Define your generation here. Generation What
الخامس والأربعون من مارس بتوقيت حركة “نوي ديبو”.. توحيد الغضب
 
 

وفقًا لتقويم حركة “نوي ديبو”، كانت الساعة الثالثة والنصف عصرًا في اليوم “الخامس والأربعين من شهر مارس”.

صخب. صياح. طلقات.

كانت شرطة مكافحة الشغب تتحرك. كان الناس يجرون. اكتفى آخرون بالتنحي جانبًا.

أفرغت بعضًا من عصير الليمون على وشاحي وغصت بينهم.

كانت عملية فض محدودة. وكانت المكانس الأوتوماتيكية قد بدأت في تنظيف المكان بالفعل. استؤنفت حركة المرور. رجع الناس. وعادت قوات الأمن المركزي الفرنسية إلى قواعدها حول الميدان.

بدأ التمثال الموجود في ميدان “بلاس دو لا ريبوبليك” يظهر من بين الدخان. لم يكن الغاز المسيل للدموع قويًا. لطالما بدا الغاز المستخدم في مصر أكثر قسوة، لكن قد يكون ذلك بفعل هواء القاهرة. خطر لي أن علينا تنظيم جلسة لتذوق الغاز ومقارنة أنواعه.

جُدد ميدان ريبوبليك في عام 2013. تحول من مسارٍ ملتوٍ إلى ساحة مشاة كبيرة بها أشجار ومقاعد خشبية ونافورة، يتوسطها التمثال وتحيط بها مباني هاوسمانيان. وفي تحول غريب للأحداث، ذكرتني المباني بالقاهرة، عندما وصلت إلى ميدان التحرير لمتابعة ثورة 25 يناير قبل خمس سنوات، وقتها أعادت لي المباني المحيطة ذكرى باريس.

أما اليوم، فقد أصبح ميدان ريبوبليك ساحة جميلة وشاسعة، يملؤها خواؤها بشكل ما، وكأنها فراغ في انتظار أن يملأ، إنه نقطة تجمع مثالية.

شهد الميدان يوم 11 يناير 2015 مظاهرة ضخمة عقب واقعة إطلاق النار على جريدة شارلي ايبدو، والتي أعلنت القاعدة مسؤوليتها عنها. سارت مئات الآلاف من الناس ضد الإرهاب. وفي نوفمبر الماضي تلقت باريس ضربة أخرى، كانت هذه المرة من الدولة الإسلامية. مات نحو 150 شخصًا في الهجمتين. أصبح ميدان ريبوبليك ساحة حداد مغطاة بالشموع والورود والقصائد والرسوم. وكان تمثال ماريان، رمز الجمهورية الفرنسية، في المنتصف بمثابة نصب لتكريم ذكرى من ماتوا.

عندما عدت في ديسمبر الماضي كان الجميع يتحدث عن الهجمات. الجميع كان يتهامس بقصة صديق، أو صديق لصديق، تأثر بها على نحوٍ ما. كانت الشوارع خاوية ليلًا. أصبح ميدان ريبوبليك ساحة حداد، وتمثاله ماريان نصبًا تذكاريًا. كانت باريس جريحة.

شيء ما تغير في الربيع حين بدأت حركة “نوي ديبو” (أي الوقوف ليلًا).

اجتمع الناس في ميدان ريبوبليك، لا ليبدأوا مسيرة بل للاحتجاج. كانوا يشبهون قتلى 13 نوفمبر، شباب من الطبقة الوسطى، رواد المقاهي والمطاعم المجاورة، مثل مسرح باتاكلان حيث وقع إطلاق النار. احتلوا الميدان وتظاهروا في الشوارع وواجهوا الشرطة. أصبحت حركة “نوي ديبو” حديث المدينة الجديد. كانت باريس تستعيد عافيتها.

***

ولدت حركة “نوي ديبو” من قطرة: “قطرة ماء فاض بها الإناء”، مصطلح فرنسي استخدمه المتظاهرون في الميدان لشرح الوضع، القشة التي قصمت ظهر البعير.

هذه “القطرة” كانت مشروع قانون جديد لحقوق العمال قدمته الحكومة الاشتراكية الحالية. كان الغرض منه زيادة مرونة قوانين العمل من خلال تخفيف حماية الموظفين. على سبيل المثال، أن يقتصر التعويض على حالات التسريح من العمل. وأن يحق للشركات التفاوض في العقود المحلية، بحيث تنخفض المعايير القومية المتفق عليها، وينتهي عصر حماية القانون للعمال في بلد النقابات فيه هي الأضعف في أوروبا الغربية.

بدأت المبادرة ليلة 31 مارس. قرر المنظمون أنه لا يوجد سبب وجيه لإنهاء شهر مارس. وكان الغرض احتلال ميدان ريبوبليك وسائر ميادين فرنسا. وقد كانت الاحتجاجات تتكرر مرتين وثلاث مرات أسبوعيًا منذ بداية شهر مارس.

أعطى قانون حقوق العمال إشارة البدء، لكن سخط المتظاهرين شمل الكثير من الأسباب الأخرى أيضًا. كانت الطبقة الوسطى اليسارية التي أفقرتها أزمة مالية دامت عقد تقريبًا مع غياب التمثيل من العناصر الرئيسة في الحراك.

قطع الطلاب الطريق إلى المدارس والجامعات. احتج عمال السكك الحديدية على القوانين الجديدة التي تهدد حقوقهم. كان هناك متظاهرون يساندون المهاجرين، وآخرون يتظاهرون ضد عنف الشرطة. زاد عنف الاشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن المركزي أكثر فأكثر، في ظل حالة طوارئ عقبت هجمات إرهابية، حيث من المفترض أي يكون التظاهر ممنوعًا.

طارد أفراد شرطة بملابس مدنية متظاهرين في جامعة بباريس وضربوهم يوم 17 مارس، بناء على طلب من عميد الجامعة. وبعد أسبوع، يوم 24 مارس، سجل مقطع فيديو يظهر قوات الأمن المركزي تضرب طالب أسود بالمرحلة الثانوية أثناء التظاهرات. ودخل متظاهر شاب في غيبوبة بعد ما رمى شرطي بقنبلة صوت تجاه تظاهرة بدون تصريح يوم 26 مارس. وعلى الناحية الأخرى، أشعل متظاهرون آخرون النار في سيارة شرطة يوم 18 مايو، على مسافة من مظاهرة في ميدان ريبوبليك ضد “كراهية الشرطة”، نظمتها نقابة للشرطة من تيار اليمين.

وعن مسيرة 45 مارس يقول عبد الله ترارور: “عندما وصلنا ميدان ريبوبليك كنا نحو 5000 متظاهر. كانت قوات الأمن المركزي قريبة مننا للغاية. لم نستطع التحرك ولا التظاهر. ثم بدأ البعض يهتف قائلًا ’الجميع يكره الشرطة‘ عمّرت قوات الأمن أسلحتها وغمرت الميدان بالغاز المسيل للدموع. حدث الأمر بسرعة بالغة”.

كان عبد الله يجلس خلف مقهى في ميدان ريبوبليك مع مجموعة من أصدقائه، من بينهم أوبيلي ونجوى. يدرس عبد الله، 24 عامًا، وأوبيلي مينديس، 20 عامًا، العلوم السياسية في جامعة فانسان سان دينيس، في ضواحي العاصمة، على الناحية الأخرى من البيريفريك، وهو الطريق الدائري حول المدينة والذي يشكل الحدود بين باريس وسائر العالم، حدود جغرافية بقدر ما هي حدود ذهنية أيضًا.

بالرغم من البرامج الحكومية المختلفة التي طُبقت بغرض محو هذه الحدود، إلا أن الفصل بين الناس في العاصمة ومن يعيشون في الضواحي زاد سوءًا. حتى أن رئيس الوزراء مانويل فالس، الذي تعرض لانتقادات لاذعة، وكان أهم الداعمين لقانون حقوق العمال، قال عام 2015 بعد حادثة إطلاق النار على جريدة شارلي إيبدو إن هناك “فصل جغرافي واجتماعي وعرقي” في فرنسا، و”تمييز يمارس بصفة يومية ضد من لا يحملون الاسم المناسب أو لون الجلد المناسب.”

وفي ضوء كل هذه المشاكل تبنت حركة “نوي ديبو” شعار “دمج الصراعات.”

استوحي هذا الشعار من صحفي يساري اسمه فرانسوا روفان، كان قد أصدر وثائقي عن العمال الذين أرادوا مقابلة برنار أرنو، رئيس مجلس إدارة المجموعة المترفة LVMH (والتي تملك شركة لوي فويتون وشركات أخرى) وواحد من أغنى رجال فرنسا، لأنهم طردوا من مصنع نسيج تملكه المجموعة المترفة. حث روفان الطبقة الوسطى البرجوازية والمعزولة، والتي تعرضت للإفقار، على التواصل مع العمال، كما حث النقاط المركزية على التواصل مع من هم على الهامش.

وأصبح “دمج الصراعات” اسم اللجنة المنظمة لحركة “نوي ديبو”.

***

انتهت التظاهرة. بدأت السماء تمطر. وكانت “نوي ديبو” على وشك البدء.

وصلت شاحنة في الرابعة والنصف عصرًا. جاء المتطوعون لتفريغ شحنتها. انتشروا في أنحاء الميدان لنصب عشرات الخيام، كل واحدة لقضية بعينها: حقوق السكن، العائدات العالمية، قضايا الميول الجنسية.

في السادسة مساءً كانت حركة “نوي ديبو” مستعدة. وكان المجلس العام (مجلس مفتوح) على وشك البدء. بدت هذه المجالس بمثابة أجورا (ساحات الاجتماع الإغريقية المفتوحة) العصر الحديث، يحضرها العشرات في أسوأ الحالات، والمئات في أفضل الحالات.

كان فلوران، والذي لم يرغب في الإفصاح عن لقبه، أحد المتطوعين. هذا الشاب الأبيض المتحمس في الحادية والثلاثين من عمره كان واحدًا من هؤلاء الشباب المتعلمين والمنتمين لطبقة وسطى انخفضت منزلتها.

بصرف النظر عما هي الحقيقة، كان إدارك انخفاض المنزلة الاجتماعية عبر الأجيال في فرنسا قويًا للغاية. فجيل والدي فلوران كانت لديه وظائف وحماية اجتماعية وأموال وفرص. أما جيل فلوران -ومنه 40% من خريجي الجامعات- كان نصيبه من كل هذا أقل.

كان فلوران محظوظًا، فقد عثر مؤخرًا على وظيفة بعد فترة طويلة من البطالة. ومثله مثل باقي المتظاهرين، كان يرى أن القانون مفرط في ليبراليته، وكونه صدر عن حكومه يسارية يجعله في مقام الخيانة. يقول: “كنت سأتفهم صدور مثل هذا القانون من حكومة يمينية. لكني صوتت لصالح فرانسوا أولاند في 2012. ولم يأت ذلك بأي نفع. لا أعلم إن كنت سأصوت له في الانتخابات القادمة.”

بعد خمس سنوات اتخذت الحكومة الاشتراكية خلالها إجراءات يمكن نعتها بأي صفة عدا أنها مغايرة لتيار اليمين، تشرذم ناخبو اليسار الفرنسيين، وتبعثروا بين تيار الوسط وأقصى اليسار والمهتمين بالبيئة والتيار اليميني الشعبوي. كان الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند أقل الرؤساء جماهيرية على الإطلاق منذ نشأة الجمهورية الخامسة عام 1958. ولم يعلم كثيرون من متظاهري “نوي ديبو”، مثل فلوران، لمن يصوتون في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2017.

كانت هناك مواضيع كثيرة يمكن الحديث عنها. والحقيقة أن هذا كان الغرض من حركة “نوي ديبو”. استنكر طبيب ظروف العمل القاسية في مستشفيات باريس. وأراد أحدهم إصلاح منظومة التعليم الفرنسية، والتي رأوا أنها “شديدة المركزية وسبب في انعدام المساواة.” وأرادت فتاة شابة تغيير اسم محطة مترو ريبوبليك ليصبح “ريبوبليك – نوي ديبو.” وعرض رجل نحيف شاحب البشرة فكرة الدخل الأساسي غير المشروط. بينما أراد رجل أسود مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة والمخطط إجرائها عام 2017.

كانت الهدف من “نوي ديبو” التعبير عن المشاكل أكثر منه -في الوقت الراهن على الأقل- حلها، بالرغم من العديد من الأفكار المثيرة للاهتمام التي خرجت من هذه الكتلة المنصهرة يومًا بعد يوم.

لكن بالرغم من النشوة المفرطة في الأجواء المحيطة، كانت الحركة محل نقد أيضًا.

وجه لها اتهام بأنها متمحورة حول ذاتها، وأنها حركة برجوازية بوهيمية، أغلب المشاركين فيها من البيض، تركز على الصراعات الاجتماعية ولا تركز على سائر أشكال التمييز، وأهمها العنصرية والتمييز الديني. تساءل نشطاء من الضواحي المحيطة: “أين كنتم عام 2005، عندما كنا نواجه الحكومة والشرطة؟. في ذلك الوقت سادت أعمال الشغب في الضواحي المحيطة على مدار ثلاثة أسابيع عقب موت مراهقين، أحدهما أسود والآخر عربي، أثناء مطاردة الشرطة لهما. أشعلت النار في العديد من السيارات والمباني. لكن مراكز المدن لم تتحرك. لم يكن هناك من يفهم ما يحدث سوى قلة قليلة. من ناحية، كانت هذه الأحداث تعد أعمال شغب، ومن ناحية أخرى ثورة ضد النظام.

تفّرق عبد الله ورفاقه بعيدًا عن الميدان. كانت لديهم انتقادات بشأن حركة “نوي ديبو”. تقول أوبيلي: “لا أحب أن أتلقى محاضرات من متظاهري “نوي ديبو” عن الصراعات الاجتماعية. نصف الطلبة بجامعة سان دينس يعملون في دوام جزئي. ولذا فهم أول من يستهدفه قانون العمل الجديد.” أوبيلي فتاة سوداء ذات إرادة قوية، تعمل بوظيفتين، واحدة كقائدة لمجموعة من الأطفال في مركز شباب بمجلس المدينة أثناء العطلات، والأخرى كموظفة في بنك أيام السبت.

كما ترى أوبيلي أن “نوي ديبو” قد فاتتها نقطة أخرى أيضًا: “أدركنا أن المتظاهرين معظمهم بيض. طُمست سائر الأعراق. نحن بصفتنا أقلية نصبح من أوائل ضحايا هذه الإصلاحات الليبرالية. على المتظاهرين وضع الصراعات العرقية في الحسبان.”

لكن بعيدًا عن النقد، كانت حركة نوي ديبو مدركة أنها ستُهزم.

يقول جويوم مازو، 40 عامًا، مدرس تاريخ في جامعة باريس 1: “أظن أن القانون سيمرر على أي حال. أقصى اليمين ممزق، ولا يوجد ما يحل محله، في الوقت الحالي على الأقل. عنف الشرطة في تزايد مستمر، وتصاحبه موافقة ضمنية في ما يبدو من باقي الشعب.”

لكن الربيع كان في الأجواء، كما كانت الثورة في البال، محسوسة لكنها هشة، أقرب إلى مطمح منها إلى واقع. إن الإشارات إلى الثورة، أو بصورة أكثر عمومًا، الحركات الاجتماعية، حاضرة دائمًا في الشعارات الفرنسية، حيث كانت ثورة 1789 لحظة مؤسسة.

***

في كل حركة احتجاجية في فرنسا، كانت شعارات مايو 1968، وقت الحركة المدنية الضخمة في فرنسا بقيادة الطلاب، تعاود الظهور على السطح، الصراع الطبقي، والدعوات لإضراب عام. لكن “نوي ديبو” كانت تخترع شعارات جديدة وأشكال حراك جديدة. احتلت الميادين بقدر ما من السلمية غير مسبوق في فرنسا منذ فترة طويلة، وقد تكون “حملة المآدب” (Campagne des Banquets) آخر واقعة مشابهة، حين عقدت الاجتماعات السياسية في جميع أنحاء البلد في الفترة من 1847 وحتى 1848 ضد الحكومة المحافظة وقتها. وعندما منعت إحدى المآدب يوم 22 فبراير 1848، أطلقت شرارة الثورة التي أنهت الملكية في فرنسا.

يقول مازو: “لم يشتك الشعب الفرنسي من قلة الوعي السياسي منذ أعوام طويلة. هذا أمر يحدث الآن، وكنا نتوقع حدوثه منذ فترة، ربما منذ مايو 1968. هناك ثقافة سياسية جديدة تتشكل على الأرض، لا من خلال القراءات. أمر جديد. أمر مثير للاهتمام”. مازو من أشد داعمي حركة “نوي ديبو،” وهو واحد من زعماء مبادرة التعليم الشعبي بالحركة، والتي تتزعمها مجموعة من أساتذة الجامعة تسعى إلى خلق “مساحة في ميدان ريبوبليك للنقاش وتبادل الخبرات، بعيدًا عن المؤسسات العلمية أو الإعلامية،” وتكون مفتوحة للجميع.

وبعد مرور شهرين، ما زال الحراك قويًا. مازو رجل حاد الذكاء في متوسط العمر بذقن غير حليقة، يقول بلهجة خفيفة تشير إلى شمال فرنسا: “اليوم نحن في مفترق طرق. حركة نوي ديبو لا تخور، بل تتحول إلى شيء آخر. هناك عدد أقل من الناس يحضر الاجتماعات، وعدد أكبر يرغب في أخذ المبادرة.”

بدأت الصراعات تندمج رويدًا. وبحلول نهاية شهر مايو، دخل “اتحاد العمل العام” -أحد الاتحادات النقابية التي يسيطر عليها الشيوعيون- المعركة، وقطع الطريق على محطات تكرير البترول وشركة السكك الحديدية الوطنية الفرنسية، لتشل فرنسا قبل موعد بطولة أمم أوروبا لكرة القدم 2016 مباشرة.

اليوم، لا أحد يعلم إلى أين تتجه الحركة. لكني سمعت في مرة وأنا في طريقي إلى الخروج من الميدان شاب يقول لآخر: “ما رأيك في أن ننظم نوي ديبو على الشواطئ هذا الصيف؟”.

اعلان