل: “ألوم الجهة التنفيذية على ذلك، وألوم الجهة اللي فوقها اللي مش بتحاسب المسئول على تقصيره”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين