Define your generation here. Generation What

مغزى حكم القضاء في “تيران وصنافير” (2)

تناول الجزء الأول من هذا المقال أحد جانبي حكم محكمة القضاء الإداري التاريخي ببطلان التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وهو الجانب الذي فنّدت فيه المحكمة الدفع الحكومي بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وبذلك قبلت المحكمة الدعوى شكلًا. وفي هذا الجزء، نتناول فصل المحكمة في الدعوى من حيث الموضوع، ثم نطرح السؤال: ماذا بعد؟

1) حيث أن إحدى الدعويين، اللتين ذكرنا في النقطة الرابعة من الجزء اﻷول من المقال أن المحكمة ضمتهما للارتباط، كانت تدفع بمخالفة إبرام اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية للمادة ١٥١ من الدستور، فقد استعرضت المحكمة المواد الدستورية ذات الصلة، مركِّزةً على المادة ١٥١ التي حملت “المزيد من الضوابط والقيود على السلطة التنفيذية في مجال إبرام المعاهدات، على وجه يفوق ما كان عليه الحال” في الدساتير السابقة. فقد أوجبت الفقرة الثانية من هذه المادة دعوة الناخبين للاستفتاء على ثلاثة أنواع من المعاهدات؛ هي معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، كما حظرت التصديق على هذه المعاهدات إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة. وبعد أن عرَّفت المحكمة كلًا من هذه الأنواع الثلاثة من المعاهدات، أضافت أن الفقرة الثالثة من المادة نفسها من الدستور تحظر إبرام المعاهدات التي يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة. وشدَّدت على أن هذا الحظر لا ينطبق على إقرار هذا النوع من الاتفاقيات وإنما على الإبرام في حد ذاته، “إذ يمتنع وفقًا له توقيع هذا النوع من الاتفاقيات، ولا الموافقة عليها ولا التصديق عليها”. وأكدت المحكمة في نص وافٍ وبليغ أن هذا الحظر يسري في مواجهة الجميع، من سلطة تنفيذية وتشريعية، بل والشعب ذاته، والذي هو مصدر السلطات: “ويسري هذا الحظر في مواجهة السلطة التنفيذية وفى مواجهة السلطة التشريعية وفى مواجهة جمعية الناخبين من أبناء الشعب، فمَنعَ الدستورُ السلطةَ التنفيذية من التوقيع على معاهدات يترتب عليها النزول عن جزء من إقليم الدولة، حتى لا تقدم على هذا العمل تحت ضغوط أو ملاءمات سياسية، ذلك أن إقليم الدولة ليس ملكًا لها، وإنما تلتزم فقط بحمايته وعدم التفريط فيه، كما منع الدستور مجلس النواب من الموافقة على أي اتفاقية من هذا النوع، لأن أعضاء البرلمان ينوبون عن الشعب، والشعب ممنوع بدوره من التنازل عن أرضه، وليس للنائب سلطة تزيد على سلطة الأصيل، ولم يجعل الدستور للشعب، ممَثَّلًا في هيئة الناخبين، سلطة الموافقة على التخلي عن أي جزء من إقليم الدولة في استفتاء عام، لأن الدستور أوصدَ جميع الأبواب التي يمكن أن تؤدى إلى التنازل عن جزء من إقليم الدولة، وكل عمل حظره الدستور لا يجوز لسلطة أو لأحد أن يجيزه، فأرض الوطن لا تخص جيلًا واحدًا من المصريين، وإنما تخص الأمة التي عاشت عليها أجيال سبقت، وستبقى مهدًا لأجيال قادمة، يقع عليها أيضًا واجب الدفاع عن هذه الأمة، امتدادًا لما كان عليه أسلافهم ممن بذلوا أرواحهم وأريقت دماؤهم واختلطت بتراب هذا الوطن حماية له و دفاعًا عنه”.

2) وبعد أن استعرضت المحكمة القيود الصارمة التي فرضها الدستور على التعامل مع إقليم الدولة، بات عليها، لكي تبت في الدعوى التي تنظرها، أن تحدِّد معايير سيادة الدولة على الإقليم أو الجزء من الإقليم، وأن تشرح ترتيب الأولويات بين البتِّ في السيادة على الجزر وتعيين الحدود البحرية بين الدول، ثم أخيرًا أن تطبِّق ترتيب اﻷولويات ذاك، ومعايير السيادة تلك، على جزيرتي تيران وصنافير. فما هي معايير السيادة؟ استندت محكمة القضاء الإداري هنا إلى الاجتهادات القضائية الراسخة لمحكمة العدل الدولية (ومن قبلها محكمة العدل الدولية الدائمة) ومحاكم التحكيم الدولية بشأن الفصل في النزاعات الحدودية التي تثور بين دولتين على السيادة على إقليم، أو على جزء معين من الأرض، فتدعي كل دولة سيادتها عليه، وأوضحت المحكمة أن ثمة شرطين يُستند إليهما في حسم تلك النزاعات: “الأول هو رغبة أو نية الدولة في مزاولة السيادة على الإقليم، والثاني هو ممارسة الدولة مظاهر السيادة بالفعل وقيام أدلة تثبت ذلك”.

3) وقبل أن تطبِّق المحكمة في حيثياتها هذين المعيارين على حالة جزيرتي تيران وصنافير، كان عليها إبداء رأي قانوني في مسألة شديدة الأهمية، وهي المسألة التي عرّفناها في النقطة السابقة بوصفها “ترتيب الأولويات ما بين البت في السيادة على الجزر وتعيين الحدود البحرية بين الدول”. ذلك أن البيان الرسمي لمجلس الوزراء المصري الذي أذاع على الرأي العام نبأ إبرام الاتفاقية (وأرجو أن يتذكر القارئ الكريم أننا مضطرون للاعتماد على هذا البيان لأن الحكومة المصرية امتنعت حتى الآن عن نشر نص اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، بل إنها امتنعت، مثلما أسلفنا في النقطة الخامسة من الجزء اﻷول من المقال، عن تقديم الاتفاقية للمحكمة رغم مطالبات المحكمة المتكررة لها بذلك، ويا للعجب!)، أقول إن البيان الرسمي المذكور، والذي أشرنا إليه في النقطة اﻷولى من الجزء اﻷول من المقال، كان قد جاء فيه، مثلما أسلفنا في استطرادنا بعد هذه النقطة، أن البتَّ في قضية السيادة على جزيرتي تيران وصنافير قد جاء نتيجة للعملية الفنية المتمثلة في تعيين الحدود البحرية بين البلدين، وهو الأمر الذي سبق لكاتب هذه السطور في مقاله السابق، أن ذكر أنه باطل قانونًا وأنه “يمثل انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الثابتة المعمول بها في هذا الشأن”. ومن دواعي فخرنا أن حكم محكمة القضاء الإداري الذي نتناوله هنا جاء مؤيِدًا لهذا الرأي القانوني. وقد استند منطق المحكمة هنا بادئ ذي بدء إلى التمييز بين الإقليم البري للدولة وإقليمها البحري، فالإقليم البري للدولة “يشمل الإقليم القاري الذي يشكل جزءًا من قارة من القارات كما يشمل الجزر التي تتبع الدولة، والجزيرة رقعة من الأرض تتكون طبيعيًا وتحاط بالماء من جميع الجهات وتعلو عليه”. أما الإقليم البحري للدولة، “فيشمل المياه الداخلية للدولة والبحر الإقليمي”. وبعد هذا التمييز بين الإقليمين البري والبحري، استعرضت المحكمة القواعد الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام ١٩٨٢، وهي الاتفاقية التي انضمت إليها مصر والسعودية، بشأن قواعد تحديد وقياس البحر الإقليمي. وأبرزت المحكمة ما جاء في المادة ١٥ من اتفاقية قانون البحار: “حيث تكون سواحل دولتين متقابلة أو متلاصقة لا يحق لأي من الدولتين في حال عدم وجود اتفاق بينهما على خلاف ذلك أن تمد بحرها الإقليمي إلى أبعد من الخط الوسط الذي تكون كل نقطة عليه متساوية في بعدها عن أقرب النقاط على خط الأساس الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي لكل من الدولتين، غير أن هذا الحكم لا ينطبق حيث يكون من الضروري بسبب سند تاريخي أو ظروف خاصة تعيين حدود البحر الإقليمي لكل من الدولتين بطريقة تخالف هذا الحكم” [التشديد من عندنا]. وتشرح محكمة القضاء الإداري هذه المسألة، فتوضح أن اتفاقية قانون البحار لم تتضمن “ما يجبر دولة على التنازل عن جزء من إقليمها البري – ومنه الجزر- إلى دولة أخرى، لأن الاتفاقية تسرى على البحار وليس على الإقليم البري للدولة، وإذا ما تضمن اتفاق بين دولتين، ولو كان ينظِّم حدود البحر الإقليمي، بينهما نصًا خاصًا بالتنازل عن جزء من الإقليم البري لدولة إلى دولة أخرى، فان هذا التنازل لا صلة له بتحديد البحر الإقليمي ولا باتفاقية قانون البحار، وإنما هو في حقيقته عمل يتعلق بالتنازل عن جزء من الإقليم البري للدولة وبتعديل الحدود البرية للدولة”. وتعود المحكمة في موضع لاحق من حيثياتها إلى نفس النقطة، فتقرر أن “ترسيم الحدود البحرية مع دولة لا يتصل إقليمها البري مع الإقليم البري المصري لا يجوز أن يمتد أثره إلى أي جزء من الإقليم البري المصري”. وهكذا، فإن المحكمة تقرر أسبقية حسم مسألة السيادة على الجزر على تعيين الحدود البحرية. ولا يتبقى بالتالي أمامها سوى حسم مسألة السيادة على الجزيرتين، وهو ما سنعرض له بإيجاز في النقطة التالية.

4) ذكرنا في أكثر من موضع سابق أن الحكومة امتنعت عن تزويد المحكمة بنص الاتفاقية موضوع الدعوى! ويبدو أن هذه الاستهانة الحكومية بالقانون وبالمحكمة قد امتدت إلى طبيعة “الوثائق” التي قدَّمتها الحكومة إلى المحكمة دفاعًا عن موقفها القائل بـ”سعودية الجزيرتين”. فبينما قدم أصحاب دعوى بطلان إبرام الاتفاقية للمحكمة اتفاقيات دولية ووثائق رسمية تشريعية ولائحية وقرارات إدارية ومراجع تاريخية رسمية يُستدل بها على مصرية جزيرتي تيران وصنافير، فقد اكتفت الحكومة بتقديم مراسلات إلى المحكمة “لا تعبر إلا عن وجهة نظر شخصية لصاحبها أو لأصحابها” بحسب الحيثيات، إلى حد اضطرَّت معه المحكمة إلى توبيخ الحكومة بلهجة حادة ومهينة مرة أخرى، حيث جاء في الحيثيات: “وتؤكد المحكمة في هذا الشأن على حقيقة لا سبيل إلى إغفالها، وهى أن أرض الوطن ملكٌ للأمة المصرية كلها وأنها لا تسجل في الشهر العقاري كعقارات الأفراد، وإنما سجلت في سجل التاريخ وأنه لا يُقبل في إثباتها شهادة شاهد أو شهود قد يضلوا أو ينسوا”. وبعد أن استعرضت المحكمة بالتفصيل الوثائق والمستندات الكثيرة التي زوَّدها بها المدعُّون، والتي تأكدت المحكمة من صحتها، خلصت إلى ما يلي: “فضلًا عما سبق تفصيله من اعتبارات قانونية وتاريخية تثبت مصرية الجزيرتين، فإن الواقع الحاصل علي الأرض منذ زمن بعيد أن الدولة المصرية تمارس علي الجزيرتين بالفعل حقوق سيادة كاملة، لا يزاحمها في ذلك أحد، لدرجة أن مصر ضحت بدماء أبنائها دفاعًا عن الجزيرتين، وهو ما يفصح إفصاحًا جهيرًا عن أنهما أراض مصرية”.

5) بناء على الحيثيات السابق عرضها، خلصت محكمة القضاء الإداري إلى الحكم التالي: “حكمت المحكمة، أولًا: برفض الدفع بعدم اختصاصها ولائيًا بنظر الدعويين وباختصاصها بنظرهما. ثانيًا: بقبول الدعويين شكلًا وببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة في أبريل سنة 2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البري المصري وضمن حدود الدولة المصرية واستمرار السيادة المصرية عليهما وحظر تغيير وصفهما بأي شكل لصالح أية دولة أخرى، وذلك على النحو المبين بالأسباب، وألزمت جهة الإدارة المصاريف”.

6) بصدور هذا الحكم التاريخي، باتت اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية “هي والعدم سواء”، على حد تعبير الفقيه القانوني الدكتور نور فرحات. لكن الحكومة المصرية سارعت بتأكيد نيتها الطعن في الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، في واقعة تاريخية لا أظنها مسبوقة لحكومة تطعن أمام القضاء لكي تؤكد عدم أحقية دولتها في جزء من إقليمها أكد القضاء تبعيته لها وسيادتها عليه! فعلى أي أساس ستطعن الحكومة في حكم محكمة القضاء الإداري؟ وما هي الاحتمالات المطروحة حينما تنظر المحكمة الإدارية العليا في الطعن الحكمي؟

7) لنجيب على السؤال الأول، ينبغي أن نعي أن المحكمة الإدارية العليا في علاقتها بأحكام محكمة القضاء الإداري شبيهة بمحكمة النقض في علاقتها بأحكام محاكم الاستئناف. أي أن المحكمة الإدارية العليا لا تعيد النظر في الوقائع المادية للدعوى، بل تنظر فيما قد تكون محكمة القضاء الإداري قد وقعت فيه من خطأ قانوني. ووفقًا للمادة ٢٣ من قانون مجلس الدولة رقم ٤٧ لسنة ١٩٧٢، لا يجوز الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا في الأحكام الصادرة عن محكمة القضاء الإداري إلا في أحد أحوال ثلاثة: ١- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنيًا على مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله. ٢- إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم. ٣- إذا صدر الحكم على خلاف حكم سابق حاز قوة الشيء المحكوم فيه سواءً دُفع بهذا الدفع أو لم يُدفع. وهذه الأحوال الثلاثة هي كلها أشكال متنوعة من الخطأ القانوني. فما هو الخطأ القانوني الذي يمكن للحكومة الزعم بأن محكمة القضاء الإداري وقعت فيه على نحو يبرر الطعن في حكمها أمام المحكمة الإدارية العليا؟ من المرجح جداً، إذا ما أصرت الحكومة على الطعن، أن تستند، مثلما سبق أن فعلت أمام محكمة القضاء الإداري، إلى الدفع بعدم اختصاص المحكمة استنادًا مرة أخرى إلى نظرية “أعمال السيادة”. وهناك احتمال آخر لا نرجحه، وهو أن تدفع الحكومة بأن المحكمة قد أخطأت في استدلالها بأن الجزيرتين مملوكتان لمصر، انطلاقًا من الوقائع التي تثبت ممارسة مصر المستمرة للسيادة على تيران وصنافير. بعبارة أخرى، قد يستند الطعن الحكومي على التفرقة بين سيادة فعلية كانت مصر تمارسها على الجزيرتين بسبب الضرورة، وعلى أساس اتفاقها مع السعودية على ذلك من جهة، وسند ملكية لا تملكه الدولة المصرية من جهة أخرى. غير أننا لا نرجح أن تلجأ الحكومة إلى مثل هذه الحجة، لسبب بسيط؛ وهو أن الحكومة لا تملك من الوثائق ما يثبت ملكية السعودية للجزيرتين، بدليل عدم تقديمها شيئًا من ذلك إلى محكمة القضاء الإداري (بل امتنعت كما أسلفنا عن تقديم نص الاتفاقية المطعون فيها ذاته!)

8) أيًا كان الأساس الذي قد تطعن الحكومة في الحكم استنادًا إليه، فسنكون إزاء احتمالين؛ الأول هو أن تؤكد المحكمة الإدارية العليا حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، وفي هذه الحالة، تصبح الاتفاقية المذكورة كأن لم تكن. ولكن تبقى للأمر بالطبع توابع، إذ لا يجوز بحال من الأحوال أن تمر هذه المسألة مرور الكرام. فنحن في هذه الحالة، سنكون إزاء حكم قضائي بات، هو عنوان الحقيقة، يثبت أن حكومتنا حاولت، لاعتبارات الملاءمة السياسية أو تحت تأثير غير ذلك من الضغوط، أن تتنازل بدون مبرر عن جزء غالٍ من التراب الوطني. فهل يجوز للمسؤولين عن هذه الجريمة، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، البقاء في مناصبهم بعد ذلك وكأن شيئاً لم يكن؟ وبغض النظر عن الإجابة عن هذا السؤال السياسي، ألا ينطبق هنا نص المادة ٧٧ (هـ) من قانون العقوبات: “يعاقَبُ بالسجن المؤبد كل شخص كُلِّف بالمفاوضة مع حكومة أجنبية في شأن من شؤون الدولة فتعمَّدَ إجرائها ضد مصلحتها”؟

9) أما الاحتمال الثاني، فهو أن تُبطل المحكمة الإدارية العليا حكم محكمة القضاء الإداري، إما شكلًا على أساس عدم الاختصاص (نظرية “أعمال السيادة” الشهيرة) أو موضوعًا من خلال قبول ما قد تدعيه الحكومة من خطأ قانوني في الحكم. لكن حتى هذا الاحتمال السيئ (بالنسبة للمدافعين عن عن مصرية الجزيرتين وحكم محكمة القضاء الإداري، بل أيضًا بالنسبة لكل الممتعضين من الطريقة المعيبة والرديئة التي تعاملت بها الحكومة مع الملف بأسره، وكذلك للمدافعين عن استقلال القضاء المصري وعن توسيع القضاء الإداري لهامش مراقبته لأعمال السلطة التنفيذية من خلال الحد من نطاق نظرية “أعمال السيادة”)، أقول إن حتى هذا الاحتمال السيئ سيضع الحكومة المصرية في حرجٍ بالغٍ. ذلك أن زعم “أعمال السيادة” هذا إنما يؤكد الطابع السياسي للاتفاقية، وينفي كونها مسألة فنية بحتة تتصل بالقواعد المتخصصة لترسيم الحدود البحرية، على نحو ما حاولت الحكومة “تبليعها” للرأي العام، ناهيك عن التناقض الصارخ بين الدفع بـ”أعمال السيادة” لتبرير التنازل عن السيادة! كما أن الوقائع التي أقرّها حكم محكمة القضاء الإداري ستظل ثابتة قضائيًا ولا تجوز للمحكمة الإدارية العليا إعادة النظر فيها، وهي تؤكد أن مصر مارست حقوق السيادة بشكل ثابت ومستمر على جزيرتي تيران وصنافير. وإذا قبلت المحكمة الإدارية العليا بخروج الاتفاقية عن اختصاص القضاء الإداري لكونها “من أعمال السيادة” فإن الأمر يعود إلى صاحب السيادة الأصلي، وهو الشعب المصري، حيث تنص المادة 4 من الدستور الحالي على أن “السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات”.

ومن ثم، فحتى في حالة إبطال الحكم التاريخي لمحكمة القضاء الإداري، سواء بحجة “أعمال السيادة”، أو بزعم وقوع الحكم في أي خطأ قانوني، يتعين أن نناضل بكل قوة من أجل إبطال الاتفاقية المعيبة ومحاكمة المسؤولين عن إبرامها، والإصرار في حالة الإخفاق في إبطالها، وكحد أدنى، على استفتاء الشعب في أمرها استنادًا إلى الفقرة الثانية من المادة ١٥١ من الدستور. ولا بد أيضًا في هذه الحالة من الإصرار على نشر الاتفاقية وأعمالها التحضيرية، لكي يقف الشعب المصري على حقيقة ما حدث في هذا الملف المصيري. ولا بد كذلك من الاستناد إلى الحكم التاريخي لمحكمة القضاء الإداري، الذي ستظل الوقائع التي أثبتها عنوانًا للحقيقة في جميع الأحوال، في عدم ترك جريمة نظام السيسي هذه تمر مر الكرام.

سلامٌ على تيران!

اعلان
 
 
عمر الشافعي