Define your generation here. Generation What

مخاض عالم رائع جديد (2): ذرّات وبِتّات

رغم إصرار مروجي سردية الثورة التكنولوجية الرابعة على المقارنة المخلة بالثورة الصناعية، إلا أنهم يدَّعون أن التقنيات الحديثة؛ كاقتصاد المشاركة والذكاء الصناعي والتعلم العميق والطباعة ثلاثية الأبعاد، هي تقنيات معنية أساسًا بفضاء المعلومات لا بالفضاء المادي. بمعنى أن هذه الثورة التكنولوجية محايدة جغرافيًا، مما يخفف من حدة العنف المصاحب لها، بعكس الثورة الصناعية التي تركزت المنافسة فيها على السيطرة على المواد الخام ومصادر الطاقة وممرات التجارة العالمية.

صحيح أن احتمال اندلاع حرب عالمية بسبب اقتصاد المشاركة مستبعد، لكن هذا لا يعني الغياب التام لمظاهر العنف والقهر، فالانفصال عن العالم المادي أسطورة. لم يكن لأوبر أن تزدهر لولا انتشار الهواتف الذكية في كل الأسواق. يعتمد إنتاج تلك الهواتف بكميات ضخمة وبأسعار منخفضة نسبيًا، مع الاحتفاظ بهامش ربح مرتفع لشركة أبل وأخواتها، على مصانع صينية عملاقة، يخضع فيها العمالُ لظروف عمل شديدة السوء، تصل أحيانًا لدرجة احتجاز العمال والسخرة المقنَّعة، مما أدى لفضائح متعددة لأبل، أشهرها ارتفاع حالات الانتحار وسط عمال تلك المصانع. كما تعتمد تلك المصانع على معادن نادرة تُستخرج أساسًا من مناجم بدائية في وسط أفريقيا، تنتشر بها عمالة الأطفال في ظروف بيئية وصحية غير آدمية، وتغذي مكاسب تلك المناجم الصراعات بين ميلشيات وعصابات مسلحة.

حتى في الولايات المتحدة لا يخلو الأمر من عنف كامن ومستتر. فرغم تقدم الاقتصاد هناك خطوات واسعة في الانفصال عن المادي والتركيز على إنتاج واستهلاك البرمجيات والتصميمات والخدمات. ورغم انخفاض معدلات البطالة، إلا أن البعض يفسر صعود اليمين المتطرف (ترامب وتيد كروز وما شابه) بهشاشة أوضاع الطبقة العاملة هناك، في ظل سوق العمل المرن الجديد هذا. كما ظهر خطاب عنيف واستنفار جماهيري ودعوة لحلول حاسمة للعودة لماضٍ جميل، كرد فعل على إجماع النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية على حتمية التراجع عن ضمانات وحقوق العمال.

لكن الأخطر من فساد المقارنة بين الثورة الصناعية ونظيرتها التكنولوجية المزعومة، هو فرضية أن التباين في تحقيق مكاسب من تبني التقنيات الحديثة لا يرتبط إلا بتوزيع الموارد. لم يكن تراكم المكاسب الرأسمالية أبدًا نتيجة تلقائية للتقنية والأسواق، وإنما لسياسات الدول أولًا. فمثلًا، راكمت البرازيل مؤسسات وخدمات اجتماعية، واستثمرت في التعليم والصحة، بفضل أرباح تصدير المواد الخام. لكن الكونغو لم تراكم إلا ميلشيات وسلاحًا. والصين راكمت بنية تحتية ومعارف علمية وهندسية من أرباح الصناعة المعَدَّة للتصدير، لكن بنجلاديش لم تراكم إلا جثث عمال المصانع المتهالكة.

بل أن الطبيعة اللا مادية للثورة التكنولوجية الرابعة قد تعني مكاسب أقل وتراكم أكثر مركزية مقارنة بالثورة الصناعية. الثورة الصناعية غيَّرت عملية الإنتاج نفسها، وكانت طبيعة المنتجات والتغيرات الطارئة على أسواق العمل نتيجة لذلك. لكن اقتصاد المشاركة لا يطرح وسائل جديدة لإنتاج السلع والخدمات، فمجال تغييره هو سوق العمل نفسه، لا تطبيقاته.

أوبر مثلًا لم تغير تقنيات المواصلات، الحل الذي تقدمه أوبر لسؤال: “كيف أنتقل من منزلي لمكتبي؟” هو ذاته الحل الذي يقدمه التاكسي، إيجار سيارة وسائق لمشوار واحد بسعر متناسب مع المسافة والوقت. ما تغير هو آلية التعاقد مع السائق وهيكل توزيع الربح وملكية الخدمة.

تعتمد بنية مشاريع اقتصاد المشاركة أساسًا على حقيقة أن تكلفة مدِّ الخدمة لمستخدمين جدد متناهية الصغر (تكلفة إنزال تطبيق وفتح حساب)، وتكلفة دخول أسواق جديدة تكلفة منخفضة، مما يدعو للشك في إمكانية حدوث أي تراكم في رؤوس أموال أو أصول أو بنية تحتية أو خبرات أو معارف أو خدمات.

مكتب أوبر مصر غالبًا صغير، وأعداد موظفيها المطلوبين لإدارة السوق محدودة، وطبيعة مهامهم لن ينتج عنها نقل معارف جديدة. وطبعًا لن تمتلك الشركة أو تطوّر أصولًا أو عتادًا، ولن تستثمر في بنية تحتية. السائق يوفر السيارة، والدولة توفر الطرق والوقود المدعوم بالدولار. وطبعًا عندما تحقق الشركة أرباحًا بالجنيه ستخرجها بالدولار. أي أن التراكم كله في كاليفورنيا. الأرباح هناك، والاستثمارات والوظائف العليا (إدارة، تصميم، برمجة، تخطيط، إلخ) أيضًا هناك. وبما أن أوبر تُعَرِّف نفسها بوصفها شركة برمجيات لا شركة نقل أفراد، فلا تتوقع منها دفع ضرائب معتبرة، لا هنا ولا هناك. أغلب شركات وادي السيليكون الكبيرة تسجل مقراتها الرئيسية في ملاذات ضريبية، وتدعي أنها تحقق أغلبية أرباحها في المقر الرئيسي، كي تستفيد من اتفاقيات منع الازدواج الضريبي. وتُلاقي الولايات المتحدة صعوبات بالغة في تحصيل الضرائب من أغنى شركات العالم كجوجل وأبل وفيس بوك، لدرجة أن أوباما شخصيًا تدخلَّ في التفاوض مع كل شركة، ومع ذلك لم ينجح في تحصيل ما هو أكثر من الفتات.

أما سجل مصر في الاستفادة من ثمار الثورة الصناعية فمؤسف، رغم اندماجنا المبكر في أسواقها، وأزمة الدولار الحالية خير شاهد، أما سجلنا في تحصيل الضرائب فحدث ولا حرج، ويكفي ما يتواتر عن عجز الدولة عن تحصيل ضريبة الدخل من موظفين لديها، لمجرد كونهم قضاة.

لا سبب لافتراض أن أداءنا سيتحسن مع الثورة التكنولوجية الحالية. الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن أوبر تقدم خدمة أفضل للمستهلك. وأكثر من هذا مجرد أحلام وردية وقصص خيالية، وربما الكثير من حسن النية. وحسن النية، كما صرح الرئيس المُلهَم، لا يبني دولًا.

اعلان
 
 
علاء عبد الفتاح