Define your generation here. Generation What

مواطنو أمريكا الشرفاء، وصانعو نظامها القمعي

يتمتع الأمريكيون، بما فيهم الأكاديميون، بشهية هائلة للكتب والقصص والأفلام التي تدور حول المشاركين في الثورة والحرب الأهلية ومساريهما وتفاصيلهما. كما يتمتع الأكاديميون الأمريكيون بشهية مماثلة تقريبًا للكتب والمقالات حول التحول الديمقراطي، لكن في الفترة الأخيرة بدأت ذائقتهم تتغير لتضم دراسات عن السلطوية والدكتاتورية والقمع.

لكن لا المواطنين بشكل عام ولا الأكاديميين يستسيغون الفترة التي ضم فيها التاريخ الأمريكي قصصًا مأساوية عن السلطوية والرعب والدكتاتورية والإطاحة العنيفة بالحكومات المنتخبة، وهي الفترة الممتدة من 1876 حتى 1956.

صحيح أن الأكاديميين الأمريكيين يبحثون في هذه السنوات ويكتبون عنها من آنٍ لآخر، لكنهم يفضلون التركيز على القصص الأكثر إلهامًا في العموم. ومن بينها قصة توسع الصناعة الأمريكية، والإدماج السياسي لملايين المهاجرين من أوروبا الجنوبية والشرقية، وتطوّر دولة الرفاه، وزيادة أهمية دور الولايات المتحدة كقوة عالمية. إن الجوانب السلبية لدور الآلات السياسية في المدن، وعدم عدالة توزيع الثروات في العصر الذهبي، وعدم قدرة الولايات المتحدة على تطبيق الديمقراطية (أو عدم رغبتها في ذلك) في الجزر الحقيقية أو المجازية حيث أُرسلت قوات أمريكية من الفليبين إلى أمريكا الوسطى أو الكاريبي، كل ذلك يشكل تضادًا ضروريًا لسمة التجربة الأمريكية التقدمية حتمًا.

يترسخ في هذه القصص—سواء رُويت في المنشورات الأكاديمية أم الجماهيرية—الاعتقاد بأن أمريكا بلدٌ واحد، ذو شعب واحد. تتمدد حدودها الإقليمية ويصبح سكانها أكثر تنوعًا، ولكن كما يقول شعارنا الوطني فنحن، من بين كثيرين، واحد. والت وايتمن هو شاعرنا الوطني، لاحتفائه بقدرتنا المتلونة على احتواء لفيف من الأفراد. وإذا وصل الأمر إلى أن نتشكك قليلًا في مدى استثنائيتنا، نشير أحيانًا إلى الدور الذي لعبته الأفكار عن العرق في تاريخ الدولة الأمريكية والمجتمع الأمريكي. ولأن العبودية الأفريقية في أمريكا كانت تتسع بامتداد الاستيطان الأبيض تقريبًا، أصبحنا نرى الأمريكيين من أصل أفريقي كأشخاص تعرضوا للتمييز لكنهم تاريخيًا جزء لا يتجزأ من الشعب الأمريكي والتاريخ الأمريكي.

لدينا أسباب قوية للنظر إلى التاريخ الأمريكي بهذه الطريقة، لكن هناك شيئًا آخر يمكننا تعلمه عن تاريخ بلدنا والعالم من خلال النظر إلى الأمور بطريقة مختلفة قليلًا: كقصة محاولة امتدت عبر قرون، بدرجات نجاح متفاوتة، لدمج بلدين مختلفين تمامًا—أحدهما به مؤسسات قائمة على السوق والديمقراطية الليبرالية ومزقه الصراع الطبقي، والآخر به نظام سياسي سلطوي واقتصاد قائم على التحكم ومجتمع طبقي طائفي—في بلد واحد، ومحاولة أخرى لم تنجح في معظم الأحيان، لإخضاع أحد البلدين إلى التحول الديمقراطي.

في هذا الضوء، وبعيدًا عن فكرة كون الصراع حول العرق مجرد تحيز فردي (مع أنها فكرة قائمة أيضًا)، تتضح أكثر أوجه تشابه دول ما بعد الاستعمار في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا مع الولايات المتحدة. أي شخص مهتم بمعرفة إن كان بوسع الجيش المحتل تحقيق التحول الديمقراطي، أو الطرق التي تستعيد بها النخبة المخلوعة السلطة، أو حتى حجم رأس المال السياسي الذي قد تنفقه حكومات الولايات المتحدة في سعيها إلى التحول الديمقراطي، سيجد في الجنوب اﻷمريكي، وفي الفترة من 1865 وحتى 1960، وفرة من الحقائق الكاشفة.

في أبريل 1865، انتصرت الحكومة الفيدرالية في الحرب التي شنتها طوال أربع سنوات ضد الولايات الكونفدرالية الأمريكية، والتي مثّلت حكومة منشقة. وعلى عكس العديد من الحركات المتمردة، كانت الولايات الكونفدرالية الأمريكية دولة كاملة الأركان، فقد كان لديها جيش ومؤسسات وهيئات حاكمة وممثلون دبلوماسيون ومنظومة قانونية، وقد زعمت حق احتكار ممارسة العنف القانوني في المنطقة التي استحوذت عليها، ونجحت في الحفاظ على هذا الحق في معظم الأوقات، باستثناء وقت هزيمتها على يد جيش الاتحاد.

لو لم يحتل الاتحادُ الجنوبَ بعواصمه المتتالية، لما وجدنا داعيًا لنتصور ما يمنع تحوله إلى دولة تعمل بفاعلية في المنظومة العالمية للدول. المفهوم السائد في يومنا هذا أن الحرب دارت حول مسألة العبودية، لكن في معظم الأحيان يبقى ما يعنيه ذلك غير واضح. فالحرب لم تقم بسبب التمييز العرقي، بل لتحدد ما إذا كانت الدولة ستعترف بحق امتلاك الإنسان والدفاع عنه. بمعنى أدق، قامت الحرب لتحدد ما إذا كان النظام السياسي، الذي تمد العبودية في ظله نخبةً ما بقوة اقتصادية هامة، يمكنه الاستمرار في شمال أمريكا، حيث ألغيت العبودية بالفعل في دولتي كندا والمكسيك المجاورتين. كان إعلان تحرير العبيد أداة دمرَ من خلالها الاتحاد اقتصاد الكونفدرالية الأمريكية. وأدى تمرير التعديل الثالث عشر على دستور الولايات المتحدة عام 1865 بتجريم العبودية إلى استحالة بَعْث اقتصاد الجنوب السياسي القديم مجددًا.

وعلى مدار العشرين سنة التالية، تصارع العديد من الرؤساء الجمهوريين والأغلبيات في الكونجرس مع المشكلة التي نطلق عليها الآن التحول الديمقراطي. كانوا يرون أنها مشكلة كيفية تشكيل حكومة جمهورية. وفي عالم الملكيات والامبراطوريات، كان المنظرون السياسيون ما يزالون يفكرون في الجمهوريات، وليس الديمقراطيات، كبديل للحكم الاستبدادي. وبنفس القدر من الإلحاح جاءت صياغة دستور الولايات المتحدة لتسمح للكونجرس بضمان أن تحظى شتى الولايات بحكومات جمهورية، لا ديمقراطية.

كان التعديل الرابع عشر للدستور وقانون الحقوق المدنية عام 1866 محاولة مبدئية لخلق مساواة من ناحية سياسية (لكن ليس من ناحية اجتماعية) بين المواطنين السود والبيض. في منتصف القرن التاسع عشر كانت الأغلبيات في العديد من ولايات الجنوب العميق من السود، ولذا كانت المساواة السياسية تعني بالضرورة انتقال السلطة في أي انتخاب حر ونزيه. وكان جميع العبيد السابقين يصوتون للجمهوريين، لكن المرشحين الذين كانوا يدعمونهم كانوا عادة من البيض، وبعضهم كان من الجنوب والبعض الآخر من المهاجرين من الشمال. وفي استمرار التسميات المستخدمة لوصف هؤلاء البيض حتى القرن الواحد والعشرين، مثل الحثالة [scalawags، وكانت تطلق على الجنوبي الأبيض المساند للسياسة الجمهورية لمنافع شخصية في الأغلب] والوافدين [carpetbaggers، وتطلق على البيض الوافدين من الشمال بعد الحرب الأهلية للانتفاع من عصر إعادة الأعمار، وتطلق بشكلٍ عام حاليًا على من يسعى لمناصب سياسية في منطقة هو دخيل عليها]، دلالة على استمرار قوة رد الفعل الجنوبي ومفرداته السياسية.

إن العنصرية التي تشكل العلاقات بين الأمريكيين السود والبيض نتاج قرارات أخذها أشخاص عن وعي، وذلك بدرجة قد تكون غير مسبوقة في تاريخ البشرية. على عكس العلاقات بين السنة والشيعة من المسلمين، أو الأرمن والأتراك، أو الكوريين واليابانيين، لا توجد ببساطة أي تصنيفات تاريخية يندرج تحتها الأبيض والأسود حسب مفهوم الأمريكيين لهما قبل 1620. فأسلاف كل من الأوروبيين والأفارقة لم يسكنوا القارتين اللتين سُمّيتا في ما بعد على اسم الملاح الإيطالي المغمور فزبوتشي. وإن كان أبناء أوروبا قد جاء معظمهم بمحض إرادته، فأبناء أفريقيا سيقوا إليها مكبلين بالسلاسل وهم يعانون، والعلاقة بين الاثنين تطورت في زمن تاريخي موثق على نحوٍ جيد نسبيًا.

باستثناء الشعوب الأمريكية الهندية، لم يتعامل الدستور الأمريكي، ولا السياسات العادية ولا العلماء الأمريكيون، مطلقًا بارتياح مع فكرة أن بلدنا بلد متعدد الأعراق أو القوميات. وفي الحقيقة لم يكن هناك وقت قط عاش فيه السود والبيض في أمريكا في انسجام في الجنة التي مزقتها المكائد الاستعمارية. ومع ذلك، وتحديدًا بسبب ذلك، من الأسهل أن نعيد تخيل المسارات التاريخية في تاريخ أمريكا الاقتصادي والسياسي لنخلق قوميتين متباينتين، ونواجه ضرورة تحويلهما إلى قومية واحدة، حتى وإن حدث ذلك بشكل منقوص.

من الشائع اليوم أن ننظر بشيء من الاحتقار إلى حركات ومفكرين في التاريخ الأمريكي كانت تعتقد بجدية أن السود والبيض الأمريكيين شعبان منفصلان. ويبدو أن مجرد صياغة الأمر بهذه الطريقة تعطي دعاة الفصل العنصري وملاك العبيد شيئًا من النصر. يتجاهل هذا الرفض أن أبراهام لينكولن كان يميل إلى أن عودة العبيد المحررين إلى أفريقيا هي الأفضل لهم، وأن العديد من البيض وبعض السود في القرن التاسع عشر كانوا يساندون استعمار غرب أفريقيا وإقامة دولة ليبيريا. من السهل التعالي على ماركوس جارفي وحركته “العودة إلى أفريقيا”. لم يعد جارفي، بقبعاته وجعجعته وانهيار حركته في النهاية بسبب الفساد، شخصية ملهمة، لكن كانت هناك لحظة اعتبره فيها مئات الآلاف من الأمريكيين من أصل أفريقي منارة أمل في زمن العنف والفقر. ويبدو أن جارفي، كالكثير من الشخصيات قبله ممن دعوا إلى عودة الأمريكيين من أصل أفريقي إلى أفريقيا، قد رآهم كأشخاص لا يطالبون بشيء سوى بأرض تخصهم ليصبحوا أمة حقيقية.

تتعرض النظرية الوحيدة الزاعمة بأن الأمريكيين من أصل أفريقي قد يكونون قومية مستقلة داخل الولايات المتحدة إلى المزيد من التشكيك حتى. كان هاري هايود، الشيوعي الأسود الذي طواه النسيان منذ زمن، قد كتب “تحرير الزنوج” خصيصًا لطرح فكرة أن سكان الحزام الأسود يستحقون الاعتراف بهم كقومية منفصلة ذات إقليم منفصل. ومهما كان مدى انزعاجنا اليوم من مفهوم التعويضات، إلا أن النظر في التعويضات أسهل بكثير من فكرة كيان ذي سيادة أو شبه سيادة على منطقة من الولايات المتحدة بها نخبة أمريكية من أصل أفريقي. وفي كتابات هايود التي جاءت في إطار تعريف ستالين للقومية، اقترح على رفاقه أن “الزنوج” يشكلون قومية واحدة لأنهم يشتركون في اللغة والتاريخ والعلاقات الاقتصادية والثقافة. كان هايود مدركًا أن الزنوج يتشاركون في العديد من هذه الخصائص مع البيض. لن نجد في حجة هايود انحرافًا عن القاعدة إذا ما نظرنا إلى الأيرلنديين أو الويلزيين أو الأسكتلنديين بوصفهم قوميات مختلفة عن الإنجليز، رغم وجود نفس الخصائص الأولية المشتركة والمفترضة بينهم وبين حكامهم السابقين. ما يميز بعض هذه القوميات عن الآخر إما ادعاء القدم—أي وجودها قبل الغزو—أو “مشروع قومي” في العصر الحديث. وكان هايود يعي أن الشعب الأمريكي من أصل أفريقي نشأ عن طريق الغزو والعبودية، ولذا لم تكن من الممكن نسبته إلى زمن سابق، لكن يبقى عمله مثيرًا للاهتمام إذا استشففنا في جارفي ومالكوم إكس وسائر الزعماء إعلان مشروع قومي. لم يعد الأكاديميون الأمريكيون يعتقدون أن القوميات تصنعها الخصائص الشكلية المشتركة، وعليه طوى النسيان حجة هايود منذ زمن.

في ضوء هذا كله تبدو فترة ما بعد إعادة الإعمار في التاريخ الأمريكي أقرب إلى كونها باكورة المحاولات الأمريكية اللاحقة (والإخفاقات السافرة) لفرض الديمقراطية على مجتمعات منقسمة، وأبعد من كونها المسار المتعثر لليبرالية المنتصرة. كما تبدو الكونفدرالية أقرب إلى مجتمع غريب شكل وجودُه كحكم ذاتي، سواء داخل الولايات المتحدة أم ككيان مستقل، خطرًا وجوديًا على الجمهورية الفيدرالية الليبرالية الصناعية واقتصادها المستند إلى السوق.

طرحت هزيمة الكونفدرالية واحتلالها معضلة أمام المنتصرين والمهزومين على السواء. فقد كان الجمهوريون الراديكاليون يعون تمامًا أن فوزهم بالحرب قد يعني فقدانهم السلام، بينما سعت النخبة السياسية والاقتصادية السابقة بالمنطقة المحتلة بشتى الطرق لتمنع أن تتحول خسارتها للمكانة والنفوذ إلى وضع تُهمَّش فيه كليًا وتحل محلها نخبة جديدة مختلطة من السود والبيض.

في عام 1935، كتب ويليام دو بويز في كتابه “إعادة الإعمار والسود في أمريكا” عن “الشق المنفرد في الجنوب. عمل المزارع الأبيض جاهدًا ليظل الزنجي يعمل لصالحه بشروط وصلت إلى العبودية ولم تكن تختلف عنها كثيرًا… في نفس الوقت لم يكن الأبيض المسكين يريد للزنجي أن يعمل في عمل يدر الأرباح. كان يريد منه أن يقبع تحت قدمي العامل الأبيض.” وأضاف دو بويز واصفًا قلق المنتصرين: “بعد سكرة حماسة الانتصار وزهوه في الشمال، أفاقت الأمة على موجة من التفكير المتأمل. استدعت زمنًا لم يكن فيه واحد من عشرة أشخاص يؤمن بالزنوج، ولا بالتحرر، ولا بأي محاولة لهزيمة الجنوب. بدأ هذا الشعور يظهر قبل انتهاء الحرب، وبعد انقضائها تصاعد أكثر فأكثر ليصل إلى ما يشبه الارتياع.”

رأى دو بويز مهمة إعادة الإعمار كإعادة صناعة للاقتصاد الجنوبي بصبغة ثورية. كان تحليله باردًا بنفس قدر اتّقاد كتاباته. لخص الفصل قبل الأخير من “إعادة الإعمار والسود” في الكلمات التالية: “كيف بدأت الحرب في الجنوب مجددًا – في الحقيقة هي لم تنته قط. وكيف شُدّ بروميثيوس إلى صخرة العصور بوثاق من الكره والأذى والمهانة، وكلما نمت أعضاؤه تآكلت، لكنه يعيش ويقاتل.” وكما أدرك دو بويز، “من الصعب دائمًا إيقاف الحرب، والأصعب إيقاف حرب أهلية. عندما يتمرس الرجال طويلًا بالعنف والقتل، لا بد وأن تنعكس هذه العادة على الحياة المدنية بعد السلام، وهناك جرائم وفوضى وجيشان اجتماعي، كما نعرف نحن، من نعيش في أعقاب الحرب العالمية [الأولى]، حق المعرفة … عندما تضيف إلى ذلك كله عرقًا من العبيد الأقل حظًا، ويمثّل سبب الحرب ويُترك بعدها للأعداء شبه عاريًا، قد تستمر الحرب على نحو أكثر سرية وتقطعًا، ومع ذلك فهي تضاهي في حقيقتها حرب ما قبل السلام. كانت هذه الحال في الجنوب بعد استسلام [روبرت] لي.”

رأى دو بويز أن الدكتاتورية العسكرية (حسب وصفه) أداة ضرورية لتغيير الجنوب، وأن فشل مشروع الإعمار الثوري (حسب وصفه أيضًا)، في خلق جنوب ليبرالي يستند اقتصادُه إلى السوق، جلب في أعقابه ثورة مضادة أشد بأسًا. وأشار إلى أن الأمريكيين “على ما يبدو قد توقعوا أن يتحقق هذا الجيشان الاجتماعي في سلام وأمانة وفاعلية، وأن المزارعين سيتخلون في هدوء عن حق العيش من كدِّ الجماعة السود، بعد مئتين وخمسين عامًا من اعتياد الاستغلال.”

يستند تحليل دو بويز المتأثر بماركس إلى الاعتقاد بأن القوة والعنف يلازمان بالضرورة التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة. ولذلك أبرزت روايته استخدام العنف لتجنب الآثار الثورية على إعادة الإعمار. لا تهتم العلوم السياسية اليوم بالعنف بقدر اهتمام دو بويز وقتها، وينطبق هذا خصوصًا على دراسة السياسات الامريكية، كما أشار دو بويز.

ووصف دو بويز نفسه، مثل كثير من المحللين، جماعة كو كلكس كلان كواحدة من أكبر المساهمين في العنف الذي أطاح بإعادة الإعمار وأعلن انتصار الثورة المضادة. لكن هذه الجماعة كانت منظمة قومية، وكانت قد تفككت بشكل كبير بحلول عام 1872، بفضل الملاحقة الفيدرالية النشطة. وقبل عقدٍ من تأليف دو بويز “إعادة الإعمار والسود”، بُعثت الجماعة من جديد لتشغل هذه المنظمة أذهان الأمريكيين التقدميين مجددًا. ومع ذلك، فالتركيز المبالغ فيه على جماعة كو كلكس كلان يبخس مدى استخدام النخبة المحلية للعنف، ليس فقط ضد الأفراد، بل ضد مؤسسات الدولة أيضًا. فقد ظهرت محاولات متكررة وناجحة أحيانًا من قبل إرهابيين وميليشيات غير رسمية للإطاحة بالحكومات المحلية باستخدام القوة، لتصبح ظاهرة متفشية في حياة الجنوب في الفترة من 1866 وحتى 1900.

يتضح مدى قوة تحليل دو بويز عندما ننظر عن قرب إلى العنف الذي انتشر في الجنوب من 1866 حتى 1900. لم تكن جماعة كو كلكس كلان سوى واحدة من مظاهر التعبير المنظم عن انتشار المقاومة البيضاء لحق الأمريكيين من أصل أفريقي في المساواة في الكونفدرالية السابقة. أشار الجمهوريون الراديكاليون والتقارير الاستقصائية لمجلسي الشيوخ والنواب عن أنشطة الجماعة، والتي امتدت لعدة مجلدات ونشرت عام 1872، إلى أن معارضة الديمقراطية في الجنوب تجاوزت جماعة كو كلكس. وذكر تقرير الأغلبية أن البيض الجنوبيين لن يقبلوا إعادة الإعمار “طالما تتبنى تحرير الزنوج وارتقائهم المدني والسياسي.”

تطلبت عرقلة الجماعة اعتقالات جماعية، وفي إحدى الحالات (في جنوب كارولاينا) تعطيل حق المثول أمام القضاء والمحاكمة العاجلة (habeas corpus). وإن كانت جماعة كو كلكس قد تفككت بسبب التدخل العسكري الفيدرالي الحاد، فإن أنشطة الجماعات الإرهابية غير المركزية والعفوية في بعض الأحيان، وكذلك ميليشيات البيض المحلية، أخذت في النمو. واستمر استخدام العنف في مهاجمة الحكومات المنتخبة بطريقة ديمقراطية في أنحاء الجنوب حتى نهاية القرن التاسع عشر على الأقل. كان ذلك بعد 1876 بكثير، وهو عام نهاية إعادة الإعمار كما هو متعارف عليه. حتى التحول الديمقراطي المتعثر أو المؤقت كان يتطلب استخدام كامل قوة الاحتلال لإحباط الضغوط المضادة للديمقراطية.

وقعت أحداث العنف مبكرًا في مدينة نيو أورلينز. في عام 1866، صوتت هيئة تشريعية منتخبة يهيمن عليها المزارعون لصالح إعادة العمل بدستور ما قبل الحرب الأهلية. استخدم حاكم الولاية، وكان مزارعًا اسمه جيمس ماديسون ويلز، حقه في رفض التشريع ودعا إلى عقد مؤتمر دستوري في نيو أورلينز، ثم في مقر حكومة لويزيانا. قام جون مونرو، العمدة وزعيم جماعة سرية، بتسليح الشرطة والمواطنين المحليين لمهاجمة المؤتمر وقت افتتاحه. ويوم 30 مايو عام 1866 وصل الأمر إلى مذبحة مدبرة قتل فيها عدد يراوح بين 38 و48 شخصًا وأصيب فيها ما يزيد عن مئة شخص. عاد الجنرال فيليب شيريدان، وكان الرئيس جرانت قد عينه حاكمًا للمنطقة العسكرية في الجنوب الغربي، من تكساس ووصفها بالمذبحة. ولولا وجود القوات الفيدرالية واستعدادها للتدخل، لانتهت إعادة الإعمار في نيو أورلينز قبل أن تبدأ حتى. بدعم من شيريدان، انعقد المؤتمر أخيرًا عام 1868، وتبنى دستورًا يضمن الحقوق السياسية للسكان السود ويلغي لوائح العمل القمعية، وإن كان قد قصر حق الانتخاب على الرجال.

في نظر العديدين بالعصر الحديث لا يعد شيريدان، الذي سُمي أحد ميادين واشنطن العاصة باسمه، شخصية جذابة بشكل خاص. قاد شيريدان جيش شينندوا الذي شابَهَ في تدميره لاقتصاد الكونفدرالية المدني حملة شيرمان الشهيرة “مسيرة نحو البحر”. كما شن حملات مشابهة ضد قبائل شايان وكومانشي وكيوا، بالإضافة إلى حرب يوت وحرب النهر الأحمر وحرب سو العظمى. كما استجاب بقوة في أحداث نيو أورلينز، وفصل على الفور الحاكم ويلز والعمدة مونرو، وجرّد العديد من السكان البيض من حقهم في التصويت. وهو نفسه قد فُصل على يد الرئيس أندرو جونسون، الذي اتهمه بالاستبداد.

من أجل تحقيق إعادة الإعمار الديمقراطية في لويزيانا، كانت سائر مناطق الجنوب تحتاج إلى أكثر من مؤتمر دستوري واحد. ففي مقاطعة جرانت تواجهت الميليشيات المسلحة في خضم صراع متأزم وبالغ الاضطراب حول الانتخابات المحلية. وفي أبريل 1873، عقب المنافسة الحامية في الانتخابات التي فاز فيها كل من الجمهوريين والديمقراطيين، خاضت ميليشيات السود والبيض معركة من أجل السيطرة على دار القضاء بالمقاطعة في مدينة كولفاكس بولاية لويزيانا. تغلب البيض المسلحون، بقيادة ضباط الكونفدرالية السابقين، على ميليشيا السود بقيادة ضباط الاتحاد السابقين. بالإضافة إلى الخيل والبنادق، كان بحوزة ميليشيا البيض مدفع وزنه 4 أرطال. ومع نهاية المعركة مات عدد يتراوح بين 100 و275 شخصًا من الرجال والنساء والأطفال السود، وأُعدم الكثيرون رميًا بالرصاص على مؤخرات رؤوسهم. أصبحت مذبحة كولفاكس (كما عرفت وقتها) فضيحة على المستوى القومي، لكن مضاعفاتها جاءت لتؤكد بشكل مبدئي مدى فاعلية عنف ميليشيات البيض. وفي عام 1950 علقت ولاية لويزيانا لافتة على الطريق عند موقع مذبحة كولفاكس لتبريرها.

ولذلك فلا عجب أن ميليشيات البيض في نيو أورلينز حاولت مجددًا في السنة التالية استخدام العنف للبتِّ في مسألة القوة السياسية. كانت هذه “معركة مكان التحرير”، حيث هاجمت العصبة البيضاء، بصفتها “ميليشيا ولاية لويزيانا”، اجتماع مجلس تشريعي عليه خلاف. تغلب نحو 5000 عضوٍ من العصبة على 3500 فردٍ من الشرطة ورجال ميليشيا الدولة، وسيطروا على مبنى المجلس التشريعي لثلاثة أيام قبل أن تطردهم القوات الفيدرالية. وفي عام 1891، عقب سحب الدولة رسميًا حق الانتخاب من السكان السود، أقام مجلس مدينة نيو أورلينز نصبًا لتخليد ذكرى أحداث عام 1874. أقيم النصب في مكان بارز بشارع كنال، ورغم نقله عام 1993، إلا أنه ظل معروضًا في ساحة عامة حتى عام 2015.

كان انسحاب القوات الفيدرالية، بعد تسوية الانتخابات الرئاسية عام 1876، بمثابة إعلان لانتهاء إعادة الإعمار. واستمر الصراع حول حقوق السود السياسية. وصل العنف السياسي ذروته في شمال كارولاينا عام 1898، في ما وصف بالانقلاب الناجح الوحيد في تاريخ أمريكا: حيث أطاح عصيان مسلح بالحكومة المنتخبة قانونًا في واحدة من كبرى المدن الأمريكية. حتى عام 1898 كان أغلب سكان مدينة ويلمينجتون من السود، لكن عقب إجراء انتخابات خلافية نظّمت جماعة سرية من البيض المتعصبين مجموعة من الرجال المسلحين، ضمت “كتيبة مشاة ويلمينجتون الاستطلاعية”، لمهاجمة أعمال تجارية يملكها السود من بينها جريدة صحفية. بعدها قام هؤلاء الرجال، أو بالأحرى مجموعة الغوغاء، بإجبار العمدة الجمهوري الأبيض وآخرين من أعضاء مجلس المدينة على الاستقالة، وعينوا مجلسًا جديدًا.

بحلول عام 1898، وعلى عكس عام 1868 وعامي 1873 و1874، لم تكن هناك قوات فيدرالية للحد من استخدام العنف في الإطاحة بالحكومات المنتخبة. هرب السكان السود وأصبحت الأغلبية في مدينة ويلمينجتون من البيض. ويمكننا وصف ذلك حسب المصطلحات الحديثة بأنه نوع من التطهير العرقي، إضافة إلى كونه انقلابًا. وما نطلق عليه اسم “الهجرة الكبرى” من الجنوب للأمريكيين من أصل أفريقي في القرن العشرين، كان عملية أبطأ سعى من خلالها اللاجؤون إلى الأمان والبدايات الجديدة، وتغيرت فيها الطبيعة الديمغرافية بالجنوب. في عام 1868، كانت نسبة السكان السود في ولاية مسيسيبي تصل إلى نحو 60 في المئة، أما اليوم فنسبتهم أقل من 40 في المئة.

كان المتمردون، الذين نجحوا في تنصيب حكومة متعصبة للبيض، معروفين للجميع ويسهل التعرف عليهم من ملابسهم: القمصان الحُمر. وفي أواخر القرن التاسع عشر كان للقمصان الحُمر معنى غير ما نعرفه اليوم. كانت قوات جاريبالدي في إيطاليا ترتديها وكانت مرتبطة بشكل واسع بميليشيات الحركات القومية. وكان معروفًا في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا اللاتينية أن ارتداء القمصان الحُمر يشي بالمشاعر الوطنية والاستعداد لاستخدام العنف في سياق القومية الصاعدة.

لدينا ما يكفي من الأسباب لنعتقد أن علينا رؤية إعادة الإعمار في ضوء أقرب إلى القوميات المعاصرة، وبناء الدولة، وقمع حقوق الأقليات السياسية، بدلًا من مجرد رؤيتها كصراع فاشل أو مبتسر لنشر قيم الفردانية الليبرالية الأمريكية ضد الانحياز العنصري. لقد حاربت نخبة قديمة ومتردية من البيض الجنوبيين وأخرى صاعدة، لإخضاع الأقلية تحت سيطرتهما، وسعت كلتاهما في هذا المسار إلى ضمان سيطرتهما على سائر المنتمين للأغلبية.

لقد كانوا على استعداد لاستخدام قدر كبير من العنف على شاكلة الإرهاب والعصيان، وكذلك كل السبل القانونية المتاحة أمامهم. كانوا يرون أنهم يعيدون خلق الأمة، وكانوا يخشون أن تؤدي الهزيمة العسكرية إلى فقدانها. افتقر مواطنو الولايات المتحدة، وقد هزموا أعداءهم، إلى القوة الدائمة لتغيير المجتمع الذي هزموه كما يقول دو بويز. وبعد مضي عقد استسلموا. وهكذا تضافر المواطنون الشرفاء من الجنوب، والأصوليون المتدينون، وجنود النظام المهزوم السابقون، وحتى من تعلموا قيم الليبرالية الأمريكية في أفضل جامعاتها مثل برينستون وهارفرد ويل، من أجل خلق نظام قمعي وسلطوي استمر أكثر من مئة عام.

اعلان
 
 
إليس جولدبرج