Define your generation here. Generation What

لماذا رحب نتنياهو بمبادرة السيسي ورفض المبادرة الفرنسية؟

 

نتنياهو يتلفت حوله بحثًا عن خدعة جديدة، وماذا يرى؟ يرى مصر!”

في مقاله المنشور أمس، الموافق 11 يونيو 2016، في عدة صحف ومواقع تحت عنوان “مجرد خدعة“، يكتب أوري أفنيري ناشط السلام البارز وعضو الكنيست السابق والكاتب الصحفي عن أسباب رفض حكومة نتانياهو-ليبرمان اليمينية للمبادرة الفرنسية لإحياء مفاوضات السلام والاعتراف بدولة فلسطين، مقابل ترحيبها الفوري بمبادرة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإحلال “سلام إقليمي”.

***

سمعت القصة التالية من السفير السويدي في باريس وقتها:

“في عام 1947، وأثناء مناقشة الأمم المتحدة لخطة تقسيم فلسطين، كنت عضواً في اللجنة الفرعية المختصة بالقدس. وفي يوم بعث اليهود بمندوب جديد. كان اسمه أبا إيبان، وكان يتحدث إنجليزية جميلة، أفضل كثيرًا من أعضاء اللجنة من بريطانيا أو الولايات المتحدة. تحدث لمدة نصف ساعة، وفي نهايتها لم يكن هناك شخص واحد في الغرفة لا يبغضه بشدة”.

تذكرت هذه الواقعة وأنا أشاهد على التلفزيون المؤتمر الصحفي الذي عقده دوري جولد، المدير العام لوزارة خارجيتنا. كان الموضوع هو مؤتمر باريس المنعقد مؤخرًا، والذي أدانته حكومتنا بشدة.

لم يعجبني جولد منذ المرة الأولى التي رأيته فيها. كان وقتها سفيرنا الجديد إلى الأمم المتحدة. قلت لنفسي [وقتها] أن انطباعي نحوه انطلق من عداء غير مستحق تجاه اليهود الأجانب (“يهود المنفى” كما يقولون في إسرائيل). كان جولد يتحدث العبرية بلكنة إنجليزية واضحة، وبدا أبعد ما يكون عن [الإله الإغريقي] أبوللو. كنت أفضل أن يكون مبعوثنا رجلا منتصب القامة، بملامح إسرائيلية، يشبه جيل الرواد، ويتحدث الإنجليزية بلكنة عبرية ثقيلة (أعلم أن هذا يبدو عنصريًا، وأشعر بالخجل الشديد من نفسي).

***

تناول المؤتمر الصحفي لجولد المبادرة الفرنسية للسلام بشأن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. يراودني الشك – مازال يراودني فقط- بأن هذه ليست في الحقيقة مبادرة فرنسية، وإنما مبادرة أمريكية مستترة. فالمبادرة تثير حنق الحكومة الإسرائيلية، ولا يملك رئيس أمريكي أن يفعل ذلك إن أراد- هو أو حزبه- أن يعاد انتخابهما.

فحكومتنا يتلبسها خوف رهيب: باراك أوباما يمقت نتنياهو، ولديه أسباب جيدة، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا حياله في العلن- ليس قبل منتصف ليل يوم الانتخابات. فسواء فازت هيلاري كلينتون أو (لا قدر الله) دونالد ترامب، سيبقى أوباما في منصبه لحوالي ثلاثة أشهر بعد الانتخابات، وخلال هذه الفترة سيكون حرًا كالعصفور (كما يقول الألمان). يمكنه وقتها أن يفعل ما يشاء، أن يحقق كل ما حلم به، ليلًا ونهارًا. وما حلم به كان بنيامين نتنياهو. كم هو لذيذ شعور الانتقام. ولكن فقط في نوفمبر. وحتى يأتي نوفمبر فإن على أوباما أن يرقص على أنغام نتنياهو، إلا أن أراد أن يؤذي مرشح الحزب الديمقراطي.

ماذا يمكن لأوباما أن يفعل في يونيو إذن؟ يمكنه أن يكلف آخرين بالمهمة. كأن يطلب من الفرنسيين على سبيل المثال أن يعقدوا مؤتمر سلام لتمهيد الطريق أمام الاعتراف بدولة فلسطين.

أن تطلب من الفرنسيين الدعوة لمؤتمر رفيع المستوى في باريس يشبه أن تسأل القطة إن كانت تريد بعض الحليب. لست في حاجة إلى انتظار الإجابة. ففرنسا، مثلها في ذلك مثل بريطانيا، تعيش على رثاء ماضيها الاستعماري، حين كانت باريس مركزًا للعالم وحين كان المتعلمون الألمان والروس، وبالطبع المصريون والفيتناميون، يتحدثون الفرنسية، وكانت جوازات سفر بلاد عديدة تطبع باللغة الفرنسية.

في ذلك الزمن كان نصف العالم يظهر على الخرائط باللون الأزرق الفرنسي، بينما يظهر النصف الآخر بالأحمر البريطاني. ذلك الزمن الذي قام فيه الدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو وزميله البريطاني مارك سايكس بتقسيم الشرق الأوسط العثماني بينهما، في مثل هذا الأسبوع منذ مائة عام بالضبط. 

فاجتماع وزراء خارجية العالم (فما بالك بالملوك والرؤساء) في واحد من قصور باريس الجميلة العديدة هو حلم فرنسي. والبريطانيون، الذين يجدون أنفسهم في موقف مشابه كثيرا، يرغبون في ذلك أيضًا، لكنهم مشغولون بالتعامل مع الرغبة الطفولية في الخروج من الاتحاد الأوروبي.

بصرف النظر، أصبحت الآن أمامنا هذه المبادرة الفرنسية، تجمع فاخر من وزراء الخارجية أو ممثليهم، يطالبون باستئناف مفاوضات السلام في ظل إطار زمني محدد، وبهدف معلن هو الاعتراف بالدولة الفلسطينية. 

***

يحب نتنياهو فرنسا. يحب أن يستمتع مع زوجته على الريفييرا الفرنسية، وأن يتناول العشاء في أغلى مطاعم باريس، وأن يقيم في أفخم شققها- طالما لم يضطر لدفع نفقة أي من ذلك. اكتشفنا ذلك الأسبوع الماضي، خلال محاكمة يهودي فرنسي متهم بإهدار مبلغ يقدر بمئات ملايين اليوروات، وتغطية نفقات عدد من رحلات نتنياهو. فنتنياهو لا يعتقد أن عليه أن يدفع نفقات ملذاته، وهو-مثل ملكة بريطانيا- لا يملك بطاقة ائتمان. 

ولكن الاستمتاع بالملذات الفرنسية شيء، والاستمتاع بالدبلوماسية الفرنسية شيء آخر. فنتنياهو الآن، حين لا يكون مشغولًا مع فريق محاميه، يكرس وقته من أجل هزيمة المبادرة الفرنسية.

لماذا بحق السماء؟ ماذا يسوؤه من تجمع لكبار رجال ونساء السياسة من أجل إعادة إطلاق عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية؟ في الواقع، كل شيء!

فعملية السلام تشبه كلبًا نائمًا. كلبًا خطيرًا. أثناء استغراق الكلب في النوم يمكن لنتنياهو أن يفعل ما يشاء- تكريس احتلال الأراضي الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات (بهدوء، بهدوء لكيلا توقظ الكلب)، وفعل مئات الأشياء اليومية التي تجعل الاحتلال “غير قابل للإنهاء”. والآن يأتي الفرنسيون ويدسون بأصابعهم في ضلوع الكلب.

البعض قد يسأل: وماذا في هذا؟ كم كان هناك في الماضي من مؤتمرات، وعمليات سلام، وقرارات دولية؟ إذا انعقد مؤتمر ضخم وناقش تفاصيل اتفاق سلام فإن إسرائيل لن تشارك فيه وسيتجاهل نتنياهو الأمر كله. كم مرة حدث هذا من قبل؟ لن يبعث الأمر حتى على التثاؤب. 

***

لكن هذه المرة قد تكون مختلفة. ليس بسبب المؤتمر بحد ذاته، وإنما بسبب المناخ الدولي.

فالغيوم تتجمع ببطء، ببطء شديد، في سماء إسرائيل الدولية. أشياء صغيرة تحدث كل يوم في جميع أنجاء العالم. قرار هنا، ومقاطعة هناك، إدانة هنا، ومظاهرة هناك. إسرائيل التي كانت تحظى بإعجاب العالم اختفت منذ وقت طويل.

حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات BDS تلاقي نجاحًا مبهرًا. صحيح أنها لا تضر كثيرًا بالاقتصاد الإسرائيلي، ولكنها تخلق رأيًا عامًا، ينطلق من الجامعات إلى خارجها، والمنظمات اليهودية تستغيث. ووصلنا الآن إلى اللحظة التي تتأثر فيها حتى المنظمات اليهودية نفسها. فالأنباء اليومية حول ما يحدث في الأراضي المحتلة وحتى داخل إسرائيل تؤذي اليهود، خاصة الشباب اليهودي. وقد أخذ كثيرون منهم يديرون أظهرهم تجاه إسرائيل، بل أصبح بعضهم ينشط في مقاومتها.

إسرائيل دولة قوية، لديها جيش ضخم يملك أحدث أنواع الأسلحة، واقتصاد قوي (خاصة في التكنولوجيا)، وتحقق نجاحات دبلوماسية متتالية. هذه إذًا ليست جنوب أفريقيا جديدة كما يود أن يظن نشطاء حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات BDS. هناك فروق ضخمة بين الحالتين: فنظام الأبارتايد كان يقوده سياسون متعاطفون مع النازية، بينما مازالت إسرائيل تركب الموجة العالمية من الندم والأسف على الهولوكوست. وجنوب أفريقيا اعتمدت على قوة عمل مشكّلة من السود الثائرين، بينما تستورد إسرائيل العمالة الأجنبية من دول كثيرة.

كما أن إسرائيل لا تعتمد على المساعدات المالية الأمريكية، التي لا تعدو كونها رفاهية. إسرائيل تحتاج إلى الولايات المتحدة لاستخدام الفيتو ضد الاقتراحات المعادية لها في الأمم المتحدة، ولكنها تستطيع تجاهل الأمم المتحدة، بل تتجاهلها بالفعل.

بالرغم من ذلك، وبالإجمال، فإن موقف إسرائيل الدولي الآخذ في التدهور يبعث على القلق. حتى نتنياهو يشعر بالقلق. فالعالم يتعامل- ببطء ولكن باضطراد- مع دولة فلسطين كحقيقة مفروغ منها وكشرط لإحلال السلام.

ولذلك فإن نتنياهو يتلفت حوله بحثًا عن خدعة جديدة، وماذا يرى؟ يرى مصر!

***

تعود علاقة إسرائيل بمصر إلى عدة آلاف من الأعوام. فمصر كانت قوة إقليمية بالفعل عندما ظهر بنو إسرائيل الأصليون. وبعد خروج اليهود الكبير من مصر (والذي لم يحدث أبدًا في الواقع) يخبرنا الكتاب المقدس عن الكثير من الصعود والهبوط في العلاقات بين مصر القوية وإسرائيل الشابة.

فعندنا حاصر الآشوريون القدس وتطلع اليهوذيون إلى المساعدة من مصر، رد الجنرال الآشوري ساخرًا: “إنك قد اتكلت على عكاز هذه القصبة المرضوضة، على مصر التي إذا توكا أحد عليها دخلت في كفه وثقبتها!” (سفر الملوك الثاني 18 سفر أشعياء 36).

الفرعون المصري الحالي عبد الفتاح السيسي هو الأمل الأكبر لنتنياهو. فمصر، المفلسة كما لم تكن من قبل، تعتمد على المملكة العربية السعودية. والسعوديون يعتمدون (سرًا) على إسرائيل في حربهم ضد إيران وبشار الأسد. وبذلك فإن السيسي أيضًا حليف (سري) لإسرائيل.

وكي يعزز السيسي من موقفه فإنه يتظاهر أيضًا بكونه صانعًا للسلام، ويدعو إلى مبادرة سلام “إقليمية”.

خلال هجومه على الفرنسيين، امتدح دوري جولد مبادرة السلام المصرية، واتهم فرنسا بتخريبها وبالتالي بمنع إحلال السلام. وبالمثل، فقد أعلن نتنياهو لفظيا قبوله بالمبادرة المصرية، مضيفًا أنها لا تحتاج سوى إلى “بضعة تعديلات”.

بالطبع تحتاج إلى تعديلات. فالسيسي أعلن خطته انطلاقًا من المبادرة السعودية للسلام في 2002، والتي تم اعتمادها من الجامعة العربية لتتحول إلى المبادرة العربية للسلام. وتشترط هذه المبادرة انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي المحتلة (بما في ذلك الجولان والقدس الشرقية)، واعترافها بدولة فلسطين، وإقرارها بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، الخ. وسيختار نتنياهو أن يموت ألف مرة قبل أن يقبل أيًا من هذه الشروط.

يمثل استخدام نتنياهو للخطة المصرية كحجة لرفض المبادرة الفرنسية وقاحة بحتة، تستند إلى القناعة الخبيثة بأن المرء يمكنه أن يخدع كل العالم كل الوقت.

“إقليمية” بالمناسبة هي الكلمة المفضلة الجديدة، والتي ظهرت عدة مرات في السابق، بل وبدأ في استخدامها حتى بعض الإسرائيليين حسني النية. “سلام إقليمي”، يا للروعة. فبدلًا من الحديث عن السلام مع الفلسطينيين الكريهين، هيا بنا نتحدث عن السلام مع “الإقليم”. تبدو فكرة جيدة، لكنها مجرد كلام فارغ. 

لا يوجد زعيم عربي، من المغرب إلى العراق، سيوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل لا تتضمن انتهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. لن يستطيع، ولن تسمح له أغلبية شعبه. حتى أنور السادات ضمن هذه الشروط في اتفاقية سلامه مع مناحم بيجين (وإن جاءت في صياغات كان من السهل مخالفتها لاحقًا).

حين قمت مع أصدقائي لأول مرة في 1949 بتقديم الحل الذي أصبح يعرف بـ”دولتين لشعبين” تضمن مقترحنا- بالطبع- السلام مع العالم العربي بأسره. والسلام مع العالم العربي يعني- بالطبع- السلام مع دولة فلسطين. لن يأتي واحد دون الآخر، تمامًا كتوأم سيامي ملتصق.  

أما أن يطرح الآن “سلام إقليمي” كبديل عن السلام مع الفلسطينيين فإن ذلك كلام فارغ. فـ”سلام إقليمي” بهذا المعنى لا يعني أي سلام.

مؤخرًا كتب جدعون ليفي في هآارتس أن نتنياهو و[وزير دفاعه الجديد] أفيجدور ليبرمان “يتحدثان الآن كما كان يتحدث أوري أفنيري في 1969”.

كان ذلك ليشعرني بالكثير من الإطراء، لولا أن هذه- مع الأسف- مجرد خدعة.  

 

اعلان
 
 
أوري أفنيري