Define your generation here. Generation What

تقرير جنينة: بعيدا عن المنهجية…ماذا عن الفساد؟

قراءة دراسة الجهاز المركزي للمحاسبات عن تقدير تكلفة الفساد تبعث على الإحباط. أولا لأن القارئ يستشعر أن مجهودا حقيقيا قد تم بذله لرصد مخالفات قانونية أدت -بحسب الدراسة- لإهدار المال العام، لكنها مع الأسف صيغت في الدراسة بطريقة تنتابها عيوب صريحة في المنهجية وفي طريقة عرض المخالفات. وثانيا لأن هذه الدراسة تسببت بصورة مباشرة في التنكيل برئيس الجهاز السابق المستشار هشام جنينة وبأفراد أسرته.

غير أنني، مع تحفظي على الكثير من الشوائب في منهجية الدراسة، أرى أنها لا تقلل من أهميتها في رصد وتوثيق ممارسات تستدعى على أقل تقدير تحقيقا مستقلا في كل ممارسة وردت فيها. فكل صفحة من دراسة تجاوزت الثلاثمئة صفحة كافية لبدء تحقيقات جادة على مستوى المؤسسات السيادية في البلاد، بل إن بعض هذه المخالفات إذا صحت كافية للإطاحة بحكومات وربما أنظمة سياسية في دول أخرى لديها سجل أفضل في محاربة الفساد.

***

لنبدأ بالتسليم بضعف منهجية الدراسة، قبل أن ننتقل إلى ما هو -في رأيي- أهم منها بكثير، وهو المخالفات الموثقة الواردة في الدراسة: كيف وقعت ولماذا وقعت بل وتكررت وماذا فعلت الدولة بشأنها بعيدا عن تقدير تكلفتها؟ فهذه الأسئلة بالتحديد هي ما تسعى سلطات الدولة حاليا إلى صرف الانتباه عنه عبر شخصنة معركتها مع المستشار جنينة ووضع نواياه وتوجهاته محل الاتهام والمحاكمة الجنائية.

بداية فإن التعريف المتفق عليه للفساد في أدبيات الاقتصاد هو استغلال ما هو عام لتحقيق مكسب خاص. ومن الناحية النظرية هناك نوعان من الممارسات الفاسدة: في النوع الأول قد ينتج عن الممارسة الفاسدة إهدار للمال العام، بينما نجد في النوع الثاني ممارسات فاسدة أيضا لكنها لا تكلف بالضرورة خزانة الدولة ولا ينتج عنها إهدار لمال الشعب. وأبسط مثال للنوع الاول هي الرشوة التي يدفعها مواطن لموظف في إدارة المرور لكي يقوم الأخير بإلغاء المخالفات المرورية. أما النوع الثاني فهو دفع نفس المواطن لذات الرشوة لنفس الموظف فقط لكي يسرع الموظف في أداء مهام وظيفته. في كلتا الحالتين تكسب موظفنا من استغلال منصبه وسلطته. وبطبيعة الحال فالنوع الأول أسوأ وأكثر ضررا على الاقتصاد.

ومن ناحية أخرى فليس كل إهدار للمال العام ناتجا بالضرورة عن فساد، وإن كان في أغلب الأحوال نتيجة لممارسات فاسدة. والدراسة لا تفرق بين الفساد وإهدار المال العام.  فأغلب -إن لم يكن كل- ما رصدته الدراسة يقع تحت تعريف إهدار المال العام. ولا توضح الدراسة في طريقة عرضها من تحديدا الذي استفاد شخصيا من هذا الإهدار. ولذلك فإن شبهة الفساد واضحة للغاية في بعض ما رصدته الدراسة من إهدار للمال العام، ولكنها يصعب جدا استيضاحها في البعض الأخر، بينما في طائفة ثالثة نجد فرضية سوء التقدير محتملة.

كيف يمكن هنا تحديد وجود فساد من عدمه؟ وهل هذه مسئولية الدراسة؟ أو حتى مسئولية الجهاز المركزي للمحاسبات، فضلا عن رئيسه المعزول بقرار رئاسي؟

تأخذنا هذه التساؤلات إلى إشكالية دور الأجهزة الرقابية في مصر. فدور تلك الأجهزة يقتصر على رصد المخالفات المالية والمحاسبية من مؤسسات الدولة وهيئاتها التي تقع في نطاق سلطة الأجهزة، ثم الإبلاغ عنها لسلطات التحقيق. وبطبيعة الحال فإن هذا الدور محدود وغير كافٍ لمحاربة الفساد، ولابد من إكمال الإطار المؤسسي بمن له سلطة مستقلة للتحقيق والإدانة إذا لزم الأمر. وهذا غائب بالطبع في الحالة المصرية، فمن يرصد لا يستطيع المحاسبة، ومن يستطيع المحاسبة غير مؤهل فنيا لتقييم حجم الإهدار ودوافعه، واستقلالية كليهما محدودة إن لم تكن معدومة.

لذلك فإن ما استرعى اهتمامي عند قراءة الدراسة -إن نحينا جانبا أي ملاحظات على منهجيتها- هو أن الجهاز المركزي يقوم بما أوكل له القيام به، وهو مراجعة كيف تم التصرف في المال العام، وما إذا كانت طريقة التصرف مطابقة لما لديه من قوانين ولوائح. ولكن الدائرة لم تكتمل، فعلى حد علمي لا يوجد أي سبيل لمعرفة إذا كان هذا الاهدار نتيجة ممارسات فاسدة أو سوء تقدير أو كليهما. فمحاسبة الفساد تختلف بالطبع عن محاسبة سوء التقدير. ولكن غياب المحاسبة في كلتا الحالتين تقصير خطير يدعم فرضية الفساد ويثير شبهة التواطؤ.

***

على سبيل الذكر لا الحصر، تستحوذ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة على النصيب الأكبر والأهم من المخالفات المذكورة في الدراسة، حيث تكاد تختص بنصف صفحاتها. أغلب المخالفات الموثقة تتمثل في فروق تسعير أراضي الدولة بين سعر التعاقد والسعر الأعلى لأراضٍ مماثلة (لا تشرح الدراسة كيف توصلت إليه)، أو مخالفات تتمثل في عدم قيام الهيئة بتوقيع العقوبات على المستثمرين إذا تباطؤوا في تنفيذ أي بند من بنود التعاقد أو تجاوزوا فيما هو مسموح لهم ومتفق عليه، خاصة إذا استخدمت الأرض في غير الغرض المتفق عليه.

نجد هنا مثلا أن جهاز مدينة السادس من أكتوبر استحوذ على نصيب الأسد من المخالفات، حيث بلغ تقييم الدراسة لحجم إهدار المال العام من قبل الجهاز إلى ٤٠٨ مليارات جنيه على مدار عدة سنوات. وهذا رقم مهول للغاية قياسا بحجم الاقتصاد المصري وبحجم موازنة الدولة.  وبغض النظر عن إشكالية تقدير المبلغ وعدم قناعتي التامة بها، فإن كل مخالفة مرصودة كافية لإثارة أسئلة أكثر أهمية من مسألة تقدير التكلفة: لماذا تكررت هذه المخلفات، وأحيانا تكررت من نفس الجهاز أو الهيئة بالرغم من تكرار رصدها وتوثيقها؟ الإجابة واضحة، فمن يستفيد من إهدار المال العام قادر على إعاقة أجهزة التحقيق عن طريق نفوذه، سواء كان هذا النفوذ عن طريق المال أو السلطة. وهذا ما تؤكده المخالفات المرصودة في الدراسة، حيث أن الطرف الثاني في التعاقدات الخاصة بالأراضي هو إما شركات كبرى للاستثمار العقاري أو أفراد أو هيئات من دوائر السلطة في الدولة مثل وزارة الداخلية أو هيئات قضائية.

السؤال الثاني: ما أهمية وجدوى الترسانة الضخمة من القوانين والتشريعات واللوائح التي تسردها الدراسة إذا كانت عاجزة عن تحجيم إهدار المال العام وردع من يحاول التكسب منه؟ الاجابة بمنتهى البساطة هي أن وجودها والعدم واحد في ظل وجود من لديه الرغبة والقدرة في استمرار الوضع على ما هو عليه. فمن الواضح من المخالفات المرصودة تضارب المصالح بين من يمثل الدولة ومن يمثل الطرف الآخر للتعاقد. ومن الواضح أيضا تهافت هذه الترسانة من القوانين أمام قرارات إدارية تصدر من الوزراء أو من الأجهزة الإدارية بتخصيص الأراضي.

***

من السهل جدا الاستناد إلى الملاحظات أو الأخطاء المنهجية من أجل تجاهل كل ما تشير إليه الدراسة. ولكن ذلك لن ينفي أن ما رصدته الدراسة، وما أصبح الآن معلوما في المجال العام لكل من قرأها، جدير بحق بفتح الباب واسعا أمام مساءلة مسؤولي ومؤسسات الدولة بشأن دورهم في محاربة الفساد. فمن غير المقبول أن يقوم أحد أهم الأجهزة الرقابية في البلاد بتقديم بلاغات رسمية متكررة، عاما بعد عام، لكافة أجهزة الدولة، التنفيذية منها مثل مجلس الوزراء أو القضائية مثل النائب العام، ويكون نصيب هذه البلاغات الحفظ في الأدراج، بل ومحاسبة ومحاكمة من تقدم بهذه البلاغات الموثقة! والحقيقة هي أن إهمال التحقيق في هذه البلاغات وعدم إطلاع الرأي العام على ما تم بشأنها لا يترك إلا تفسير واحدا هو تواطؤ الدولة في حماية المتورطين في الفساد، وليس أدل على ذلك من المحاكمة الجارية الآن للمستشار جنينة.

إن ما تكشفه الدراسة بوضوح هو أن محاربة الفساد قرار سياسي قبل أن يكون مسألة فنية أو اختصاصا قضائيا، يسأل عنه رئيس الجمهورية في المقام الأول ومجلس النواب في المقام التالي.

اعلان
 
 
سامر عطاالله