Define your generation here. Generation What
هل انتهت الليبرالية الجديدة؟ *
 
 

أدت بعض سياسات الليبرالية الجديدة إلى اتساع هوة اللامساواة وصولًا إلى تهديد النمو المستدام على عكس ما كان متوقعًا من تلك السياسيات.

كان الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل عام 1976، ميلتون فريدمان، قد امتدح تشيلي عام 1982 ووصفها بـ”المعجزة الاقتصادية”. وقبلها بعقد تقريبًا كانت تشيلي قد بدأت في تبني حزمة من السياسات التي أخذت في الانتشار حول العالم. الليبرالية الجديدة -وهو مسمى جرى تبنيه من قبل منتقدي تلك السياسات أكثر ممن روجوا لها- تستند على رافعتين أساسيتين، الأولى هي زيادة المنافسة عبر تقليص القيود وفتح الأسواق المحلية على مصرعيها، بما فيها الأسواق المالية، أمام المنافسة الأجنبية، والثانية هي تقليص دور الدولة عبر الخصخصة وكبح عجز الموازنة والدين العام.

أخذ نطاق الليبرالية الجديدة يتسع ويشتد عودها كصرعة عالمية منذ الثمانينيات، تبعًا لمؤشرات مركبة تقيس مدى ما بلغته البلدان من إتاحة المجال أمام المنافسة في مجالات النشاط الاقتصادي المتباينة، على نحو يحفز النمو. وهو الطريق الذي سلكته تشيلي قبل عقد من العام 1982 عبر سلسلة من التعديلات المتوالية على السياسات المتبعة، على نحو اقتربت معه من الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق. واتجهت دول أخرى في العالم إلى تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة.

ثمة الكثير مما يستدعي المديح في الليبرالية الجديدة: نمو التجارة العالمية الذي أنقذ الملايين من الفقر المدقع، الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ظلت على الدوام سبيلًا لنقل التكنولوجيا والخبرات للدول النامية، خصخصة الاستثمارات المملوكة للدولة التي أدت في حالات كثيرة إلى توفر الخدمات على نحو كفؤ وتخفيف الأعباء المالية من على كاهل الحكومات.

إلا أن ثمة جوانب في الليبرالية الجديدة لم تؤد إلى ما كان متوقعًا منها. تقييمنا لوصفات الليبرالية الجديدة مرتبط بتأثيرات عاملين: إزالة العوائق أمام حركة رأس المال عبر الحدود، أو ما يطلق عليه “تحرير الأرصدة”، والانضباط المالي، الذي يطلق عليه أحيانًا “التقشف”، في إشارة مختصرة للسياسات التي تستهدف تخفيض العجز المالي ومستويات الدين العام.

لكن تقييم هذان العاملان بعينهما، بدلًا من جدول أعمال الليبرالية الجديدة عمومًا، ينتهي إلى ثلاثة نتائج تثير القلق: الأولى، صعوبة التأكيد على حقيقة التأثير الإيجابي على النمو حال النظر إلى مجموعة واسعة النطاق من البلدان. والثانية، التكلفة فيما يتعلق باتساع نطاق اللامساواة. هذه التكلفة هي مثال على نتائج التنازل عن العدالة مقابل إحراز النمو. والثالثة، اتساع نطاق اللامساواة يؤثر بدوره على معدلات النمو واستدامته، حتى لو كان النمو في حد ذاته هو الهدف الوحيد من تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة، ولهذا فمن الضروري أن يهتم المدافعون عن هذه السياسات بتأثيرها فيما يتعلق بتوزيع ثمار النمو.

انفتاح وانغلاق

قال كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، موريس اوبستفيلد، في عام 1998 إن “النظرية الاقتصادية لا تترك أي شك في الفوائد المحتملة” من وراء تحرير رأس المال، أو ما يطلق عليه أحيانًا بالانفتاح المالي، يمكن لهذا الانفتاح أن يسمح لسوق رأس المال العالمي أن ينقل المدخرات عبر الحدود ليصل إلى حيث يمكن الاستفادة منها. ويمكن للدول النامية أن تقترض لتمويل الاستثمار، ودفع النمو دون انتظار ارتفاع كبير في مدخراتها.

ومع ذلك فقد أشار اوبستفيلد لـ”الأخطار الحقيقية” لفتح المجال أمام تدفق المال الأجنبي، واستخلص من ذلك أن “ثنائية الفوائد والمخاطر تعد مصيرًا حتميًا لا يمكن للعالم الفكاك منه”.

هذه هي القضية إذًا، العلاقة بين الانفتاح المالي والنمو الاقتصادي معقدة، فبعض تدفقات رأس المال من قبيل الاستثمارات الأجنبية، والتي قد تشتمل على نقل للتكنولوجيا والخبرات،  يبدو فعلًا أنها تدفع النمو  على المدى البعيد. لكن تأثير أنماط أخرى من التدفقات، من قبيل استثمارات المحفظة والاستثمارات المصرفية والمضاربات الساخنة والاستثمارات في الدين، يبدو أنها لا تدعم النمو ولا تسمح للدول باقتسام المخاطر مع شركاءها التجاريين (ديل اريسيل و آخرون، 2008، براتي وسبيليبيرجو، 2009). هذا الافتراض قد يقود إلى نتيجة مفادها أن الفوائد من وراء تدفق رأس المال يعتمد على نمط هذه التدفقات، وقد يعتمد كذلك على طبيعة المؤسسات والسياسات.

وفي حين أن الفوائد على صعيد النمو غير مؤكدة، فالتكلفة على صعيد زيادة الهشاشة الاقتصادية، وتكرار الأزمات تبدو أكثر وضوحًا. فمنذ العام 1980، شهد العالم 150 ذروة من ذرى التدفقات في أكثر من 50 سوقًا ناشئة، وانتهي ذلك في 20% تقريبًا من هذه الحالات بأزمات مالية، وارتبطت الكثير من تلك الأزمات بتراجع الناتج المحلي الإجمالي (جوش، اوستري، وقرشي و2016).

منح تكرار ثنائية الازدهار والانكماش المصداقية لرأي أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، داني رودريك، الذي اعتبر تلك الثنائية “ليست ظاهرة جانبية كالخدوش في مرآة التدفقات الرأسمالية العالمية، بل هي صلب القصة”. صحيح إن هناك عوامل كثيرة تساهم في وقوع الأزمات، لكن زيادة انفتاح الأسواق أمام رأس المال يمثل أحد عوامل المخاطرة في هذه الحلقات. وبخلاف زيادة احتمالات الانهيار، يتضمن الانفتاح المالي هذا تأُثيرات على صعيد التوزيع، وعلى اتساع نطاق انعدام العدالة (انظر فيوسيري ولونجاني، 2015، حول النقاش عن القنوات التي يعمل عبرها تدفق رأس المال الأجنبي). وعلاوة على ذلك، تتزايد تأثيرات، فتح الأسواق –فيما يتعلق بالعدالة- مع تكرار الأزمة.

وأدى تزايد الدلائل على ارتفاع كلفة تلك السياسات قياسًا إلى فوائدها، خاصة فيما يتعلق بالتدفقات قصيرة الأجل، إلى تساؤل النائب السابق للمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي حول “جدوى التدفقات الرأسمالية قصيرة الأجل؟”. أما صانعو السياسات، فقد تقبلوا فرض القيود على تدفقات الاستثمار على الدين، التي ينظرون لها كمصدر محتمل –ربما مع عوامل أخرى– للأزمات المالية. وفي المقابل، فالقيود على تدفق رأس المال هي إحدى الأدوات الفعالة -ضمن أدوات أخرى كسعر الصرف والسياسات المالية المساعدة- وفي بعض الأحيان تصبح الخيار الوحيد حين يكون مصدر تدفق طفرات رأس المال غير المستديم هو الاقتراض من الخارج (اوستري وأخرون، 2012).

دور الدولة

يشتمل جدول أعمال الليبرالية الجديدة على جانب آخر يتعلق بكبح دور الدولة، وتعد خصخصة الأدوار التي تقوم بها الحكومة هي إحدى وسائل تحقيق هذا الهدف، والأخرى هي تقليص إنفاق الحكومة لتحجيم عجز الموازنة وتقييد الحكومات فيما يتعلق بتراكم الدين. ويتضمن التاريخ الاقتصادي في العقود الأخيرة نماذج كثيرة على هذه القيود، من قبيل حد أقصى للدين العام يبلغ 60% من الناتج المحلي الإجمالي التزمت به بعض البلدان في مسعى للالتحاق بمنطقة اليورو، ضمن ما يسمى بمعايير ماستريخت.

وتقدم النظرية الاقتصادية القليل من التوجيه حيال المستوى المثالي المنشود للدين العام. بعض النظريات تبرر معدلات أعلى من الدين، نظرًا لما تسببه الضرائب من تشويه للاقتصاد، والأخرى تتضمن معدلات أقل، بل وسالبة في بعض الأحيان، بناء على ما تستدعيه محاولة تحاشي الصدمات من التحوط عبر الإدخار. كثيرًا ما كان الهم الأكبر لصندوق النقد الدولي منصبًا على بعض النصائح المالية للبلدان حول سرعة تخفيض الحكومات لمعدلات العجز والدين بعد استفحال أمره نتيجة الأزمات المالية العالمية في الاقتصادات المتقدمة، سرعة بطيئة جدا على نحو قد تؤدي لضياع ثقة الأسواق، أو سريعة جدًا على نحو يعرقل النمو. لكن صندوق النقد الدولي لطالما طالب عدد كبير من البلدان بين المتقدمة والناشئة كذلك بخفض معدلات الدين في المدى المتوسط، كمسعى للتحوط ضد الصدمات في المستقبل بالأساس.

لكن هل هناك قضية يمكن الدفاع عنها لدى دول مثل ألمانيا، المملكة المتحدة، أو الولايات المتحدة، فيما يتعلق بخفض الدين العام؟. الدفاع عن تخفيض الدين في الدول التي تتمتع بمساحة مالية مريحة، وهي دول يحتمل ألا تتعرض لأزمة مالية، يستند إلى حجتين، الأولى هي  أنه بالرغم من أن الصدمات من قبيل الكساد الكبير في الثلاثينيات أو الأزمة المالية العالمية في العقد الماضي نادرًا ما تحدث، إلا أنه من المفيد السعي لتخفيض الدين في أوقات الهدوء. بينما الحجة الثانية تستند بدورها إلى نظرية مفادها أن مستويات الدين العالية مضرة بالنمو، وبالتالي فتمهيد الطريق أمام النمو يستلزم تخفيض الدين.

من المؤكد طبعًا أن خيارات الكثير من البلدان، كدول جنوب أوربا مثلًا، محدودة فيما يتعلق بالضبط المالي، لأن الأسواق لن توافق في ظل أي خيار آخر على السماح لها بمواصلة الاقتراض، لكن الحاجة للانضباط في بعض البلدان لا تعني أن الأمر ذاته يسري على كل البلدان. يجدد هذا المشهد القلق بطبيعة الحال من الوصفات الجاهرة لكل الحالات.الأسواق عمومًا لا تتوقع الأسوأ فيما يتعلق بوقوع الأزمات حينما يرتبط الأمر بالبلدان صاحبة السمعة الجيدة على صعيد التصرف بمسئولية حيال المالية العامة (ميندوزا واوستريو2007). هذه السمعة الجيدة تمنح تلك الدول -في حالة ارتفاع الدين العام- الحرية لأن تقرر عدم رفع الضرائب أو تخفيض الإنفاق الذي يسهم في النمو (اوستري وآخرون، 2010، جوش وآخرون، 2013).

بالنسبة لتلك البلدان، تعد الفائدة قليلة من وراء تخفيض الدين كآلية لتجنب أي أزمة مالية في المستقبل، حسبما أثبتت التجربة، حتى في حالة ارتفاع الدين لمعدلات عالية للغاية قياسًا للناتج المحلي الإجمالي. فعلى سبيل المثال لم يعكس تخفيض الدين العام من 120% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 100% عبر سنوات قليلة فائدة تذكر فيما يتعلق بتخفيض مخاطر الأزمة (بالداتشي وآخرون، 2011).

لكن حتى في حال كانت الفائدة من وراء هذا الإجراء الإحترازي، فالأمر قد يستحق العناء. لكن واقع الأمر أن التجربة أُثبتت أن تكلفة هذا المسعي ستكون عالية جدًا، أعلى بكثير من الفائدة. السبب وراء ذلك هو أن الوصول لهدف تخفيض الدين، يحتم رفع الضرائب التي تسبب تشوهًا للسلوك الاقتصادي، أو تخفيض الإنفاق ذو الطابع الإنتاجي، أو ربما الإثنين معًا. ربما تكون تكلفة هذا المسعى أو ذاك أعلى بكثير من الفائدة المترتبة على تخفيض احتمالات الأزمة عبر تخفيض الدين (أوستري، جوش، اسبينوزا، 2015). لا يجب أن يفهم من هذا إنكار التأُثير السلبي لارتفاع الدين على النمو والرفاهية، بالطبع ثمة تأثير. لكن كلفة الرفاهية عبر الدين العالي هو أمر قد حدث بالفعل ولا يمكن علاجه. والحل حيال هذا الوضع هو الاختيار بين العيش في ظل دين عالي، وتركه لينخفض كنسبة من الناتج المحلي على نحو طبيعي مع ارتفاع معدلات النمو، أو السعي بشكل عمدي لتوليد فوائض من الموازنة العامة لتخفيض الدين. الحكومات ذات المساحة المالية المريحة ستجني نتائج أفضل في ظل الاختيار الأول.

السياسات التقشفية لا تؤثر فقط على جانب العرض، وإنما تؤثر سلبًا على الطلب كذلك، وهو ما ينعكس بدوره سلبًا على التشغيل والبطالة. لطالما دافع خبراء من قبيل أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد البرتو اليسينا ومحافظ البنك المركزي السابق، جون كلود تريشيه، عن افتراض مفاده أن الانضباط المالي يمكن أن يكون توسعيًا، أي أن يودي للتشغيل وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، عبر رفع الثقة لدى القطاع الخاص، وبالتالي دفع الاستثمار. لكن التجربة أثبتت أن الحلقات المتتالية من الضبط المالي تلاها إجمالًا إنخفاض في الناتج المحلي بأكثر من المرات التي شهد فيها ارتفاعًا.

نتائج التجربة تشير إلى أن تخفيض العجز في الناتج المحلي بواقع 1% يؤدي لارتفاع معدل البطالة بواقع 0.6%، ولارتفاع في معامل “جيني” لقياس عدالة توزيع الدخل بواقع 1.5% (بول وآخرون، 2013).

وإجمالًا، تبدو الفوائد المترتبة على اتباع بعض السياسات التي تمثل جوانب أساسية في الليبرالية الجديدة أمرًا مبالغًا فيه بعض الشيء. فيما يتعلق بالانفتاح المالي، تبدو بعض أنماط تدفقات رأس المال من قبيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأنها تثمر الفوائد المتوقعة منها فعلًا. لكن بالنسبة للأنماط الأخرى، وبالذات تلك المتعلقة بتدفقات رأس المال قصيرة الأجل، يبدو جني الفوائد عسيرًا، بينما المخاطر، فيما يتعلق بزيادة هشاشة الاقتصاد وارتفاع احتمالات الأزمات، تحوم في الأفق. 

فيما يتعلق بالضبط المالي، فقد جرى التقليل من نتائجه السلبية على المدى القصير، والمرتبطة بالرفاهة وبانخفاض الناتج المحلي وارتفاع معدلات البطالة، بينما جرى التقليل من شأن رغبة البلدان ذات المساحة المالية المريحة في العيش في ظل معدلات عالية من الدين، وتركها لتنخفض بشكل طبيعي مع ارتفاع معدلات النمو.

رد فعل عكسي

وعلاوة على ذلك، فمنذ ارتبط تطبيق الانفتاح والتقشف بزيادة مستوى اللامساواة ، أصبحت التأثيرات المتعلقة بسوء توزيع الدخل تؤدي دورًا عكسيًا فيما يتعلق بالنمو. فقد يلعب تراجع العدالة، بسبب الانفتاح المالي والتقشف، دورًا معاكسًا فيما يتعلق بتحقيق النمو الذي يعد دعمه الهدف الأكبر من وراء تطبيق وصفات الليبرالية الجديدة. إذ أصبحت الدلائل القوية الآن متوفرة على التأثير السلبي لانعدام المساواة  على معدل النمو واستدامته (اوستري، بيرج، تسانجاريداس، 2014).

وتشير الدلائل حول الأَضرار الاقتصادية لانعدام العدالة إلى ضرورة انفتاح صناع السياسات على عملية إعادة توزيع الدخل بأكثر مما هم عليه الآن. وبالطبع، بعيدًا عن إعادة التوزيع، لابد أن تسعى السياسات الاقتصادية نفسها للتخفيف من أثر الكثير من الإجراءات على نحو مسبق عبر زيادة الإنفاق على التعليم والتدريب، ما يدعم تكافؤ الفرص، فيما يطلق عليه سياسات التوزيع المسبق. كما أن استراتيجيات الضبط المالي -حينما يصبح من الضروري اتباعها- يمكن أن تصمم على نحو يقلل من تأثير أعراضها الجانبية على المجموعات الفقيرة. لكن في بعض الأحيان، ينبغي علاج العواقب السيئة المترتبة على سوء التوزيع بعدما تقع فعليًا باستخدام الضرائب وعبر الإنفاق الحكومي لإعادة توزيع الدخل. ومن حسن الحظ، إنه ما من مخاوف بشأن تأُثير تلك السياسات على النمو.

البحث عن التوازن

تشير هذه النتائج إلى الحاجة إلى نظرة أكثر تدقيقًا فيما يمكن فعلا لليبرالية الجديدة أن تحققه. ويمثل صندوق النقد الدولي عبر ما يطلع عليه من النظام النقدي العالمي  طليعة هذا التوجه نحو إعادة النظر والتدقيق.

فعلي سبيل المثال، كان أوليفييه بلانشار، كبير الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي سابقًا، قد قال في 2010 إن “ماهو مطلوب من الاقتصادات المتقدمة هو الضبط المالي الذي يعول عليه في الأجل المتوسط لا أن تصنع لنفسها مشنقة مالية الآن”. وبعدها بثلاثة سنوات قالت المديرة التنفيذية للصندوق، كريستين لاجارد، إن الصندوق يرى أن الكونجرس الأمريكي كان محقًا حينما قرر رفع الحد الأقصى للدين، “لأن الهدف ليس انكماش الاقتصاد عبر تقليص الإنفاق بقسوة في الوقت الذي ينتعش فيه التعافي”. ونصح صندوق النقد دول منطقة اليورو باستخدام المساحة المالية التي تتمتع بها تلك الدول في دعم الاستثمار.

وفيما يتعلق بالتحرير الرأسمالي ، فقد تغيرت وجهة نظر الصندوق، من تلك التي كانت تعتبر القيود على الرأسمال عاملًا معرقلًا على الدوام لزيادة الإنتاجية إلى تلك التي تتقبل أكثر المزيد من القواعد المنظمة للتعامل مع هشاشة التدفقات الرأسمالية. ويعترف الصندوق أيضًا بأن التحرير الكامل للرأسمال ليس هدفًا نهائيًا على الدوام، وأن المزيد من التحرير سيجلب المزيد من الفوائد وسيتضمن مخاطر أقل، حينما تصل البلدان التي تتبناه لبداية التطور المالي والمؤسسي.

صحيح أن تجربة تشيلي الرائدة حظت بمديح بالغ من ميلتون فريدمان، لكن العديد من الاقتصاديين أخذوا يتبنون شيئًا فشيئًا وجهة نظر تتضمن المزيد من التدقيق، وهي وجهة النظر التي يعبر عنها جوزيف ستيجليتز الأستاذ في جامعة كولومبيا، والحاصل أيضًا على جائزة نوبل.

ويرى ستيجليتز أن تشيلي “هي نموذج للنجاح في مزج الأسواق بالرقابة الملائمة” (2002)، وإن السنوات الأولى لتحولها نحو الليبرالية الجديدة شهدت فرض تشيلي لقيود” على تدفقات رأس المال تحاشيًا للغرق تحتها “كما حدث مع تايلاند، أول دولة آسيوية تتعرض للأزمة بعدها بعقد ونصف.

وتشير تجربة تشيلي، الدولة التي تتحاشى اليوم القيود على رأس المال، وتجربة غيرها من الدول، أنه ما من وصفة جاهزة قادرة على الوصول بكل الدول لأفضل النتائج في كل الأوقات. وينبغي على صناع السياسات والمؤسسات التي تقدم المشورة، من قبيل صندوق النقد الدولي، ألا تستند على قناعاتها، بل على ما أثبتته التجارب بالفعل.

———————————————————

* نُشر هذا المقال بالإنجليزية في عدد يونيو 2016 من مجلة التمويل والتنمية، التي يصدرها صندوق النقد الدولي.

اعلان