Define your generation here. Generation What

العلمانية السياسية في عصر الخلفاء الراشدين

البعض يسمونها “العلمانية المعتدلة”، ويقصدون بها عدم مناهضة السلطة السياسية للدين، مقابل ألا تكون الدولة دينية، ومن هؤلاء حزب العدالة والتنمية التركي وحركة النهضة التونسية، والحزب الحاكم في ماليزيا، والفصيل التقدمي من مفكري الإخوان المسلمين المصريين، لكن الإخوان المسلمين وصلوا متأخرين جدًا.

والبعض يفضلون وصفها بالعلمانية الجزئية، في مقابل العلمانية الشاملة، وتعني الأخيرة نزع القداسة عن الوجود كله، وتفسير كافة جوانبه نشأة وتطورًا ومآلًا بأسباب مادية، في حين أن الأولى، “الجزئية”، تعني نزع القداسة عن السلطة السياسية، وتحتفظ بالقداسة للوجود في مجمله، باعتبار أنه من خلق الله. وكان المرحوم الصديق عبد الوهاب المسيري أول من صاغ هذا التمييز، وبالتالي كان أول من صك تعبير “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”.

كما يظهر من العنوان، فإننا نفضل استخدام مصطلح العلمانية السياسية – لأنه الأكثر دقة في وصف نشأة وتطور مفهوم العلمانية في الفكر السياسي الحديث، والأكثر دقة في وصف العلاقة بين الدين والدولة في معظم دول العالم في وقتنا الحاضر، بعد انهيار النظم الشيوعية التي كانت تناهض الأديان والمتدينين، وبعد استقرار العلاقة غير العدائية بين الدين والدولة في فرنسا، التي كانت منذ ثورتها الكبرى وحتى قيام الجمهورية الخامسة، أكثر الدول الديمقراطية الغربية مغالاة في مجافاة الدين غالبًا، وفي معاداته أحيانًا.

و العلمانية السياسية في مفهومنا تعني نزع القداسة عن السلطة السياسية من حيث مصدرها، وأسباب الالتزام بطاعتها، ومن حيث إمكانية تغييرها بالثورة أو بالانتخابات، وبصيغة أخرى فمصدر السلطة طبقًا لهذا المفهوم هو مصدر دنيوي، أي أن السلطة تنشأ لأسباب من هذا العالم الذي نعيش فيه، وليس لأسباب إلهية مقررة سلفًا، وموحَى بها للأنبياء، اللهم إلا إذا كانت هذه الأسباب اﻹلهية هي ما سمَّاه المسلمون في عنوان عريض بـ”القضاء والقدر”، اللذين لا يعرفهما أحد إلا بعد وقوع الحدث، ولا يعنيان أبدًا إضفاء القداسة على الحدث، فالمرض مثلًا قضاء وقدر، لكنه ليس مقدسًا، ولا يُعد المسلم عاصيًا أو متمردًا على القضاء والقدر إذا لجأ للتداوي من هذا المرض.

وكذلك لا أسباب إلهية لاستمرار طاعة الحاكم وعدم تغييره، وإنما يعود كل ذلك إلى تقديرات وحسابات دنيوية بحتة، أي إلى أسباب من هذا العالم.

بهذا المعنى فإن العلمانية السياسية هي مفهوم إسلامي أصيل، وليست فكرة مستوردة من الغرب “الصليبي” الذي تمرد على مسيحيته وعلى سلطة الكنيسة، بل إن العلمانية السياسية الإسلامية تعود بجذورها إلى يوم وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتطَّرد بعد ذلك مع كل تغيّر في شخص الحاكم، أو في نظام الحكم.

بالطبع يعرف الكثير من المسلمين، إن لم يكن جميعهم، حديث سقيفة بني ساعدة التي اجتمع فيها الأنصار من الأوس والخزرج، وبايعوا الصحابي الجليل وزعيم الخزرج سعد بن عبادة لخلافة الرسول الكريم، ويعرف هؤلاء أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه اصطحب الصحابيين الجليلين رضي الله عنهما، عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح، إلى السقيفة، وأن الثلاثة نجحوا في إقناع الأنصار بالتخلي عن بيعتهم لسعد بن عبادة، ومبايعة أبي بكر.

ولكن قد لا يعرف البعض طبيعة الحجج التي استند إليها أبو بكر في إقناع الأنصار بهذا التحول، وسنجد بعد الاطلاع عليها أنها كلها حجج “من هذا العالم”، أي علمانية، وليست حججًا دينية منزلة، وبالتالي ليست مقدسة، ولا تعني من قريب أو بعيد أن مصدر سلطة الخليفة الراشد الأول هو مصدر إلهي.

ولكن قبل إيراد هذه الحجج ينبغي التذكير بواقعة بالغة الدلالة في موضوعنا، لا تذكرها عادة كتب التاريخ المتداولة، كما لا يذكرها خطباء المنابر ومتحدثو جماعات الإسلام السياسي، وهي أن سعدًا بن عبادة غضب من تخلي الأنصار عن بيعتهم له، ومن تولي أبي بكر سلطة الخلافة، واعتزل المسلمين جميعًا، ولم يُصلِ معهم حتى توفاه الله، والدلالة البالغة لهذه الواقعة، أن ابن عبادة، وهو من هو ورعًا وتقوى، ما كان ليفعل ذلك لو كان يعلم أن هناك سببًا دينيًا ملزمًا بخلافة أبي بكر للنبي عليه الصلاة والسلام. كذلك من دلالات هذه الواقعة أن أحدًا من الصحابة لم يتهم زعيم الخزرج الغاضب بالكفر أو المروق من الدين، حين اعتزلهم وظل يصلي وحده في داره.

نعود إلى الحجج التي استند إليها الخليفة الراشد الأول في خطبة السقيفة لإقناع الأنصار بسحب بيعتهم لسعد بن عبادة، ومبايعة رجل من قريش، فقد قال:

“أيها الناس نحن المهاجرون أول الناس إسلامًا، وأكرمهم أحسابًا، وأوسطهم دارًا، وأحسنهم وجوهًا، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسُّهم رحِمًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم، وقُدِّمنا عليكم في القرآن، فنحن المهاجرون، وأنتم الأنصار، إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم وواسيتم، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله”.

تعالوا نستعرض ونحصي عدد الحجج “العلمانية” في خطبة أبي بكر هذه، ونستعرض ونحصي عدد الحجج التي ربما فُهم منها أنها دينية الأصل، مع أنه سيتضح توًا أن هذه الحجج الأخيرة ليست دينية الأصل.

الحجج العلمانية في خطبة الصديق أبي بكر هي: 1- المهاجرون أكرم الناس أحسابًا -2- أوسطهم دارًا -3- أحسنهم وجوهًا -4- أكثر الناس ولادة في العرب -5- أمسهم رحمًا برسول الله صلى عليه وسلم، (وهي حجة من العالم لأنه لم يقل إن رسول الله أوصى لنا بهذا الأمر -6- لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش.

أما الحجج التي قد تُؤَوَّل تأويلًا دينيًا فهي: 1- أول الناس إسلامًا -2- قُدمنا عليكم في القرآن -3- لا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله.

كما ذكرنا قبل قليل فإن هذه الحجج الثلاث التي تحتمل معنى دينيًا، لا تعد أكثر من قرائن ترجّح كفة المهاجرين بميزان الأفضلية، ولا يُفهم منها من قريب أو بعيد أن مصدر سلطة المهاجرين إلهي، فلو كانت الخلافة بأولوية “اﻹسلام” لما ولّاها أبو بكر نفسه لسيدنا عمر، وقد أسلم متأخرًا عن كل من سيدنا علي بن أبي طالب وسيدنا عثمان بن عفان. ولو كان تقديم القرآن للمهاجرين على الأنصار يعني قطعيًا أن خلافتهم للرسول هي أمر مقرر من الله، ما كان الأنصار قد فكروا في بيعة سعد بن عبادة، وما كان سعد بن عبادة قد غضب واعتزل المسلمين جميعًا، مهاجرين وأنصارًا، بعد تراجع الأنصار عن بيعته، وما كان سعد بن عبادة نجا من اتهامه بالكفر وعصيان أمر الله.

ثم أن تأمل الكيفية التي تفاعلت بها حجج الصدّيق في عقول وسلوك الأنصار، وأدت بهم إلى سحب بيعتهم لابن عبادة، والمبادرة إلى مبايعة أبي بكر، تؤكد أن الأمر كله كان حسبة علمانية، فقد رد أحد الحاضرين من الأنصار على سيدنا أبي بكر قائلًا: “إذن منا أمير ومنكم أمير”، وهذا يعني أنه اقتنع بأسباب الصدِّيق، ولكن لم يستطع التراجع دفعة واحدة رهبة من بقية الأنصار، وتجنبًا لخذلان سعد بن عبادة، الذي وصف هذا الاقتراح بأنه “أول الفشل”.

و هنا يتقدم النعمان بن بشير، وهو خزرجي مثل سعد بن عبادة، فيقول: “يا أيها الناس لمَ تنازعون القوم [يقصد قريش] أمرهم؟ أقبلوا فبايعوا”، فأقبل الأنصار يبايعون أبا بكر بعد أن قال له عمر: “ابسط يدك لأبايعك”، رافضًا أن تكون البيعة له أو لأبي عبيدة. ويقول المؤرخون إن التزاحم على بيعة أبي بكر بلغ حد أن الأنصار كادوا يطؤون سعد بن عبادة، الذي كان مريضًا يوم السقيفة، بأقدامهم.

بشيء من التأمل في حديث النعمان بن بشير، ومع استرجاع ما قاله أبو بكر، خاصة قوله “لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش”، نفهم على سبيل القطع، وليس على سبيل الاستنباط، أن مؤهلات قريش في الجاهلية وفي الإسلام، هي ما حسمت النزاع مع الأنصار على خلافة النبي صلوات الله وسلامه عليه. وهذه المؤهلات “من هذا العالم” وليست من السماء إلا بالمعنى العام للقضاء والقدر، وبالمعنى العام لفضل الله الذي أشار إليه الصديق في نهاية خطبته، فلو كانت أسباب قريش في طلب خلافة النبي دينية، فما حاجة أبي بكر للقول إن قريش هي أكثر قبائل العرب ولادة، وأحسنهم وجوهًا، إلخ؟

هذا المصدر أو الأصل “العلماني” للسلطة السياسية في الخلافة الراشدة هو ما ظل يتطور في الفقه السياسي لأهل السنة والجماعة، حتى اكتشفه العلامة ابن خلدون، وجعله أساس نظريته في أصل السلطة، وأطلق عليه اسم “العصبية”، ولكن مهلًا فالشوط لا يزال طويلًا حتى نصل لابن خلدون.

ففي خطبته بعد البيعة، قال الخليفة الراشد الأول: “إني وُليت عليكم، ولست بخيركم، فأطيعوني ما أطعت الله فيكم”، وبهذا أعطى الصديق الأمَّة الحق في نبذ طاعة الحاكم إذا ظلم وفسد وانحرف، كما أن قوله “لست بخيركم”، وإن كان تعبيرًا عن فضيلة عدم تزكية النفس، فهو يعني أيضًا أنه ليس مختارًا مباشرة من الله أو من رسوله، نافيًا بذلك الأصل أو المصدر اﻹلهي لسلطته، إلا بالمعنى العام الذي سبق ذكره، وسنكرره كثيرًا، للقضاء والقدر.

إذن ففي ممارسة السلطة، لا قداسة أو عصمة لأحد بعد الرسول، وهكذا، ففي الممارسة مثلما هو الأمر في “المصدر”، لم يدعِ الخليفة الأول شيئًا خارجًا عن العالم الذي عاش فيه، والذي لا نزال نعيش فيه كمسلمين وغير مسلمين.

و ماذا كانت حجة أبي بكر في اختياره عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، خليفة له؟ إنها حجة علمانية أيضًا، فقد قال للصحابي عبد الرحمن بن عوف: “إني وليتُ أموركم خيرَكم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه”. هنا أيضًا لم يقل الصديق إن ابن الخطاب من اختيار الله، وأخذ على كبار المهاجرين أن كلًا منهم طمع في الخلافة، وهو ما يعني أنهم أنفسهم لم يروا أمامهم سببًا دينيًا يرجّح كفة عمر عليهم، ويجعلهم آثمين إذا طلبوا الخلافة لأنفسهم.

فهل جاء الفاروق عمر بعد أن وُلي الخلافة بمفهوم آخر لمصدر السلطة وطريقة ممارستها في العصر الراشدي؟

لقد أثر عنه أنه قال قبيل وفاته متأثرًا بطعنة أبي لؤلؤه: “لو كان أبو عبيدة حيًا لوليته، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لوليته”، وهذا الأخير لم يكن قرشيًا، وإنما كان حليف رجل من سادات قريش، مما ينفي أي معنى ديني للنسب القرشي كسبب لتولي السلطة أو كمصدر لها، رجوعًا لكون الرسول قرشيًا. وهنا يتأكد لنا مرة أخرى أن قول سيدنا أبي بكر في السقيفة إن المهاجرين أمسُّ الناس رحمًا برسول الله لا يعني الوراثة الدينية للرسول، وليس أكثر من سبب لتعزيز أهلية قريش المقررة بأسباب دنيوية.

وبعد أن سمَّى الصحابة الستة الذين عهد إليهم باختيار أحدهم لخلافته، أثر عنه قوله: “ما أحسبها سائرة إلا إلى عثمان أو علي، ولو ولوها الأجلح [يعني عليًا] لحملهم على الجادة”.

فلماذا تنبأ الفاروق بأن خليفته سيكون أحد اثنين لا ثالث لهما، عثمان بن عفان القرشي الأموي، أو علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي؟

طبعًا لم يوحَ إلى ابن الخطاب، ولكنه استقرأ الحال، فكما يقول ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”، لم يمت عمر إلا وقد “ملَّ قريشًا، وملته قريش”، لشدته عليهم، ولمنعه كبار الصحابة من الانطلاق إلى البلاد المفتوحة، ومن ثم فقد رأى أن قريشًا، التي لن يطيع أحد العرب غيرها، لن ترضى بطاعة خليفة ينحدر من بيت غير رئيسي من بيوتها، مثلما أطاعت الصديق، وهو من بيت تيم، ومثلما أطاعته وهو من بيت عدي، وكلاهما “تيم وعدى” ليس من البيوت الرئيسية المنحدرة من قصي بن كلاب بن مرة الذي أسس سيطرة قريش على مكة ووضع نظام حياتها وحكمها، وإنما ستفضل قريش خليفة من أحد البيتين الكبيرين منها، أي بني هاشم وبني أمية.

أما السبب الذي جعله يتوقع ذلك، فهو ما أشار إليه ابن الأثير في العبارة سالفة الذكر من أن قريشًا ملَّت الفاروق، وهذا يعني، في الوجه الآخر للعبارة، أن الزخم الروحي والمعنوي لعصر النبوة الذي فرض على قريش طاعة “رئيس” من غير بيوتها الكبرى، قد تراجع بعض الشيء أمام العصبية، وهذا ليس طعنًا في أحد، أو تقليلًا من شأن قيم النبوة كما قد يفهم الجهلاء المتعصبون، ولكنها طبيعة البشر الذين لم يخلقهم الله ملائكة يمشون على الأرض.

وقد وقع ما تنبأ به الفاروق، فقد قدَّم كل من الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف كلًا من عثمان وعلي على أنفسهم، واستقر الأمر في النهاية لعثمان، وكان ذلك إقرارًا بمؤهلات أقوى من هذا العالم، للبيتين الهاشمي والأموي.

يظهر لنا شعور الفاروق القوي بنمو العصبية مرة أخرى كأصل للسلطة في أجلى تعبيراته، من وصيته لكل من عثمان وعلي قبل وفاته، وقبل تزكيتهما من قبل بقية أعضاء الشورى الستة، فقد قال لعثمان: “لا أراها سائرة إلا إليك أو إلى علي، فإن وليتها فاتق الله، ولا تحمل بني أبي معيط [أي بني أمية] على رقاب الناس”، ثم قال لعلي: “لا أراها سائرة إلا إلى أحدكما، أنت أو عثمان، فإن وليتها فاتق الله، ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس”.

تحليل آخر – بلغة هذه الأيام – ينم عن عبقرية الفاروق في إدراك أهمية العصبية – التي هي من هذا العالم، وليست أمرًا منزلًا من السماء – كمصدر للسلطة في العصر الراشدي، فقد سأل عمر يومًا عليًا بن أبي طالب: “أوتدري يا أبا الحسن لم ريثك قومك عنها؟” أي لماذا أخّرتك قريش عن تولي الخلافة بدلًا من أبي بكر وبدلًا مني. فأجاب الإمام علي كرم الله وجهه بقوله: “لما يجدوه في أنفسهم عليَّ من قتلي شيوخهم في حروبهم مع الرسول”، ليرد عليه عمر قائلًا: “ليست هذه، ولكنهم كرهوا أن يجمع بنو هاشم بين النبوة والخلافة”، فأقَّره الإمام على رأيه.

***

كل هذه الوقائع والمقولات للخلفاء الراشدين أنفسهم وكبار الصحابة، تنطق، وبشكل نافِ للجهالة، بأن اﻹسلام لم يعترف قط بإلهية مصدر السلطة، ولا قداسة ممارستها، ولا بتأثيم الخروج عليها إذا ظلمت أو فسدت أو انحرفت. ويجب ألا يحتج أحد هنا بقول سيدنا عثمان رضي الله عنه للثائرين عليه، وردًا على مطالبته بخلع نفسه: “لا أخلع سربالًا سربلنيه الله”، لأن هذا القول يدخل في باب القضاء والقدر، كما سبقت الإشارة مرارًا وتكرارًا.

أما القائلون بالأصل الإلهي للسلطة، وعصمة الإمام من المسلمين، فهم الشيعة فقط. والمستقر عند أهل السنة، أن الشيعة لم يقولوا بذلك إلا في بداية العصر العباسي، أي بعد أكثر من 150 سنة على وفاة الرسول.

أما أهل السنة، والاسم الكامل لهم هو “أهل السنة والجماعة”، فقد أسّسوا فقههم السياسي على مجمل تلك الوقائع، ويُضاف إليها تنازل الحسن بن علي لمعاوية بن سفيان في النزاع على الخلافة فيما سُمي بعام الجماعة الأول، ليقولوا بشرعية إمامة المتغلب، وهذه ليست فقط حجة من العالم، وإنما هي حجة عملية بحتة، تعترف بقوة السيف مصدرًا للسلطة.

الأكثر من ذلك دلالة في نفي المصدر الإلهي للسلطة في العصر الراشدي، بل وما يدحض الفكر الشيعي من أساسه هو إجابة سيدنا علي أثناء احتضاره على سؤال أنصاره له عن بيعة ابنه الحسن خليفة له، فقد أجابهم بقوله: “لا آمركم ولا أنهاكم”، فلو كان الخلفاء من اختيار الله لما كان أنصار علي سألوه هذا السؤال، ولما كان هو كرم الله وجهه أجابهم بهذه اﻹجابة.

بعد ابن خلدون الذي أصَّل نظرية الأصل الدنيوي (العلماني) للسلطة في الإسلام، واكتشف أن التاريخ السياسي الإسلامي دار كله حول صراع العصبيات، كان لابد أن تمر مئات السنين، لتعترف جماعة الإخوان المسلمين بأن العلمانية المعتدلة لا تتعارض مع الإسلام، وذلك في مؤتمر عُقد بمجلس العموم البريطاني عام 2009، حول دراسة معمقة استمرت لتسعة أشهر لباحثين من جامعة كمبردج البريطانية تحت إشراف الدكتورة سلوى العوا ابنة الدكتور محمد سليم العوا، وقد شاركها في الإشراف كل من الدكتور أنس الشيخ رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، والدكتورة عالية أبو سليمان ابنة أحد زعماء التنظيم الدولي للجماعة وهو أردني، والدكتور عمر توتونجي.

فهل كان لابد من مرور هذه المئات من السنين، وهل كان لابد من مرور أكثر من ثمانين عامًا على جماعة اﻹخوان لتكتشف أن العلمانية السياسية، أو “المعتدلة” كما يسمونها، لا تتعارض مع الإسلام؟ أما الأسئلة الأهم فهي: هل أبلغت قيادة الإخوان المسلمين كل أعضاء الجماعة بذلك؟ وهل كان لابد أن يقدَّم هذا الاعتراف قربانًا للغرب “الاستعماري” و”الصليبي” بدلًا من تقديمه للشعب المصري وبقية الشعوب العربية؟ ولماذا تظل قيادات كبيرة في الجماعة ومعظم كوادرها الدنيا، يصفون كل حديث عن العلمانية السياسية بأنه كفر بواح؟

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد