Define your generation here. Generation What
الدرويش الأمريكي غير المندمج
 
 

تتناول رواية “الدرويش الأمريكي”، للكاتب الأمريكي من أصل باكستاني “عايد أخطر”، والصادرة عام 2012، قصة شاب باكستاني-أمريكي في صراع مع هويته ودينه. تتمحور الرواية حول مجتمع الأمريكيين من أصل باكستاني بالأساس، ولكنها بجانب هذا تسلط الضوء على قوة الدين والتقاليد في تشكيل حياة الفرد بوجه عام، حتى وإن ترك موطنه الأصلي واحتك بمُجتمع مختلف تمامًا. كما تكشف الرواية عن أحد أهم جوانب أزمة المُهاجرين المُسلمين، وهي عدم قدرتهم على الاندماج مع المُجتمع الجديد، وعدم رغبة هذا المُجتمع في استيعابهم، مما يُعمق لديهم الشعور بأزمة الهوية. حظت الرواية باستقبال حافل وترجمت إلى عشرين لغة حتى اﻵن، واعتُبرت أفضل رواية صدرت في 2012، على يد مجلات أدبية مثل “بيبول”، وبروكلين رييل”، و”ميلواكي جورنال”، و”جلوب آند ميل”.

عايد أخطر.jpg

عايد أخطر

ولد الكاتب في مدينة نيويورك عام 1970. درس المسرح بجامعة براون، ومثّلَ في عدد من المسرحيات بالجامعة، ثم سافر إلى إيطاليا لدراسة التمثيل، وبعدها عاد ليحصل على الماجستير في التمثيل من مدرسة الفن بجامعة كولومبيا. كتب عدة سيناريوهات لأفلام تلفزيونية وقصيرة، وكذلك أفلام سينمائية؛ أشهرها فيلم “الحرب من الداخل”، والذي لعب دور البطولة فيه. كما كتب أربع مسرحيات وشارك بالتمثيل فيها، ومن أشهر مسرحياته “المفضوح”؛ والتي نال عنها جائزة “بوليتزر” في الدراما عام 2013، وأصبحت أكثر المسرحيات عرضًا على خشبة المسرح في موسم 2015- 2016.

في أعماله الفنية يتناول أخطر أوضاع المُهاجرين، والمُسلمين الأمريكيين من أصل باكستاني خاصة، كما يُركز على دور الدين في تشكيل الهوية الثقافية؛ وتأثيره على النساء على وجه الخصوص. قال في لقاء معه إنه رأى في طفولته الكثير من النساء اللاتي تأثرت حياتهن بالدين، وقرر تناول تلك الفكرة في روايته، وأن يكون محورها هو التمييز الذي تتعرض له النساء المُسلمات، ونظرة المٌسلمين إلى أنفسهم.

تُسرد الرواية من وجهة نظر “حياة شاه”، وهو شاب أمريكي من أصل باكستاني، يعيش مع أبويه المُسلمين العلمانيين. تأتي صديقة أمه “أمينة”، أو “مينا” كما يطلّق عليها، للإقامة معهم في المنزل بعد هربها من باكستان. مينا سيدة جميلة وذكية، عاشت حياة زوجية فاشلة انتهت بطلاق عاصف اضطرها للهرب إلى الولايات المُتحدة لتحتفظ بحضانة ابنها “إمران”. تتسم مينا بالتدُين واحترام العادات والتقاليد رغم القهر الذي تعرضت له بسببها. تتقرب من حياة وتعلمه القرآن وتحكي له قصصًا صوفية. يتعلق الشاب حياة بمينا، ويُعلن لها عن رغبته في حفظ القرآن بعد أن تخبره بأن حافظ القرآن يضمن الجنة لأبويه.

في تلك الأثناء، تقع مينا في حب ناثان، الصديق اليهودي المقرب للدكتور شاه. يبدي ناثان اهتمامًا بالإسلام ويُعرب عن رغبته في اعتناقه. هنا نكتشف أن الدكتور شاه مُلحد، ويحذر صديقه من اعتناق الإسلام، ومن جشع إمام المدينة واهتمامه بالمال. ومع إصرار ناثان، يذهب معه شاه ومينا إلى المسجد لكي يُعلن إسلامه، إلا أن الإمام يلقي خطبة عصماء ضد السامية، مما يجعل ناثان يتراجع عن اعتناق الإسلام، لكن خطة الزواج لا تتوقف. يشعر حياة بالغيرة منه فيرسل برقية إلى زوج مينا السابق، وعائلتها في باكستان، ليُخبرهم بعزمها على الزواج من يهودي. تهدد العائلة بالتبرؤ منها إن أقدمت على هذه الخطوة، فتنصاع لهم وتتراجع عن الزواج، مما يدفع ناثان إلى ترك المدينة والانتقال إلى بوسطن. تتزوج مينا بعد ذلك من سونيل؛ رجل أمريكي من أصل باكستاني، وتكتشف بعد الزواج أنه رجعي ومُتعسف.

يحاول الدكتور شاه إثناء ابنه عن حفظ القرآن، ويحرق مصحفه، ولكن حياة يظل يحفظ القرآن سرًا في المدرسة، حتى يخبره أحد أصدقائه المُسلمين أن حفظ القرآن يجب أن يكون باللغة العربية، فيتوقف عن هذا. وبعد ثماني سنوات، يكتشف أن مينا مريضة بالسرطان، وأنها على وشك الموت، فيعترف لها بأنه أرسل البرقية التي دمرت حلمها، ولكنه يكتشف، بعد موتها، أن علاقتها مع ناثان كان مُستمرة سرًا.

تناقش الرواية سؤال الهوية لدى الجيل الثاني من المُسلمين الذين ولدوا في الغرب، ويبحثون عن جذور ثقافية؛ وأهمها بالطبع الدين واللغة. يسعى حياة لتوطيد معرفته بالدين، بينما والده مُلحد ووالدته علمانية. ربما يرتبط سعيه في البداية بمحاولة التقرب من مينا، ولكنه يستمر في البحث حتى بعد أن تبددت أوهامه بشأنها. يثير إصراره الدهشة، فقد ظلَّ يحفظ القرآن سرًا بعد غضب أبيه. ربما يتعلق الأمر بعدم انسجام الجيل الثاني من أبناء المُهاجرين مع المُجتمع؛ مما يدفعهم للبحث عن هوية جديدة.

تناقش الرواية كذلك الازدواجية التي تميز نظرة المُهاجرين إلى موروثهم الثقافي؛ إذ يراه البعض درعًا في مواجهة الحياة في الغرب رغم معاناتهم معه أو حتى رفضهم له. مينا هي المثال الأوضح على هذه الازدواجية؛ فالسيدة التي فرَّت من تعسف الرجال باسم الدين والعادات والتقاليد، ترى أن عليها نشر هذا الدين وهذه العادات والتقاليد في المُجتمع الأمريكي من أجل إصلاحه! ومن الغريب أن مينا، التي نجحت في الحصول على الطلاق والهرب إلى الولايات المُتحدة، تخضع لرأي عائلتها خوفًا من نبذهم لها. كما أن هناك تناقضًا آخر تمثل في علاقتها السرية بحبيبها ناثان رغم ورعها وتدينها، مما يضع الحب في مُقابل الدين، كقوة دافعة في تغيير حياة وسلوكيات البشر.

على الجانب الآخر، يُمثل الدكتور شاه نموذجًا للانسلاخ عن الدين والموروثات الثقافية القديمة بشكل واضح وحاسم. قد يرجع السبب إلى مُحاولاته التمرد على نمط حياة قديم وعقيم من وجهة نظره، أو لأنه تأقلم مع المُجتمع الجديد، ووجد هويته في عمله، وبالتالي لم يُعد بحاجة إلى دعم روحي في مواجهة الحياة، إلا أنه يظل يُعاني ازدواجية واضحة هو الآخر، فقد حرص على قمع ابنه ومنعه من التعلق بالدين، رغم إيمانه بالحرية المُطلقة.

تُشعرنا الرواية أن التشوه أصاب الجميع، وإن بدرجات مُتفاوتة، وأن المُهاجر غير قادر على الانسلاخ التام عن ثقافته القديمة، ولا الاندماج التام في الثقافة الجديدة، ويظل ضحية استقطاب قوي يدفعه إلى حالة من الاغتراب؛ تؤدي به إلى البحث عن صيغة توافقية أحيانًا، ومُتطرفة أحيانًا أخرى، من أجل استعادة هويته المفقودة.

اعلان
 
 
نصر عبد الرحمن