Define your generation here. Generation What

عن الفساد الموجود قبل “دراسة جنينة”

عكفت في الأيام السابقة على قراءة دراسة الجهاز المركزي للمحاسبات حول تكلفة الفساد في مصر خلال الفترة 2012-2015، والشهير بـ”تقرير جنينة”، والذى يعاقب بسببه حاليا المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز السابق الخاضع للمحاكمة في تهم ترتبط بالمبالغة في تقدير حجم الفساد.

التقرير الذي أتى في نحو 350 صفحة -وعلى الرغم من تسميته بالدراسة- لم يتعد سرد وقائع بأرقام بلاغات وسجلات حول “معاملات وتصرفات شابها الفساد”، وفى كل معاملة من هذه المعاملات يرصد التقرير رقما تقديريا دون تفاصيل حول التكلفة التى تحملتها الدولة في هذه الواقعة أو تلك.

من الصعب الاعتماد على هذا السرد غير التفصيلى للتأكد من صحة الأرقام ووضع تقدير دقيق لتكلفة الفساد فى مصر، ولكن الأهم هو أن التقرير -على ضعف منهجيته-  فتح بابا للنقاش حول طبيعة الحوكمة في مصر، وما إذا كانت لدى الدولة بالفعل آليات واضحة لتقدير حجم الفساد ومقاومته.

الجهاز المركزي للمحاسبات جهاز “محاسبي”، يتناول فقط الفساد في تقدير المخصصات والأموال في الجهات الواقعة تحت رقابته. وبذلك فليس من سلطاته سن القوانين، بل تطبيقها والرجوع لها محاسبيا. كما أنه ليس من سلطاته الرقابة على فعالية الإنفاق العام والتصرف فى الأموال العامة من ناحية العائد التنموى المترتب عليها من عدمه. كما أنه لا يتمكن من تناول الخلل في تحصيل الضرائب، أهم موارد الدولة المهدرة.

من ناحية أخرى، فلا توجد منظومة تشريعية ومعيارية واضحة حتى يومنا هذا لرصد الفساد- أيا كان مفهومه- ومقاومته فى مصر، وهو ما يجعل اتهام التقرير بالمبالغة واتهام المستشار جنينة بالتهمة نفسها أمرا غير مقنع. فلو اتهم الرجل بالكذب فأين الحقيقة؟! في حال عدم الإعلان عنها بوقائع ثابتة وتقديرات مقبولة تخضع لقوانين رقابية عادلة وشفافة فلا توجد هناك حقيقة، ومن ثم ليس من العدل اتهام أي شخص بالكذب مقابلها عبر المبالغة أو التهوين.

كانت هذه مقدمة ضرورية للبدء في تحليل ما ورد بالتقرير حول وقائع وبلاغات الفساد فى مصر فى الفترة المذكورة أعلاه، حيث يتناول هذا المقال العمق الأبعد لوقائع الفساد المذكورة فى التقرير.

تناول التقرير فى جزئه الأول الفساد فى الهيئات الاقتصادية والخدمية، وعلى الأخص هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وذكر التقرير مخالفات شابت تخصيص الأراضي والمزادات عليها، والتعامل فيها، لعل أبرزها المخالفات التى شابت التخصيص لشركة أوراسكوم فى مشروع الإسكان الاجتماعى، والتى تلفت النظر لفروق حسابات الدعم على الوحدة وتكلفة ترفيق الأراضي. وبعيداً عن الفساد، فإن منظومة دعم الإسكان التعاوني بطييعتها تميل لدعم المقاولين والمستثمرين أكثر من المستفيدين. ويجدر بالذكر هنا أن الهيئة التي تلتهم موازنة ضخمة، هي هيئة اقتصادية لا تحول فائض مواردها للخزانة العامة للدولة إلا بأقل من 1% من الإنفاق العام، ولا تدفع ضرائب دخل، كما هو الحال فى هيئتي البترول وقناة السويس وبعض الهيئات الاقتصادية الأخرى والجهات المماثلة لها.

لافت للنظر كذلك إشارة التقرير إلى قيام بعض أعضاء شركة 6 أكتوبر بتغيير نشاط أراضٍ خصصت لهم، دون الرجوع للهيئة، وتوضيح أن هذا مخالف للائحة الهيئة نفسها، وإن لم يوضح التقرير كيفية حساب مبلغ الخسارة أو التكلفة على الدولة، إلا أنه أوضح بشكل يهمنى إبرازه للقارئ أن هذه المخالفة المتمثلة فى مخالفات تأخير استغلال الأراضى وتغيير نشاطها، والتي أصبحت ممارسة معتادة، لم يكن يمكن لها أن تتم دون صمت من قبل هيئة المجتمعات العمرانية وقطاعات الدولة المختصة، فما ثمن الصمت؟ وهل يرتبط بغياب آليات الرقابة فى هيئات يحصل موظفوها على رواتب تبلغ خمسة بل فى أحيان عشرة أضعاف رواتب العاملين فى قطاعات التعليم والصحة؟

يمر التقرير على الحجم الكبير لفساد أجهزة المدن، ومن المهم لفت نظر القارئ الكريم إلى عدم خضوع أجهزة المدن رقابياً وتنفيذياً للمحافظات والإدارات المحلية، وتأخير فوائض خزانتها عن خزينة الدولة، وكأن تخصيص الأراضي والمدن الجديدة أصبح عالما اقتصاديا وإداريا موازيا للعمران القائم بأدواته المالية والرقابية، وهو أساس أهم مشكلات هذه المدن!

الإشارة الخطيرة التالية فى التقرير تتعلق بقطاع البترول وحساباته المعقدة، والتي يمكن من خلالها استنتاج أن شركة مثل إيجاس تستغل الهيئة وبنيتها التحتية ومعاملها فى المعالجة دون وجود إطار واضح لحسابات التكلفة والمنافع المالية بينهما. “البيزنس” الخطير الصغير التالى فى قطاع البترول أشار له التقرير بالسماح لمديرى المناطق بالشحن بكميات تزيد عن مخصصات التعاقد كثيراً، والانخفاض فى التأمينات النقدية المتحصلة من المتعهدين في شركات البترول.

يتناول التقرير أيضا قطاع الصحة، وما يهم القارئ، بعد ما يعرفه عن فساد في منظومة العلاج على نفقة الدولة، هو إشارة التقرير لتنفيذ المشروعات الاستثمارية ومدى وجود فساد فيها. ففى واقعة وردت في التقرير مثلا “تم إسناد تجهيزات مستشفى الخليفة العام بمبلغ 11 مليون جنيه -لم يذكر التقرير سنة التخصيص- وصرف دفعة مقدمة بمبلغ 4.5 مليون جنيه منذ عام 2008 على الرغم من أن المستشفى آيل للسقوط وعدم تنفيذ أية أعمال حتى الآن”. وفي مثال آخر “ضياع مبلغ 26 مليون جنيه قيمة الأعمال الإنشائية لمستشفى السويس العام وإنهاء التعاقد مع المقاول المتقاعس بعد مرور سبع سنوات بحجة عدم حاجة المنطقة لمستشفى عام”! يشير التقرير أيضا إلى جانب آخر من الفساد يتمثل في استخدام أكثر من 98% من حصيلة صندوق تحسين الخدمة ودعم البحوث المشتركة بالمخالفة للقرار الجمهوري المختص، فضلا عن هدر المال العام -وفق وجهة نظر التقرير- نتيجة عدم الاستفادة من منشآت صحية جديدة لمدد تعدت الثماني سنوات.

التقرير ليس متماسك المنهجية أو السرد، كما أشارت كثير من التعليقات، وليس من السهل استخلاص تكلفة الفساد من خلاله، إلا أن التمحيص في “حواديته” وما يطرحه من قضايا شديد الأهمية، وشديد الارتباط بالخلل المعروف فى إدارة الدولة، والمتمثل فى غياب الشفافية في العقود التى تبرمها الدولة وهيئاتها، وعلى الأخص من خلال هيئاتها الاقتصادية، مع عمل تلك الهيئات الاقتصادية كوكيل خاص غير ملزم بالشفافية فى إدارة أهم موارد الدولة ونقاط عجزها عن خدمة المواطن، وهى الطاقة والأراضي؛ بما خلق واقع ماليا واقتصاديا منبت الصلة عن واقع مؤلم يعيشه المواطن فى العشوائيات والبناء على الأرض الزراعية وارتفاع أسعار الطاقة الذى يتحمله دون انعكاس مباشر على تحسين الخدمات.

من ناحية أخرى يبرز التقرير قضايا تخطيطية هامة تعكس بوضوح أهمية تفعيل دور المجالس الشعبية المحلية فى التخطيط ووضع الموازنة العامة للدولة، والرقابة على تنفيذ المشروعات الاستثمارية المرتبطة بخطط التنمية، وأهمية مراجعة حالة الانفصال بين التخطيط لمشروعات الخطة والتخطيط لتشغيل تلك المشروعات. فربما لم يتم هدر الموارد فى مشروعات لم يتم تشغيلها عن قصد وإنما لأن طاقة وقدرة الدولة على تشغيلها لم تكن متماشية مع قدرتها على إنشائها، فلم توفر الأطباء والمعدات للوحدات الصحية “المعطلة” وهو ما يطلق عليه capacity to operate public investment projects أو القدرة على تشغيل مشروعات الاستثمارات العامة.

التقرير ربما لا يساعد على مناقشة تكلفة الفساد بقدر ما يفتح أبواباً لفهم طبيعة إدارة الدولة من خلال الجهاز البيروقراطى، ويستوجب العمل على غلق أبواب الفساد وليس تضييع الوقت فى تكذيب أية أرقام، فأياً كانت التكلفة فهناك وقائع ونظام عمل من السهل بل من المتوقع أن ينتج وقائع مماثلة جديدة.

اعلان
 
 
ريم عبد الحليم