Define your generation here. Generation What

كهنوت الفتوى

كثيرًا ما نتفاخر، نحن المسلمين، بأن لا كهنوت في ديننا، أي لا واسطة، مثل الكاهن، بين الفرد المسلم وبين الله، وبالتالي لا شخص أو جماعة لديه سلطة التحريم والتحليل باسم الله في الأرض، كما في السماء، ومن ثم –ثالثًا – فليس في اﻹسلام شخص أو جماعة اختصها الله بأسراره المقدسة، فتعلم ما لا يعلمه غيرها من عموم المسلمين، فتمنح البركة أو تمنعها.

لكن كثيرًا من هؤلاء المتفاخرين من المسلمين يجهلون أو يتجاهلون أن تاريخ الإسلام شهد نزوعًا قويًا لفريق لا يستهان به من الفقهاء إلى إقامة سلطة كهنوتية، يمارسونها على إخوانهم في الدين عن طريق الفتوى، وأن هذا الكهنوت المستحدث في الإسلام ظل يسير باطِّراد في طريق التشدد، ولو دون سند من صحيح الدين، ومن ثم فهذا الكهنوت “الإسلامي” اختار لنفسه سلطة العقد “أو التعقيد إذا أردنا أن نكون أكثر دقة”، دون أن يقرنها بسلطة ” الحل” أو الغفران التي اختص بها كهنة الأديان السابقة على الإسلام أنفسهم.

لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن أغلب من تصدوا لكهنوت الفقهاء كانوا أيضًا فقهاء وعلماء دين، إلا أن هؤلاء كانوا دائمًا ولا يزالون أقلية، ومنهم من طُعن في عقيدته ولُعن ورُمي بالكفر.

مثلًا أفزعني، وأنا في السابعة عشر من العمر، أن أقرأ في عدد وقع بين يدي بالصدفة من مجلة قديمة كانت تصدر في أوائل القرن الماضي باسم “الإسلام”، لمؤسسها ورئيس تحريرها أمين عبد الرحمن، أن الإمام محمد عبده يتقلب الآن في نار جهنم لأنه أفتى مسلمي “الترانسفال” بجواز أكل ذبيحة النصارى، والترانسفال هي الآن أحد أقاليم جمهورية جنوب أفريقيا. وجاء هذا المقال، أو الفتوى بخلود محمد عبده في النار، ردًا على سؤال لقارئ مصري مسلم حول جواز تناول اللحوم على مائدة صديق مصري قبطي يتعامل مع جزار قبطي مثله، استنادًا إلى فتوى الشيخ محمد عبده لمسلمي الترانسفال.

ولم يكتف بذلك المفتي الذي أدخل “عبده” جهنم في رده، بل رمى الشيخ عبده أو كاد يرميه بالكفر لأنه مات ولم يحج لبيت الله الحرام، رغم كثرة أسفاره إلى خارج مصر، ورغم أنه كان يستطيع السبيل إلى الحج من الناحيتين الصحية والمالية.

أقول أفزعني ذلك المقال أو تلك الفتوى، رغم أنني في تلك السن الصغيرة نسبيًا لم أكن أملك القدرة المعرفية لإثبات فسادها، ولكني لم أستسغ قط أن يُتهم محمد عبده أو غيره بالكفر، لمجرد اجتهاده في إصدار فتوى، وأن يتلذذ من يتهمه بذلك، بأن يقرر أن عبده “يتقلب الآن في نار جهنم”.

فيما بعد فهمت السياق التاريخي والفكري للمعركة بين الإمام محمد عبده ومدرسته في التجديد والاجتهاد، وبين مدرسة الجمود والتشدد التي تفوّض نفسها وصية على اﻹسلام والمسلمين، وتتسلط عليهم بإنذارات الويل والثبور وبالفتاوى المرعبة، ومنها مثلًا تحريم ارتداء النعال السوداء، لأن النبي كان لا يرتدي إلا النعال الصفراء، وتحريم لبس البنطلونات لأنها تشبه بالنصارى، وغير ذلك كثير. وفهمت بالتالي لماذا تجاهل الفقيه، الذي اتهم محمد عبده بالكفر لأنه مات دون أن يحج بيت الله، قول الإمام الشافعي إن الحج فريضة على التراخي، أي لا يكفَّر من فاجأه الموت دون تأدية فريضة الحج رغم مقدرته، ما دام أنه كان يعتزم أداء الفريضة في ظروف أفضل، إذ أن تجاهل قول الشافعي يخدم قضية التشدد والجمود والتسلط الكهنوتي ضد الاجتهاد والتجديد.

خلّفت لديّ هذه القصة في تلك الفترة المبكرة من العمر اهتمامًا بمتابعة المعركة بين التجديد والجمود في الفقه الإسلامي من خلال الفتاوى، لأكتشف، مع التوغل في دراسة التاريخ وعلوم النفس والاجتماع والسياسة والفكر الديني، النزوع المشار إليه في السطور السابقة، من جانب أغلبية الفقهاء المسلمين بعد عصر الأئمة المؤسسين، لتأسيس سلطة كهنوتية، ولأكتشف في الوقت ذاته أن أفضل من يهدم هذا الكهنوت هم الفقهاء المجددون، وليس المفكرون “التنويريون” الذين يعرضون بضاعتهم في غير سوقها.

سنعرض الآن أمثلة محددة من ذلك الكهنوت الفقهي، ترينا كيف أثبت فقهاء مجددون أن أولئك “الكهنة” حرّموا ما لم يحرمه الله، وصايةً منهم على سائر المسلمين، وادعاءً لحماية دين الله باسم سد الذرائع.

المثال الأول يختص بأحكام الصوم في شهر رمضان، فالمشهور هو أن من لا يصوم ولو يومًا واحدًا من دون عذر شرعي من سفر أو مرض أو جهاد في معركة عليه إطعام ستين مسكينًا، أو صوم شهرين متتابعين عن هذا اليوم، أي أن من يفطر رمضان كله من دون سفر أو مرض عليه إطعام 1800 مسكينًا، أو صوم 1800 يومًا، أي أكثر من خمس سنوات بلا انقطاع، علمًا بأن المريض الذي يحل له إطعام مسكين واحد عن كل يوم أفطره في رمضان هو ذلك المريض الذي لا يُرجى شفاءه طبقًا لهذا الرأي السائد بين الفقهاء، كما اتفق هؤلاء على أن الآية التي أباحت الفطر للقادرين على الصيام بمشقة نسختها أية أخرى.

فهل هذا حقًا هو حكم الدين، أم أن المسألة كلها تعبير عن نزعة تشدد، وتفضيل التعسير على التيسير؟

أثبت شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق علي جاد الحق في مقال له بصحيفة “أخبار اليوم”، أن كل تلك الأقوال هراء في هراء، وقال إن الكفارة بإطعام ستين مسكينًا أو صوم شهرين متتابعين عن إفطار يوم واحد، غير واجبة إلا في حالة واحدة فقط، هي إقامة علاقة زوجية كاملة أثناء الصيام في رمضان، وأن من لا يستطيع الصوم إلا بمشقة يجوز له اﻹفطار، ويطعم عن كل يوم واحد مسكينًا واحدًا فقط، وقال إن الآية التي أباحت ذلك لم تُنسخ، و هذا ما ثبت من أن صحابيًا اسمه قيس بن الساكت لم يكن يستطيع الصوم إلا بمشقة، فكان يفطر و يُطعم عن كل يوم مسكينًا واحدًا.

مثال آخر: المشهور أيضًا أنه يُحرَّم زواج المسلمة من رجل من أهل الكتاب، مسيحيًا كان أو يهوديًا، ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء، ولكن يحل للمسلم أن يتزوج كتابية، مسيحية كانت أو يهودية، إلا أن مجلس الإفتاء الأوروبي (برئاسة الشيخ يوسف القرضاوي) أجاز للمسلمات المهاجرات إلى أوروبا الزواج من مسيحي أو يهودي “شرط أن تتربص به الإسلام” على حد منطوق الفتوى، وصدرت هذه الفتوى في أوائل القرن الحالي.

فمن الذي أعطى لنفسه الحق في حجب هذه “الرخصة” عن المسلمات طوال تلك القرون؟ وإذا لم يكن ذلك كهنوتًا فماذا يكون الكهنوت إذن؟ ولماذا لم تُذع هذه الفتوى على نطاق واسع في بلادنا العربية والإسلامية، واقتصرت إذاعتها على مسلمي أوروبا، في وقت تكاد حروب أهلية مصغرة تندلع عندنا في مصر بسبب علاقة عاطفية أو زوجية بين مسيحية ومسلم، أو بين مسلمة ومسيحي؟

ولأن هذه المقالة، وما سبقها وما سيتلوها في هذه السلسلة، ليست متخصصة في الفقه، ولكنها أقرب إلى ميدان الفكر الديني الاجتماعي، فلن نستطرد في تفاصيل بقية الأمثلة على كهنوت الفتوى، على نحو ما فعلنا في المثالين السابقين، ونكتفي بذكرها إجمالًا.

فقد أثبت الشيخ محمد أبو زهرة مثلا أن صحيح الإسلام لا يوجد فيه رجم للزاني أو الزانية المحصنَيْن، وأن العقوبة التي نص عليها القرآن هي الجلد، وأن الرجم كان اجتهادًا حدث قبل نزول آية الجلد.

كذلك أثبت الشيخ محمد الغزالي حرب أنه لا يوجد في صحيح الدين ما يسمَّى بحد الردة، أي قتل المرتد عن الإسلام إذا لم يعد الى الدين في مدة أقصاها ثلاثة أيام.

وكذلك ظل علماء الدين في مصر وعموم العالم الإسلامي يحرّمون استخدام وسائل منع الحمل الطبية طوال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وها هم الآن يسمحون باستخدامها لزوجاتهم وبناتهم، وكأنها من المسلمات.

صحيح أن التطور جعل من تلك الفتاوى “المتنطعة” السابق ذكرها خزعبلات، تستخدم في المسرحيات والأفلام الكوميدية، ولكن الصحيح أيضًا أن سلالة المتنطعين تأتينا كل يوم بجديد لدعم كهنوتها. وتذكروا ذلك القائل إن المرأة تكون شيطانًا في فترة حيضها، وذلك الذي حرم تهنئة المسيحين بأعيادهم، والثالث الذي دعا الى عدم تجنيد الأقباط في الجيش المصري، والرابع والخامس والسادس ممن يترصدون للكتاب والشعراء والفنانين. لذا كان الحديث السابق كله ضروريًا، علَّنا نساهم في تحرير بعض العقول من هذا الكهنوت الذي ابتدعه من صدَّعوا رؤوسنا بصراخهم أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وهم المبتدعون الضالون، ولكن التشدد يعمي ويصم.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد