Define your generation here. Generation What

زيارة إلى الثقب اﻷسود: كيف يبتلع السجن الوجود

“كل الآلام يمكن تحمّلها إذا حكيتها في قصّة، أو حكيتَ عنها قصّة”. إيزاك دينسن، كاتبة هولندية (1885-1962)

قبل ساعة ونصف من موعد زيارتي الأسبوعية إلى سجن طرة، حيث يقبع زوجي وعدة آلاف غيره من المعتقلين السياسيين في موجة اعتقال لم تهدأ منذ ثلاث سنوات، تبدأ رحلتي من الثامنة صباحًا من منطقة الظاهر، حيث أسكن، إلى طريق الأوتوستراد المؤدّي إلى حلوان، حيث مجمّع سجون طرة (ب).

ربّما تكون الرحلة أيسر لو كان الانتقال عبر تاكسي أجرة. ولكن هذا يعدُّ رفاهية وتبذيرًا لا يليق بزوجة معتقل انقطعت عنه أسباب الرزق. تقع منطقة سجون طرة (ب) على طريق الأوتوستراد السريع. وعلى خلاف منطقة سجون طرة (أ) التي تستقبلني فور نزولي من محطة مترو طرة البلد، يلزمني للوصول لمنطقة سجون طرة (ب) استقلال ميكروباص إلى اﻷوتوستراد. بيني وبين سجن طرة إذن ثلاثة ميكروباصات، ورحلة مترو أقطعها ذهابًا وإيابًا.

في هذه الرحلة الأسبوعية، أرى كلّ شيء مختلفًا من حولي. تبدو لي الحياة باهتة رماديّة دون ألوان. في المترو، أطالع وجوه الطالبات الذاهبات لمحاضراتهن إلى جامعة حلوان، وأرى معها براءة من لم يعاصر ثورة أو مجازر أو عنف. كيف يمكن للحياة أن تكون “عاديّة” هكذا، بعد خمس سنوات أثقلت فيها علينا الدولة عنفًا وقتلًا واعتقالًا؟ كيف يمكن لجيلنا، الذي أضحت حوادث العنف جزءًا من ذاكرته، أن ينحيها جانبًا أو يتنكّر لها ليفسح المجال لجيل جديد لينمو وليجرب الحياة، وقد تكون لديه اختيارات أخرى غير اختيارات جيلنا.

الركّاب الذين يستقلون معي الميكروباص ذاهبون هم كذلك إلى أعمالهم اليومية في الصباح. يمرّون معي بمحاذاة سور سجون طرة المختومة بختم وزارة الداخليّة. قد لا يدري الركّاب شيئًا عن هذا السور وقد لا يسألون عن ماهيته. وحدي أنا من يعني لها هذا السور نهاية الرحلة، ومقصد السفر القصير الذي يستغرق ساعة ونصفًا من الزمن، وكثيرًا من المشقة والعنت.

تنتهي هذه الفترة الرمادية عندما أعلو بصوتي منادية السائق: “من فضلك عايزة أنزل السجن”. أحاول النطق بهذه الكلمة على الملأ، على أناس لا أعرفهم، لأرى أثرها على وجوههم. في محاولة لتطبيع السجن مع الحياة ليبدو الأمر “وكأنّه” عادي. فكما أذهب للجامعة، لزيارة الأهل، للقاء أصدقاء في كافيه، أو لحضور ندوة، أذهب كذلك إلى السجن، مرّة في الأسبوع.

منطقة سجون طرة “ب”

يبدو لي مجمع سجون طرة في داخل المدينة، ولكن خارجها في الوقت ذاته، وكأنّه منطقة فصلت ونزعت من المدينة. بمجرّد دخولي إلى “حرم” منطقة سجون طرة أشعر أنّ روحي وجسدي لم يعودا ملكي. لست أنا من تقرر أين تقف، ماذا تقول، أو بمن تتصل! الجنود يحرسون منطقة السجون كما لو كانوا يحرسون حرمًا مقدّسًا. العساكر ينتشرون في كل مكان، يذرَعون الساحة الخارجية للسجن ذهابًا وإيابًا ويتمركزون حول البوابة الحديديّة.

ليس من عادتي الهتاف ورفع الصوت، ولكن هذا هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنّي أريد أن أزعَقَ ويعلو صوتي غضبًا وحنقًا وغيظًا وكمدًا. لا يمكنني ذلك، فمئات الجنود وعشرات الضباط المدجّجين بالأسلحة على أهبَة الاستعداد لسحق امرأة عزلاء لم تأت سوى لزيارة زوجها.

الجنود والضبّاط في وضع حرب دائم. لا أدري السبب، ولكني طالما سمعت نشطاء وثوريين يقولون إن هذا الوضع يعبّر عن الخوف. خوف من ماذا؟ هل يخاف الجنود المدججون من العزّل، ولذا فهم في وضع استعداد دائم؟ لا أراه هكذا، بل على العكس، أراه استعراضًا للقوة والجبروت لفرض واقع “أستطيع سحقك وإنهاء حياتك في أي لحظة”، ما يذكّرني بقول فرعون “أنا أحيي وأميت”.

طابور الزيارة

طابور الزيارة هو أولى محطّات خط القهر. في هذا المكان أفقد هويتي، لا أعود خديجة، ولكن أصير ما يشبه “الشيء” الذي عليه الانتظام كسابقه وتاليه في خط يشبه خط إنتاج المصنع، ولكنّه من نوع آخر، قد يكون خطّ القهر أو القمع أو ما شاء لك أن تشعر. في هذا المكان لا أعود أنا، بل أتحوّل إلى “زيارة”. هكذا سألني أحد المخبرين مرّة قبل أن يمنعني من ركوب ميني باص الموظفين من أمام سجن المزرعة للوصول للبوابة: “انتي موظفة ولاّ زيارة؟”

أقف في طابور الزيارة بانتظام بالغ، قلّما تعودت عليه. يكفي شعورك بأنّك “شيء” يمر عبر “خط” لينزع منك أي رغبة في المقاومة أو ميل إلى الرفض أو حتّى شعور بالكره. من يكره ويظلم ويحب ويقاوم هو إنسان، وليس شيئًا. لا تتملكني حتى الرغبة في المشاركة في “الدعاء على الظالمين.” بضع كلمات تقال هي كل ما يملكه الضعيف أمام عربات مخيفة وأفراد مدججين بالسلاح!

طابور الزيارة يتحرّك تلقائيًّا. يمكنك تقبل هذا إذا أدركت أنّك شيء يتلوه شيء ويسبقه شيء. قد تستمر دورة الشيء/الزيارة في الطابور لساعة، أكثر أو أقلّ. أصل تلقائيًّا إلى محطتي الأخيرة.

الطابور عالم بذاته. الأشياء في الطابور هي نحن الزائرات وما نحمله من أمتعة للزيارة. ولكن أمرًا غريبًا يجعل النساء لا يكلمن بعضهن وهنّ يعرفن أنّ معظمهن زوجات وأمهات معتقلين سياسيين. تكثر النساء ويقلّ الرجال في طابور الزيارة. أستطيع التمييز، ومن الشكل فقط، بين من تأتي لزيارة أخ من الإخوان المسلمين بتهمة انتمائه لجماعة إرهابية، ومن تأتي لزيارة شاب من الشباب المتهمين بالانضمام لجماعة أُسست على خلاف القانون، ومن تأتي لزيارة ضابط محبوس على ذمّة قضية أموال عامّة. في طابور الزيارة، لا فرق بيننا.

يبدأ الحديث على خجل، فأهل المحبوس الجنائي يحمدون الله على نعمة أن حبيسهم ليس سياسيًا. نعم، في مصر، تبدو تهمة السياسي أخطر من تهمة الجنائي!

عربات الأمن المركزي

لا يقطع صمتنا أو حديثنا في الطابور سوى صفارات الإنذار التي تنطلق مدويةً من عربات الأمن المركزي. الصفارات ترعبني، وأحيانًا أجد نفسي أجهش بالبكاء رغمًا عنّي، أشعر بالقهر المزدوج.

تخرج قافلة من العربات في مشهد يصيب بالذعر والخوف. العربة تلو العربة، وكل واحدة تطلق صفارات. ففي كل يوم، تنطلق ما بين 4 إلى 10 عربات أمن مركزي من السجن، تتقدمها قوة أمنية إلى نيابة أمن الدولة وإلى محكمة جنايات القاهرة. في كل يوم جلسات محاكم وجلسات تجديد. هذا هو الروتين اليومي. اﻷمر ليس غريبًا.

تحمل كل عربة عشرات السجناء. لا تمكنني معرفة عددهم وقضاياهم حتّى أعود إلى المنزل وأقرأ أخبار الصحف عن جلسات التجديد والمحاكمات. هناك عربات ترحيلات جديدة أضيفت للعربات القديمة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المعتقلين. العربات الجديدة لونها زيتي، لا يوجد بها سوى شباك واحد صغير، تبدو أكثر قتامة وجدية في القمع من العربات القديمة.

يوقف ضابطٌ على موتوسيكل شارعَ الأوتوستراد، وتستمر العربات بإطلاق الصفارات لإدامة حالة الذعر المغلّف بالروتينية. تمرّ العربات من السجن إلى الجانب الآخر من الأوتوستراد.

يعلن المعتقلون في العربات عن وجودهم. يهتفون: “يسقط يسقط حكم العسكر”، “يسقط كل كلاب العسكر”، ترد عليهم الزائرات بنفس الهتاف “يسقط يسقط حكم العسكر”. هتافات نسمعها ولا نرى من يهتفون بها، لكنّنا متيقنون من وجودهم. لم أستطع مرة تمييز الهتاف، فسألت رفيقتي في الطابور التي قُبضَ على زوجها من مظاهرة وحُبس من عشرة أشهر، قالت لي إنهم يهتفون: “لن تسقط أمّة قائدها محمّد”.

اللحظة اﻷصعب عليّ في الطابور هي لحظة مرور قافلة عربات الأمن المركزي المحمّلة بالمساجين. في هذا المكان من شارع الأوتوستراد، أشعر أنّي أتنفس العنف، أرى العنف. العنف لا يقتلني، لا يدمرني، ولكنّه يستولي على روحي ويقمع نفسي. لا شيء يصيبني بالذعر أكثر من عربات الأمن المركزي الضخمة القبيحة، التي تبتلع الكثرة من المساجين وكأنّهم أشياء.

في لحظات أخرى، حين أرى العربات تنطلق، أجد لديّ رغبة عارمة في اللحاق والتشبث بها. أتخيل للحظة لو أمكنني فتح أبوابها الموصدة، أتخيل لحظة التحرر هذه، لحظة استعادة الإنسانية. أتخيّل الأجساد المتتالية الراكضة بسرعة، والضحكات التي ستعلو وجوه الأجساد المنهكة، وأتخيّل فرحة النساء والأطفال، والفوضى الضاحكة! مجرّد خيالات لا تتجاوز أحلام يقظتي.

ورغم الهلع الذي يصيبني به مشهد عشر سيارات أمن مركزي متتالية تطلق صفارات ضخمة، تتقدّمها قوة أمنية مدجّجة بالسلاح، ويمهد لها شرطي على موتوسيكل وظيفته قطع طريق الأوتوستراد وإيقافه، يبدو لي المشهد وكأنه لا يخلو من مفارقة كوميدية؛ كل هذا التوتر والضغط والجدية البالغة والأسلحة لنقل بضع مئات من مساجين عزّل، لا يملكون سوى أجسادهم وأيديهم وحناجر تعلو بهتاف إن أرادوا!

موظفو السجن

ترى ما الذي كان هذا الجهاز وكل هؤلاء الموظفين اﻷمنيين يعملونه قبل اعتقالنا وسلب حياتنا؟ هل يُعقل أن تكون وظيفة شخص ما في الحياة هي “سلب الحياة”، وأن تستمر الحياة رغم ذلك غير عابئة؟

الضابط المسؤول عن السجن يذرع ساحة السجن ذهابًا وإيابًا. يمكنك التعرّف عليه بسهولة رغم عدم ارتدائه الزي الرسمي “الميري.” يمكنك تمييزه لأنه يمارس أمامنا دور “أنا أحيي وأميت”.

يمشّط مخبرو الضابط باحة مجمّع السجون وطابور الزيارة بهمّة ونشاط. يأمرهم الضابط: “شوفولي أي حد هنا بيصوّر”. العديد من صور طرة المنشورة على الإنترنت، والتي التقطتها النساء الزائرات، منعها الضابط.

الثقب الأسود

في هذا المكان، عند باحة سجن طرة، يقع عالم آخر مواز. من يسقطون من عالمنا ويدخلون في هذا الثقب الأسود، يظهرون هناك، ولكن دون حياة. يُطْبق عليهم الموت الأصغر، موت السجن، حيث لا صوت لهم، ولا ينبغي أن يكون. وحين يختفي الصوت يختفي الوجود، مجرّد الوجود، ويتحول الموجود إلى معلوم، نعلم بوجوده ولكن لا نشعر به، ولا نحاول إظهاره للوجود مرّة أخرى.

وحين يكون الإسكات وفرض الصمت المطبق طريقة جديدة للإماتة؛ (أنا… أميت)، تلح عليّ الكتابة، حيث لا يعيدني إلى الحياة سوى الكلام.

اعلان
 
 
خديجة جعفر