Define your generation here. Generation What
فيلم “يوسفي”: كيف تتحدى المتحولات جنسيًا مفهوم النضج؟
 
 

في خضم أزمة الديون اليونانية ومحاولة حكومة أليكسيس تسيبراس الأولية للدفاع عن البلاد من تدابير التقشّف الأوروبية التي يفرضها صقور الاتحاد الأوروبي بزعامة ألمانيا، كتب كريس جيلز في الفاينانشال تايمز ساخرًا من “أزمة اليونان الطفلة”.

أبناء الترويكا، كما يؤكّد جيلز، كانوا في حيرة من أمرهم بخصوص اختيار الكيفية التي سيتعاملون بها مع اليونان، وكأنها طفل لا يدري من أمره شيئًا في عالم صعب وقاس. أجمعت دول الاتحاد الأوروبي على أن سلوك رئيس الوزراء اليوناني كان “نوبة غضب”، أما الانقسام الوحيد فيما بينها فكان على الكيفية المناسبة للتعامل مع هذا “الشاب المارق”. لم تكن الخيارات أمامهم كثيرة؛ فإما التصرّف بحزم رأسمالي، بما يعني فرض مزيد من خطط التقشّف “والتعامل مع اليونان كطفل يجب أن ينضج ويتحمّل المسؤولية” – بافتراض وضع نموذج للصبر الذي يمكن للدولة تحمّله قبل أن تنهار وتدخل طريقًا مظلمًا للغاية، أما الخيار الثاني فكان الاعتراف بأنهم [دول الاتحاد الأوروبي الغنية] لم يرغبوا قط في “أبوة” اليونان لفترة طويلة، بل كانوا يريدون “عرض الطفل المشاغب للتبنّي”. بعبارة أخرى، كانوا يريدون استبعاد اليونان من الاتحاد الأوروبي.

خطاب النضج هذا، في صورته التي تبلورت ضد الانتفاضات الشبابية والطوباوية المناهضة لخطط التقشّف الأوروبية و”تجويع اليونان”، عمل على خلق إطار معرفي يجمع بين أخلاقيات اقتصاديات الرفاه والهياكل العائلية الأبوية والطبيعة الهرمية للتنمية غير المتوازنة عالميًا. أصبح هذا الفهم للنضج، بإصراره على عدم وجود بديل للتقشف القاسي بالنسبة للغالبية من الناس العاديين (كما زعمت مؤسسات مالية كبرى)، مهيمنًا في لحظتنا العالمية الحالية. وإلى جانب الصراع السياسي المستمر الذي يفرضه أصحاب هذا الخطاب (كما رأينا في المواجهة الباسلة للحكومة اليونانية ووزير ماليتها يانيس فاروفاكيس)، كان لا بد من وجود جبهة ثقافية هدفها إقصاء ونزع كل المحاولات التي تعمل على الحفاظ على روح التمرد والتفكير خارج صندوق خطط التقشف في عالمنا.

إن تأطير النضال من أجل الكرامة، بنعته بـ”الصبيانية”، يبدو حالة مزدهرة في كلّ مكان من العالم، وتقوده الخطابات الثقافية التي تبدو ظاهريًا وكأنها تسير جنبًا لجنبه. وهكذا، نجد أن اﻷبطال في بعض الأفلام الغربية الحديثة التي تتناول قضايا اجتماعية مثل “12 سنة عبدًا” أو “سيلما“، يكونون غالبًا استثنائيين في تحصيلهم العلمي أو طبيعة أخلاقهم وأخلاقياتهم، ما يعني ضمنيًا أن الجماهير التي تكافح معهم، أو من ورائهم، هم بمثابة أطفالٌ لا يستحقون دفاع هؤلاء الأبطال أو التحرر من الأساس، أو غير قادرين عليهما. يمكن التعرف على هذا المأزق كذلك في أنواع فيلمية أخرى تقدِّم نفسها كبدائل لسينما التيار الرئيسي (mainstream cinema) بمنطقها الفكري، مثل اﻷفلام المستقلة (indie films)، وتسهم في سردية التقشّف من خلال تعيّش صانعيها دائمًا على حياة هؤلاء الأشخاص الغريبين (outsiders)، والذين يؤكد الفيلم طوال مدته على أن عليهم “النضج” كي يستطيعوا الاستمرار بالعيش (تمكن الإشارة مثلًا إلى فيلم منتشر نسبيًا مثل “فرانسيس ها” لنواه بامباخ). كما أن الأشكال ذات الصلة من السينما الكويرية (queer cinema) والمحاولات الخجولة والدؤوبة لتصوير ومقاربة حياة المتحوّلين جنسيًا، عادة ما تساهم هي الأخرى في “خطاب التقشّف الأبوي”، حيث تقارب ثيمة المتحوّل جنسيًا وتقدّمه كضحية للرؤية “البالغة” الأبوية، من دون أي استراتيجية تمثيلية لعرض رؤى أخرى تخدم “القضية” التي يناقشها الفيلم، أو ما تسميه جوديث هالبيرستام “رؤية المتحوّل جنسيًا” (أفكر بفيلم قديم نسبيًا مثل “لعبة البكاء“).

هنا، أريد الادعاء بأن الفيلم الأخير للمخرج الأمريكي شون بيكر، “يوسفي” (Tangerine)، الذي يتابع فتاة أفروأمريكية متحولة جنسيًا وتعمل بالدعارة تدعى سيندي، من أول يوم لها بعد الخروج من السجن وفي محاولة بحثها عن حبيبها الخائن وعشيقته في شوارع غرب هوليوود، يقدّم خطابًا مضادًا لذلك السرد الأبوي السائد، سواء كان في سينما التيار الرئيسي أو في بدائلها. “يوسفي” يحلّ بأناقة ذلك المأزق التمثيلي (representational) عن طريق اختراع ما يمكن اعتباره هيكلًا أوديبيًا لسرديات “النضج” الشائعة، وإحلال ثنائية النشاط/السلبية محل ثنائية الطفل/البالغ، في حركة معاكسة لاتجاه التكافؤ في فكرة “النضج”، والتي تصبح هنا علامة على الانهزامية.

علاوة على ذلك، فإن التعاون بين شون بيكر وشريكه في كتابة السيناريو كريس بيرجوش والممثلتين الهاويتين المتحوّلتين جنسيًا كيتانا كيكي رودريجيز وميا تايلور، يهيئ المجال لسجال سينمائي مع مناخات الحياة اليومية للتقشّف في نموذجها الأمريكي. فالخريطة الجغرافية السيكولوجية التي يرسمها الفيلم تغطي حيزًا مدينيًا يبدو مسرحًا لمآسٍ يومية ومكانًا لانفتاحات طوباوية تخضع لمنطق حتمية الانتماء لمكان معين من العالم. إلى جانب ذلك، فهناك نقطة ثورية في الفيلم على المستوى التقني، تتمثل في كونه مصوَّرًا بالكامل بكاميرات آيفون، وهو ما أعطاه شكلًا شديد الواقعية وخلق مظهرًا وثّابًا، كان ملائمًا لإيقاعاته المحمومة والخصبة وصراحته البديلة والشجاعة ونغميته الميلانكولية.

تدور أحداث الفيلم عشية عيد الميلاد، ومن البداية يؤسس الفيلم لرفضه للعاطفية الأسرية المعتادة (أو القياسية بالأحرى) في مثل تلك المناسبات، ويستبدل بها رحلة محمومة بين شوارع المدينة، بطلتاها هما سيندي وصديقتها المقرَّبة ألكسندرا. يبدأ الفيلم مع المرأتين أثناء وجودهما في مطعم اسمه “وقت الكعك الحلو” (Donut Time) حيث تخبر ألكسندرا صديقتها بأن حبيبها تشيستر كان يضاجع فتاة أخرى أثناء وجودها في السجن (سيتبيَّن لاحقًا أنها دخلت السجن بدلّا منه، لموافقتها على الاحتفاظ بمخدراته). بعد لحظة من التردّد تقرر سيندي مواجهة تشيستر وداينا “تلك السمكة البيضاء التي ضاجعها”. كما في كل منعطف آخر من الفيلم، فعند هذه اللحظة يتضح أنه بالإضافة لكون سيندي مدفوعة بالغضب، كان سعيها – في جوهره اﻷصدق- للوصول إلى حبيبها الخائن، هو سبيلها لمواجهة خطر الركود في وطنها المرتجل في بقعة ما من مدينة لوس أنجلوس، وهو الوطن المؤطر بظلال الفقر والعوز (نعرف بشكل ضمني أنه المكان الوحيد في المدينة الذي يقدّم أمانًا نسبيًا وفرصة للبقاء على قيد الحياة للمومسات المتحولات جنسيًا).

في الحقيقة، فالفيلم منذ أول مشاهده مدفوع برفض بطلته للقبول بشروط البقاء الصارخة في قسوتها. في بعض الأحيان، يبدو حضور البطلة المُكهرِب للإطار السينمائي وكأنه يتغذى على العنف والبؤس والانحطاط والتفاهة، ومع ذلك يبقى نشاطها هو مصدر الفيلم الأساسي للحديث عن الصداقة والحب والإيروتيكية، وكذلك يشير إلي إصرار الفيلم على حقها هي ورفيقاتها بالمطالبة بما هو أكثر من الحد الأدنى للحياة، وهذا يستدعي للأذهان ما كتبه الثوار الباريسيون في مايو 1968: “جميل، وربما ليس كذلك، ولكن يا لسحر (الحياة في مقابل البقاء) Beautiful, maybe not, but O how charming: life versus survival”.

ورغم رجاء ألكسندرا لصديقتها في بداية الفيلم بأنه “بلاش دراما”، تقوم هي وشخصيات الفيلم الأخرى بالمضي قدمًا وراء صحوة سيندي الغاضبة. وبينما تسعى سيندي للحصول على معلومات بخصوص مكان داينا وتشيستر، لا تكفّ ألكسندرا عن توزيع منشورات للإعلان عن عرض غنائي ستقيمه في إحدى الحانات الصغيرة. ورغم قضائها اليوم كله في محاولة لفت الاهتمام للعرض، تكون سيندي في النهاية هي الوحيدة التي حضرت العرض، بصحبة داينا التي تصبح أسيرة لديها بعد أن عثرت عليها في إحدى شقق الدعارة. وبينما تغني ألكسندرا في الحانة شبه الخالية (يتبين أنها دفعت بالفعل كي تغني هناك)، تختبر شخصية رئيسية ثالثة هي الأخرى خيبة الأمل التي تبدو حتمية في ليلة الكريسماس.

رازميك، سائق تاكسي مهاجر من أصول أرمينية يقضي اليوم بطوله في التقاط زبائن صعبي المراس، وحين لا يكون لديه ركّاب في السيارة يدفع لإحدى مومسات الحيّ المتحولات جنسيًا كي يمارس الجنس معها. مع الإيغال في حكاية الفيلم نعرف أن رازميك يميل، بشكل أقرب للهوس، للمومسات المتحولات جنسيًا ممن يحملن علامات الأنوثة والذكورة معًا. يصل كريسماس “رازميك” لذروته مع انكشاف سرّه لحماته وزوجته الأرمينيتين، اللتين تدخلان بدورهما في مشاجرة حامية مع الشخصيات الرئيسية في مطعم “وقت الكعك الحلو”، حيث يدير تشستر أعمال مومساته.

جانب من أهمية “يوسفي” أنه فيلم مكتمل ومتعدد القراءات، مرحٌ رغم قصصه الكئيبة التي يعرضها، وعميق رغم ما يبدو للمتفرج المتسرع من سطحية في الطرح. والأكيد أنه يجدد الثقة في السينما الأمريكية التي لا تزال قادرة على إخراج سينمائيين من عينة شون بيكر، منكبين على تعقيدات الحياة الحديثة ومشكلات البيئة الاجتماعية من حولهم، مضفرين ذلك في شكل سينمائي متطور ومبتكر يتجاوز المنجز السينمائي السابق كله، بأدوات يمكن وصفها بالثورية.

وفقًا لاحصائيات رسمية صادرة عن الائتلاف الوطني لبرامج مكافحة العنف (NCAVP) فقد كان 2015 هو العام الأكثر دموية على الإطلاق بالنسبة للمتحولين جنسيًا، مع جرائم قتل بحق سيدات متحولات جنسيًا وصل عددها إلى 22 جريمة في الولايات المتحدة وحدها. ورغم تلك الإحصائيات يقوم الفيلم بما يمكن تسميته “تطبيع سينمائي” لتجربة ممثلتيه الهاويتين، عبر رؤية منحازة إلى المتحول الجنسي، دون نسيان عناصر الفيلم الأخرى، من سيناريو ذكي وحوار كاشف وتصوير هو الأكثر حيوية ورشاقة في ما رأيت من أفلام العام الماضي.

تأطير أحداث الكريسماس، المفرَط في تحديدها وتعييرها في أمثلة سينمائية سابقة، هو مثال واضح للسجال الشجاع الذي يقوم به الفيلم، ضد خطاب ظالم مهيمن ينحاز لـ”النضج” و”الواقعية” و”التقشُّف” والثيمات الأبوية. فبدلاً من الاستسلام لمظاهر الواقع المحبِطة من فقر وقمع باسم “التنمية”، تقوم الشخصيات باكتناز العالم في لحظات من التكافل والتسامي واليوتوبيا الفاضلة. بطريقة غير متوقعة، يصبح أداء ألكسندرا المحبَط لأغنية “توي لاند” في الحانة، واحدة من تلك اللحظات الطوباوية التي تضاء فيها الشخصيات بسحر طفولي في “أرض بنت وولد صغيرين” كما تقول كلمات الأغنية. يلتقط المخرج ببراعة قفزة الفيلم الأبرز على المستوى الإيقاعي، فيسكن المشهد ويضاء بدفء يتسرّب إلى صوت ألكسندرا بنعومة وسلاسة. تسخِّر سيندي كل طاقاتها واهتمامها لخلق نظرة إعجاب وشغف منصبة على صديقتها. وتبدو تلك اللحظة من الاعتراف الصامت مشروعًا أمام المرأتين للخروج من الصراع المحموم والمتعِب الذي شهدناه على مدار يومهما. يوضح الفيلم لحظية هذه الراحة، وكيف أنها ليست بديلاً بائسًا للنعيم العائلي والقبول المجتمعي، ولكنها تظل بمثابة وعد بعالم “الترف المشترك”، كما تسميه كريستين روس، بديلًا عن عالم “النضج”. هنا تصبح شخصيات الفيلم شبيهة بالأطفال في عفويتهم وتفككهم وتخيّلهم، وهذه الخصائص هي ما تسمح ببقائهم معًا وتأجيل لجوئهم لشوارع التقشف القذرة.

ولا ينفصل عن ذلك أن الثيمة الشائعة عن لوس أنجلوس/هوليوود باعتبارها مدينة لهو عابث ويمكن وصفها بالضحلة بالمقارنة بعمق ومتانة واستقرار الحياة الأسرية في الغرب الأوسط الأمريكي، يجري تحديها هنا جماليًا، عبر هالة من أضواء الكريسماس التي تحدد شوارع غرب هوليوود. فبينما تقطع النساء (سيندي وألكسندرا وداينا) أنحاء المدينة، تأخذ مصابيح ملونة متناثرة في طريقهما في الالتماع اللافت الذي يرسم لهن طريقًا بصريًا للخروج من “الواقعية” البائسة إلى حالة خيالية طوباوية، وكأنه خروجٌ لحظي مما يسميه فالتر بنيامين “زمنًا خاليًا متجانسًا للتقدّم” إلي رؤية بديلة للتاريخ. في أحد مشاهد الفيلم تقول أشكين، حماة رازميك سائق التاكسي الأرميني: “لا عيد ميلاد بدون ثلج. لوس انجلوس تبدو ككذبة جميلة مُغلَّفة”، ولكن وجهة نظرها يكذّبها دورها كحارسة للقيم الأسرية تنظر للعلاقات الجنسية الغيرية كنموذج أوحد طبيعي ومثالي لفكرة ممارسة الجنس. في الوقت ذاته يشير الفيلم إلى أن لوس أنجلوس ليست هي تلك المدينة-الوعد رائعة الجمال التي تسمح باختلاف المناخات والوقتيات (temporalities). ترفض سيندي وألكسندرا وقتية المنتصرين، وبدلًا منها تشيران إلى ما أطّره فالتر بنيامين كوقتية مسيحية يهودية يكون فيها:

“الصراع الطبقي.. قتالٌ من أجل اﻷشياء الفظّة والمادية التي لا يمكن بدونها أن توجد أشياء راقية وروحية. إلا أن هذه اﻷخيرة لا تجعل حضورها محسوسًا في الصراع الطبقي على هيئة الغنائم التي تكون من نصيب المنتصر. فهي تتبدى في هذا الصراع على هيئة الشجاعة والمرح والفطنة والجلد. ولها قوة ارتدادية، وسوف تطرح للتساؤل باستمرار كلَ نصر للحكام، في الماضي والحاضر. ومثلما تستدير اﻷزهار صوب الشمس، فإن الماضي يجاهد، بفعل خاصية انتحاء شمسي (heliotropism) سرية، ليستدير صوب تلك الشمس البازغة في سماء التاريخ. ولابد أن يكون المادي التاريخي واعيًا بهذا التحول اﻷقل جلاء بين جميع التحولات.”

هذه الوقتية تعاكس التاريخ المستبد للمنتصرين، التاريخ “البالغ” و”الناضج”، بتاريخ مستقبلي وعفوي وخافت للصراع الطبقي. في هذا “التوجه الشمسي السري” يمكننا خلق المعالم الرئيسية لاستراتيجية تمثيلية غير مطروقة لمواجهة التدهور الحتمي لصناعة ثقافة مُسيطرة وعالمية، تجعلها فكرتها عن الهزيمة والاستسلام وكأنها رجل شرطة آخر علينا مواجهته، ويجعلنا جميعًا في وضع حرج نحاول إنقاذه من نفسه من أجل أهدافنا الاستراتيجية، وهذا التصوّر قريب للغاية مما طرّحه وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس عن أزمة الرأسمالية الأوروبية الحالية وما يجب على الماركسيين أن يفعلوا للنجاة والمواجهة.
_______________
هذه الترجمة لمقال يوهانا إيزاكسون “الحياة مقابل البقاء في فيلم يوسفي“، تمت بتصرف من المترجم، سواء عبر توضيح بعض المصطلحات لتقريبها للقارئ العربي أو بإضافة فقرات للاشتباك مع الكاتبة.

اعلان
 
 
يوهانا إيزاكسون