Define your generation here. Generation What

تدوينة: في هجاء الواجبات الاجتماعية

دائمًا ما أستقبل شهر رمضان بالكثير من التوجس، خوفًا من العزومات التي يصعب الهرب منها. عزومات رمضان، التي اعتدتها عند بعض الأقارب أو أصدقاء الأهل الذين لا أراهم إلا في المناسبات الاجتماعية المشابهة، لها بروتوكول ثابت. يصل كلٌ بعلبة الحلويات المبالغ في سعرها. يضرب المدفع فيقارب الجميع المائدة على استحياء، يستميت صاحب البيت في الإلحاح على الجميع بالأكل، ثم تأتي أكثر الفقرات إيلامًا، وهي محاولات الثرثرة بين مجموعة من البشر لا تجمعهم أي علاقة تتعدى المجاملات الاجتماعية.

لم أكن يومًا ممن يطلق عليهم “أصحاب واجب”. دائمًا ما أنظر بخليط من الاستغراب والإعجاب لهذه الفئة من البشر التي تتواجد بانتظام عجيب في كل المناسبات الاجتماعية المنصوص عليها، مع مراعاة الالتزام التام بالمزاج المناسب للحدث، سواء كان احتفاليًا، سعيدًا أو حزينًا. دائماً ما أتساءل، كيف لا تراودهم أنانيتهم مرة أن ثمة استخدامًا أفيد أو أمتع لوقتهم؟ و هل لديهم القدرة على الاستحضار الفعلي لمشاعر الفرح والحزن، أم أنهم أصبحوا متمرِّسين في رسم الوجوه المناسبة؟

لتوضيح موقفي، كلامي لا يخص المناسبات المجدي حضورها، لوجود علاقة حقيقية بين المدعو وصاحب المناسبة، أو على الأقل لعلم المدعو بأن حضوره سيشكل فارقًا لدى الداعي. الواجبات التي أتطرق لها هنا هي تلك التي لا تجلب الكثير للحضور أو لأصحاب المناسبة، ولا تخدم سوى الالتزام بمظهر اجتماعي لا طائل منه.

الواجبات الاجتماعية كانت دائمًا من بواعث الخلاف والخصام بيني وبين أفراد عائلتي وأصدقائي، وأحيانًا حتى المتعشّمين فيّ لسبب غير مفهوم، رغم معرفتي السطحية بهم. أصبح العتاب جزءًا معتادًا من تعاملاتي مع أكثر معارفي، مش بنشوفك. ليه ماجيتيش؟ طنط عنايات زعلت أوي لما لقتك مش موجودة.

في رأيي أن توحش الواجبات الاجتماعية في مصر يرتبط بظواهر أخرى منتشرة في المجتمع المصري، مثل الاهتمام بالمظاهر والارتباط المبالغ فيه بالأولاد. وأدى ذلك لبعض الظواهر الغريبة التي أرصدها هنا.

الإنسان الملحق

أتذكر، من طفولتي وحتى سن المراهقة، تواجدي في أفراح لم أعلم فيها إذا ما كنت من مدعوي العريس أو العروسة كما لم أعلم اسم أي منهما. أعتقد أن ندوب الملل القاتل التي تركتها هذه المناسبات في نفسي هي من أحد أسباب كراهيتي الشديدة للمجاملات الفارغة الآن. قد يكون طبيعيًا حتى سن معين أن يرافق الأطفالُ الأهلَ في مناسبات لا يدركون عنها شيئًا، إلا أن العائلات المصرية بشكل عام تتوقع استمرار هذه التبعية إلى ما لا نهاية، فيطالبون الأبناء وغيرهم ممن “يخصُّونهم” بالتواجد في مكان، كمجرد ملحق أو إكسسوار يسمح لهم بالدوران في المكان لتعريف العديدين مثل “الأنكل” و”الطنط” بهم، بشكل أعطى سمعة سيئة لعبارة “تعالي سلمي على طنط”.

تؤرقني بشدة الطاقة والوقت المهدَريْن على هذا النوع من المناسبات، الذي لا يدخل وجودي فيه السرور على قلب أي شخص، سوى ذلك الذي “جرجرني” إليه، وهو أحد المدعوين وليس مستحقًا للمجاملة.

الواجب الأعمى

أشعر أحيانا بأن الالتزام بهذه العادات الاجتماعية تحوّلَ إلى كائن مرعب منفصل، بل وأحياناً معاكس للهدف الأصلي منه، وهو التخفيف عن مُصاب أو مشاركة محتفل بفرحته.

حضرت مؤخرًا المراسم التابعة لوفاة أحد الأقارب، وطوال الوقت كان يلازمني شعور بالشفقة تجاه أهل الميت لما يتعرضون له على يد المعزين.

فُتح منزل المرحوم لتلقي العزاء بعد ساعات من الوفاة ولمدة يومين متواصلين، قبع فيهما المعزُّون بالمنزل حتى ساعات متأخرة من الليل، وانشغل فيهما أولاد المرحوم بواجبات الاستضافة من تحضير وجبات وغيره، ثم وقف الأبناء لتلقي العزاء بجامع عمر مكرم في اليوم الثالث لمدة أربع ساعات، حيث امتد العزاء من المغرب حتى الحادية عشر مساء، ثم عادوا إلى منزلهم أخيرًا ليجدوا بعض الراحة والخصوصية، لأول مرة بعد ثلاثة أيام كاملة من وفاة والدهم. لم أستطع منع نفسي من التساؤل: هل كان العزاء المطول فعلًا هو الطريقة المثلى لتكريم المرحوم ومساندة الأقرب إليه؟ وهل تساءل المعزون عما هو الأفضل بالنسبة للمصابين قبل التخييم عندهم ليومين، أم أن أداء الواجب على أتم وجه أصبح قيمة مستقلة تغلب الاستجابة لاحتياجات من “نوجِّب” معهم؟

الواجب الدوَّار:

أصبحت المناسبات ساحة للديون الاجتماعية واجبة الرد، فيجد الناس أنفسهم مضطرين لحضور مناسبة لا تخصهم لمجرد حصولهم على دعوة، ثم يجدون أنفسهم مضطرين لرد هذه الدعوة في مناسبتهم المقبلة، حتى تدخل الأسرتان في حلقة لا تنتهي من المجاملات.

كم ستكون الأفراح أبهج إذا لم يحضر الفرح سوى من يهتم للعروسين ويسعد لهما بحق! وكم من الوقت والمجهود والمال يمكن توفيرهم إذا نظرنا للواجبات بشيء من التفكير، ولم نلتزم إلا بما له معنى!

أعتقد أن من المقبول أن يضحي الشخص أحيانًا ببعض من وقته ومجهوده من أجل إسعاد آخر، ولكن يجب على الأقل أن يكون المكسبُ معادلًا للتضحية. وبما أني ممن تمتص المناسبات الاجتماعية الكثير من طاقتهم، فقد توصلتُ لمعادلة أستخدمها لأقرر حضوري مناسبة من عدمه. عندما يواجهني إلحاح أحدهم عليّ لحضور مناسبة اجتماعية أقوم بموازنة كفتين، أضع على كفةٍ المجهود المطلوب مني لحضور المناسبة ومدى عدم رغبتي في الذهاب، وعلى كفة أخرى مدى أحقية الطرف الملح في مطالبتي بالحضور والفارق الذي سيحدثه وجودي بالنسبة له. إذا رجحت الكفة الأولى أعتذر عن المناسبة بدون تأنيب ضمير. حضور المناسبات، بدون حساب لثمنها في مقابل العائد منها، قد يؤدي بالشخص للتضحية بأولوياته بشكل مستمر سيكون له تأثير واضح على حياته بلا طائل يُذكر.

أعلم أن الواجبات الاجتماعية تتوارثها الأجيال، ومن الصعب التوقف عن توقعها والمطالبة بها، ولا أنكر جدواها عند التعامل معها بتعقل، ولكني أشعر أن التشبث بالمجاملات الاجتماعية بدون تفكير، حتى وإن كان الهدف الأصلي منه الحفاظ على العلاقات، أصبح يسطِّحها ويسلب منها صدقها. فيكفي التأمل في كم الغصب والحسابات المقترنين بعبارة “التزامات اجتماعية” لنعلم أن شيئًا بهذا المسمى لا يمكنه الاحتفاظ ببهجته، وكان الله في عون الجميع في هذا الشهر الكريم.

اعلان
 
 
هبة عفيفي