Define your generation here. Generation What

مغزى حكم القضاء في “تيران وصنافير” (1)

يستحق حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير صفة “الحكم التاريخي“ بامتياز، وذلك رغم عدم ميل كاتب هذه السطور للتوسع في إطلاق صفة التاريخية على اﻷمور، بل أزعم أن صفة “التاريخية” ستظل ملازمة لهذا الحكم، وسيظل له عظيم الأثر حتى لو حدث أن أبطلته لاحقًا المحكمة الإدارية العليا، وهو أمر وارد جدًا.

ولكي نفهم مغزى الحكم، دعونا نتناول الأمر على هيئة نقاط محدَّدة نعرض فيها تطورات الأحداث وسير القضية والاحتمالات المستقبلية في ظل مختلف السيناريوهات الممكنة.

1) في ٩ أبريل الماضي، صدر بيان رسمي لمجلس الوزراء المصري يُعلن عن اتفاق بين مصر والسعودية على تعيين الحدود البحرية بينهما يقضي بتبعية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. وجاء في هذا البيان أن هذا “الإنجاز” جاء “بعد عمل شاق وطويل استغرق أكثر من 6 سنوات، انعقدت خلالها إحدى عشرة جولة لاجتماعات لجنة تعيين الحدود البحرية بين البلدين”، مضيفًا أن اللجنة المذكورة اعتمدت في عملها “على قرار رئيس الجمهورية رقم 27 لعام 1990 بتحديد نقاط الأساس المصرية لقياس البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية مصر العربية، والذي تم إخطار الأمم المتحدة به في 2 مايو 1990، وكذلك على الخطابات المتبادلة بين الدولتين خلال نفس العام بالإضافة إلى المرسوم الملكي الصادر في 2010 بتحديد نقاط الأساس في ذات الشأن للمملكة العربية السعودية”. وبعد تأكيد البيان أن “الفنيين من أعضاء اللجنة قد استخدموا أحدث الأساليب العلمية لتدقيق النقاط وحساب المسافات للانتهاء من رسم خط المنتصف بين البلدين بأقصى درجات الدقة”، زف إلينا بعدها النبأ الهام، وهو أن الرسم الفني لخط الحدود أسفر “عن وقوع جزيرتيّ صنافير وتيران داخل المياه الإقليمية للمملكة العربية السعودية”.

[ليسمح لي القارئ الكريم باستطراد أقول فيه إن كاتب هذه السطور علّق على الأمر وقتها في مقال نُشر في “مدى مصر“ في ٢٧ أبريل بعنوان “السيادة قبل تعيين الحدود: ملاحظة قانونية شكلية بشأن تيران وصنافير“ ، وأستأذن في إيجاز ملاحظة قانونية أبرزها المقال نظرًا لما سيتضح لاحقًا من صلتها ببعض حيثيات الحكم. جاء في المقال: “إذا افترضنا صدق ودقة البيان الرسمي للحكومة المصرية، يكون البت في قضية السيادة على جزيرتي تيران وصنافير قد جاء نتيجة للعملية الفنية المتمثلة في تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية. وهذا لو صح، فإنه يمثل انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الثابتة المعمول بها في هذا الشأن“. وأوضح المقال أن “القانون الدولي ذا الصلة ينص بشكل واضح وراسخ على أنه حينما يجري النظر في منازعات حدودية بحرية بين دولتين متقابلتين (أي تقعان على طرفي ممر بحري مثل مصر والسعودية) أو متلاصقتين، فإنه يتعين الفصل أولًا في مسألة السيادة على ما قد يتضمنه هذا الممر البحري من جزر أو أرخبيلات أو ما شابه، قبل الانتقال إلى المسألة الفنية المتمثلة في تعيين الحدود البحرية. وهذه الأسبقية لحسم قضية السيادة على الجزر على تعيين الحدود البحرية هي أمر منطقي يتعلق بطبيعة مفهوم السيادة ذاته، كمفهوم قانوني له أبعاد سياسية وتاريخية بالأساس، كما أن مسألة السيادة على الجزر تترتب عليها نتائج، لن ندخل هنا في تفاصيلها، بشأن نقاط وخطوط الأساس التي يُستند إليها في تعيين الحدود البحرية“.]

2) قام عدد من المحامين، من بينهم خالد علي ومالك عدلي – المحبوس حاليًا بتهمة محاولة قلب نظام الحكم – برفع دعويين أمام محكمة القضاء الإداري تطالبان بإبطال إبرام اتفاق تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية الذي أسفر عن التنازل عن الجزيرتين. واستندت الدعوى الأولى (رقم 43709 لسنة 70 ق) إلى أن التنازل عن الجزيرتين “يعد عملًا إداريًا يجوز مخاصمته بدعوى الإلغاء وأنه يخالف نص المادة 151 من الدستور كما يخالف اتفاقية ترسيم الحدود التي أبرمت عام 1906 وأن الجزيرتين جزء من إقليم الدولة المصرية وخاضعتين لسيادتها التي مارستها عليها وفقًا للقرارات الصادرة من الحكومة المصرية“. أما الدعوى الثانية (رقم 43866 لسنة 70 ق)، فقد طالبت بـ”وقف تنفيذ وإلغاء قرار جهة الإدارة السلبي بالامتناع عن وقف أي عمل من أعمال إخلاء جزيرتي تيران وصنافير أو يتعلق بتسليم الجزيرتين إلى المملكة العربية السعودية مع ما يترتب على ذلك من آثار، وأخصها استمرار مصر في ممارسة حقوق السيادة كافة على الجزيرتين”.

3) نظرت الدائرة الأولى في محكمة القضاء الإداري، برئاسة المستشار يحيى دكروري وعضوية المستشارين عبد المجيد المقنن وسامى درويش، الدعويين في جلسة واحدة بتاريخ ١٧ مايو ٢٠١٦، وفي الحالتين دفع الحاضرون عن الدولة بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى لتعلقها بعمل من أعمال السيادة، وبعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري (أي لكون موضوع الدعوى اتفاقية دولية وليس قرارًا إداريًا). كما دفع ممثلو الحكومة احتياطيًا بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى احتراما لمبدأ الفصل بين السلطات واختصاص مجلس النواب بها عملًا بنص المادة 151 من الدستور.

4) قررت محكمة القضاء الإداري ضم الدعويين للارتباط، بحيث يصدر فيهما حكم واحد، كما كلفت المحكمة “جهة الإدارة بتقديم الاتفاقية محل النزاع والكتب والمراسلات والمحاضر والقرارات المرتبطة بها وبيان الإجراءات التي اتخذت في شأنها وأجلت الدعويين لجلسة 7/6/2016 على أن تقدم هيئة مفوضي الدولة تقريرًا برأيها القانوني“.

5) جاء في حيثيات الحكم الصادر عن المحكمة أن هيئة مفوضي الدولة قامت بتحضير الدعوى و”كلفت جهة الإدارة بتقديم المستندات التي كلفتها بها المحكمة بجلسة 17/5/2016 وأجلت نظر الدعوى لأكثر من جلسة وأعذرت جهة الإدارة بالغرامة لعدم تقديم المستندات المطلوبة، كما وقعت عليها الغرامة، كما أعذرت جهة الإدارة بأنها ستبدى رأيها في ضوء المستندات المقدمة من الخصوم في ضوء امتناع جهة الإدارة عن تقديم المستندات، ولكن جهة الإدارة امتنعت عن تقديم الاتفاقية والمستندات المطلوبة. وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا برأيها القانوني في الدعويين“. وجدير بالذكر هنا أن المحكمة أبدت انزعاجها الشديد إزاء امتناع الحكومة عن تقديم نص الاتفاقية، بل ووبّخت الحكومة توبيخًا شديدًا، حيث جاء في حيثيات الحكم: “إن دفع جهة الإدارة المُدعَّى عليها في ردها على الدعويين بعدم اختصاص المحكمة بنظرهما إنما ينطوي على إقرار من جانبها بأن الحكومة المصرية وقعت اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية في أبريل 2016 تضمن تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية وعلى الرغم من ذلك قعدت جهة الإدارة عن تقديم هذه الاتفاقية للمحكمة طوال مراحل نظر الدعوى على الرغم من تكليفها بذلك من قبل المحكمة ومن بعدها هيئة مفوضي الدولة لدى تحضير الدعوى، وهو موقف غير مبرر ولا سند له“ [التشديد من عندنا].

6) كان على المحكمة قبل النظر في الدعوى من حيث الموضوع، أن تبت في مدى مقبوليتها من حيث الشكل، أي أن تبت في دفع جهة الإدارة بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى لتعلقها بعمل من أعمال السيادة. وقبل تناول مسألة أعمال السيادة هذه بالتحليل، اختارت المحكمة في حيثيات حكمها، وتوخيًا للدقة والشفافية والإفصاح، تعريف العمل أو القرار الإداري الذي تختص بمراقبته، مقارنةً إياه بالاتفاقيات أو المعاهدات. وأوضحت المحكمة أن العمل أو القرار الإداري هو بحسب التعريف المشهور المعمول به في المحكمة “إفصاح جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة وفقًا لأحكام القوانين واللوائح بقصد إحداث أثر قانوني، ومن بين ما يميز القرار الإداري عن أعمال الإدارة الأخرى أنه يصدر بإرادة منفردة من جهة الإدارة، أما الاتفاقية الدولية أو المعاهدة فهي عمل قانوني تبرمه السلطة التنفيذية مع دولة أخرى أو منظمة دولية من أشخاص القانون الدولي، وما يميز إبرام المعاهدة أو الاتفاقية الدولية عن القرار الإداري أنها عمل قانوني لا يتم بالإرادة المنفردة للسلطة التنفيذية، فهي تغاير في طبيعتها القرارات الإدارية ولا تختلط بها”. أي أن المحكمة ميَّزت بين العمل أو القرار الإداري الذي هو “إرادة منفردة من جهة الإدارة” والمعاهدة أو الاتفاقية الدولية التي هي “عمل قانوني لا يتم بالإرادة المنفردة للسلطة التنفيذية”. ما الذي فعلته المحكمة هنا؟ قالت إنها غير مختصة بالنظر في الاتفاقية من حيث هي اتفاقية. لكن اختصاصها منعقد بشأن قرار الإدارة المصرية إبرام الاتفاقية، الذي هو عمل صادر عن الإرادة المنفردة لجهة الإدارة. وبالتالي أعادت المحكمة تكييف الدعوى (أو الدعويين اللتين دمجتهما المحكمة بسبب وحدة الموضوع كما أسلفنا) وهذا من حقها قانونًا، مؤكدة أن مطلب الدعوى هو بطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على الاتفاقية، وليس بطلان الاتفاقية في حد ذاتها. ولعلنا نضيف هنا أن محكمة القضاء الإداري كانت على مدار السنوات الأخيرة قد هدمت العرف المتوارث الذي يعتبر جميع علاقات مصر الخارجية ضمن أعمال السيادة التي يمتنع على القضاء مراقبة مشروعيتها، كما يشير إلى ذلك تناول محمد بصل الممتاز للموضوع في مقاله بجريدة الشروق “الدائرة الأولى في القضاء الإداري تقود ثورة في نظرية «أعمال السيادة»). فقد أصبح موضوع الاتفاقية الدولية في حد ذاته هو ما يحدد ما إذا كانت الاتفاقية تندرج ضمن أعمال السيادة أم لا. وأكدت المحكمة في حيثياتها في الحكم الذي نتناوله هنا أنها “لم تقض في جميع الدعاوى الخاصة بالاتفاقيات الدولية بعدم اختصاصها ولائيًا بنظرها“، وضربت مثلًا على ذلك، وهو قضاء المحكمة بإحالة نص في الاتفاق الأوربي المتوسطي لتأسيس مشاركة بين حكومة جمهورية مصر العربية والجماعات الأوربية، والذي صارت له قوة القانون، إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية ما تضمنه من إبرام اتفاقيات لإعادة توطين مواطني دولة ثالثة في مصر، وذلك في حكمها الصادر بتاريخ ٢٨ مايو ٢٠١٣.

7) انتقلت الحيثيات بعد ذلك إلى مربط الفرس، وهو طبيعة أعمال السيادة التي لا يجوز للقضاء الإداري، والقضاء عموماً، مراقبتها، وفي هذه النقطة تحديدًا يتجلى الطابع التاريخي للحكم، فقد أوضحت المحكمة في بداية تناولها لهذه المسألة أنه “طبقًا لما قضت به المحكمة الإدارية العليا فإن أعمال السيادة ليست نظرية جامدة وإنما تتسم بالمرونة وتتناسب عكسيًا مع الحرية والديمقراطية، فيتسع نطاقها في النظم الديكتاتورية ويضيق كلما ارتقت الدولة في مدراج الديمقراطية (حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 13846 لسنة 59 ق في جلسة 21/4/2013)“، وأضافت المحكمة في حيثياتها أن “الدستور الحالي حظر في المادة 97 منه تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، ومن ثم فالأصل هو اختصاص القضاء بنظر جميع الطعون التي توجه ضد أي عمل أو قرار يصدر عن جهة الإدارة، ولا يخرج عن رقابته إلا ما يَصدُق عليه من هذه الأعمال أو القرارات أنه من أعمال السيادة وذلك التزامًا لنص المادة 17 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 والمادة 11 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972“. وهنا لاحظتْ الحيثيات على الفور أن “نصوص هذين القانونين قد خلت من تحديد جامع مانع لما سمي بأعمال السيادة أو الضوابط والعناصر التي يستدل بها عليها، ومن ثم كان علي القضاء وحده، فيما يصدره من أحكام ويقرره من مبادئ، في كل حالة علي حدة، تحديد ما يدخل من الأعمال أو القرارات ضمن هذه الأعمال وما يخرج عنها، أخذًا بعين الاعتبار أن عدم اختصاص القضاء بنظر هذه الأعمال أو القرارات هو محض استثناء من الحظر المشار إليه بنص المادة 97 من الدستور، وأن الأصل في تفسير النصوص أن الاستثناء لا يقاس عليه ولا يُتوسع في تفسيره“. وبذلك وضعت المحكمة الأساس ومهدت الطريق لقيامها بتفسير “أعمال السيادة“ تفسيرًا يضيِّق منها، وبالتالي يوسِّع من دائرة الرقابة القضائية على أعمال السلطة التنفيذية. وانطلاقًا من هذا الشرح الوافي، عرَّفت المحكمة أعمال السيادة بأنها “هي تلك الأعمال التي تباشرها الحكومة باعتبارها سلطة حكم في نطاق وظيفتها السياسية، وأن عدم امتداد الرقابة القضائية إليها التزامًا بنص المادتين سالفتي الذكر ليس مرده أن هذه الأعمال فوق الدستور والقانون وإنما لأن ضوابط ومعايير الفصل في مشروعيتها لا تتهيأ للقضاء، بالإضافة إلي عدم ملائمة طرح هذه المسائل علنًا في ساحات القضاء“. وأوضحت المحكمة أن موضوع الدعوى المرفوعة أمامها “مسألة قانونية خالصة تدور حول صحيح تطبيق نص المادة 151 من الدستور ومدي مشروعية التوقيع علي الاتفاق المطعون عليه بما يتضمنه من التنازل عن الجزيرتين المذكورتين في ضوء النصوص القانونية واللائحية والاتفاقيات التي تَحكُم وضعهما والظروف التاريخية والواقعية المحيطة بهما علي ما سيرد تفصيله، ولا شك أن ما يتعلق بأرض الوطن والسيادة الثابتة عليه هو شأن كل مواطن في مصر، والشعب وحده هو صاحب السيادة، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات ويصون وحدته الوطنية طبقاً لنص المادة 4 من الدستور“. بيد أن المحكمة كشفت عن رغبة أبعد في الإقناع، فراحت تخاطب ضمنًا أنصار توسيع نطاق “أعمال السيادة“، مشيرة إلى أنه حتى لو جاز أن تمتد تلك الأعمال لتشمل أمورًا قانونية وليست سياسية بحتة، فإنه “حتى يمكن لجهة الإدارة التمسك بنظرية أعمال السيادة لمنع القضاء من نظر عمل من أعمالها، فان أول شروط إعمال تلك النظرية هو أن يكون العمل القانوني داخلًا في اختصاصها، وأن يكون مستوفيًا للاشتراطات التي يقررها الدستور ومتجنبًا المحظورات التي يفرضها، فإذا ثبت أنها غير مختصة به أو أن جهة الإدارة أهدرت الشروط التي يقررها الدستور أو وقعت في الحظر الذي يفرضه، فلا يجوز لها أن تستتر خلف ستر أعمال السيادة لمنع القضاء من بسط رقابة المشروعية على عملها“. وهذا يعني أنه بات يتعين على المحكمة، بحكم موضوع الدعوى، أن تنظرها من حيث الموضوع لكي تبت في ما إذا كان مقدمو الدعوى محقين في ادعائهم أن الحكومة قد أهدرت على نحو لا سند له سيادة مصر على الجزيرتين، وهو الأمر الذي، إن ثبت، لا يجوز بحال من الأحوال اعتباره من “أعمال السيادة“. وقد أحسن المستشار الجليل طارق البشري في تعليقه على الحكم التعبير عما قصدته المحكمة هنا حينما تساءل محقًا: “كيف يكون التنازل عن سيادة مصر على جزء من أراضيها من أعمال السيادة؟ وكيف تدفع الدولة بسيادة إجراء يجرّدُ مصر من سيادتها على جزء من أراضيها؟ وكيف توجه الحكومة سيادتها ضد القضاء المصري في موضوع يتعلق بإجراء اتخذته يتضمن التخلي عن سيادتها؟“

8) على أساس ما سبق، رفضت المحكمة دفع جهة الإدارة بعدم الاختصاص. أما بشأن الدفع الاحتياطي لممثل الحكومة بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى احترامًا لمبدأ الفصل بين السلطات واختصاص مجلس النواب بها عملًا بنص المادة 151 من الدستور، فقد فندته المحكمة بيُسر، بتأكيدها أن “إبرام المعاهدات الدولية من اختصاص السلطة التنفيذية وهى التي توقع عليها. واختصاص مجلس النواب بالموافقة على المعاهدات – في الحالات التي يجوز له ذلك طبقاً للدستور – تال لمرحلة التوقيع عليها، ولا يختلط اختصاص كل سلطة، وعرضُ جهة الإدارة لعملها على البرلمان أو عدم عرضه لا أثر له في مباشرة محاكم مجلس الدولة لرقابة المشروعية على أعمال الإدارة ولا يحجب اختصاص محاكم مجلس الدولة عن نظر هاتين الدعويين، ومن ثم فإن الدفع المُبدَى بعدم اختصاص المحكمة ولائيًا بنظر الدعوى استنادًا إلى الأساسين المشار إليهما يكون غير صحيح ويتعين الحكم برفضه والقضاء باختصاص المحكمة بنظر الدعوى”.

بعد ذلك انتقلت المحكمة للفصل في الدعوى من حيث الموضوع. وسنوجز في الجزء الثاني من هذا المقال الحيثيات المتصلة بالفصل في مضمون الدعوى في الجوانب الأربعة التالية: أ) ما ينص عليه الدستور المصري بشأن إقليم الدولة وسيادتها عليه؛ ب) معايير السيادة على الإقليم؛ ج) العلاقة بين مسألة السيادة على الجزر وتعيين الحدود البحرية؛ د) الوثائق المتعلقة بتبعية جزيرتي تيران وصنافير. ثم سنعرض الحكم الذي انتهت إليه المحكمة، لننتقل بعدها إلى السؤال: ماذا بعد؟

اعلان
 
 
عمر الشافعي