Define your generation here. Generation What
جيسيكا جونز: البطلة الخارقة لضحايا الاعتداء الجنسي
 
 

مثل الكثيرين ممن يميلون إلى المشاهدة المكثفة للمسلسلات التليفزيونية، وجدت نفسي في عطلة الأسبوع منكبًّا على حلقات أولى مواسم المسلسل الأمريكي “جيسيكا جونز“، والذي أنتجته شركة نيتفليكس وألّفته ميليسا روزنبرج معتمدة على شخصية كاريكاتورية بنفس الاسم أنتجتها سلسلة مارفل، ويركز على بطلة خارقة (superhero) تتحوّل إلى محققة خاصة، وتقوم بدورها كريستن ريتر، وعلى صراعها مع ما يعرف بـ”اضطراب ما بعد الصدمة” بعد احتجازها على يد شخص شرير وسادي، يقوم بدوره الممثل الإسكتلندي ديفيد تينانت.

يعتقد كيلجراف، المجرم الذي اعتدى عليها، بأنها ماتت جراء التعذيب الوحشي الذي قام به، وهو ما لم يحدث بالطبع لأن الأبطال الخارقين لا يموتون كما نعرف جميعًا. تقرر جيسيكا جمع شتات نفسها ومحاولة البدء في إعادة بناء حياتها. الأمر صعب، فهي تعيش في الحضيض العاطفي تقريبًا، ولذا منعت نفسها من الدخول في علاقات عاطفية، تاركة لزجاجات الخمر الرخيص مهمة محو ذكرياتها السيئة.

أعترف أنني دخلت في المشاهدة شبه أعمى، ليس فقط لمعرفتي القليلة حول قصة المسلسل الأصلية وشخصيته الرئيسية، ولكن ﻷني لا أعتبر نفسي خبيرًا بحكايات وروايات الأبطال الخارقين، ومن ثم الثقافة الشعبية المرتبطة بهم. ورغم ذلك فقد كنت مهتمًا للغاية بكيفية تصوير التليفزيون لضحايا العنف الجنسي.

كثيرًا ما يجري التعامل مع هذا الانتهاك القاسي كأداة لتقديم حبكة مريحة نفسيًا وغير مقنعة فنيًا، وفي هذا السياق يمكن التذكير بالمسلسل الضعيف فنيًا “قضية رأي عام” الذي عُرض عام 2007. لطالما استُخدم اغتصاب المرأة في التليفزيون لتحفيز الرجال على البدء في العمل، على غرار “ترو ديتيكتيف“، أو كسِرّ خفي ومظلم في حياة بطلة ذات شخصية قوية ومسيطرة، ويُكشف عنه لإظهار ضعفها، مثلما في مسلسل “كيف تفلت من جريمة قتل”. ولكن المشاهد المبكرة من “جيسيكا جونز” تُظهر أنه لم يعد هناك مجال للسرديات الكسولة التي تقدِّمها أعمال التيار الرئيسي (mainstream)، وبدلاً من ذلك تغوص عميقًا وبشكل أصيل داخل مسألة نجاة ضحايا العنف الجنسي وكيفية استمرارهم بعد ذلك في الحياة.

لاحقا بعد 13 حلقة، هي عدد حلقات الموسم الأول من المسلسل، سيتبيّن لي أن “جيسيكا جونز” واحد من أكثر العروض التليفزيونية التي شاهدتها إرعابًا وإزعاجًا، وهذا التصنيف لا يتعلق بدرجة العنف الصريح أو مستوى الاستغلال في المسلسل، فتجدر الإشارة هنا إلى أن لا أحد يُغتصب أبدًا على الشاشة، أما مشاهد الجنس فتظهر من خلال ممثلات بديلات غالبًا، وبعيدًا عن بعض مشاهد تقطيع الأوصال وبقع الدم وعدد من المعارك بالأيدي، يبقى الإرهاب الحقيقي للمسلسل إرهابًا نفسيًا بالدرجة الأولى، وتمكن رؤية جذوره في قدرة كيلجراف على الإقناع والتلاعب، ليس فقط مع ضحاياه ولكن مع كل مَن في محيطهم. أكثر من هذا، فإن سيطرته وتحكمه يمتدان إلى ما هو أبعد، مع تاريخ طويل من إجبار جيسيكا على العبودية الجنسية ومن منع شفائها بعد أن نجحت في إطلاق سراح جسدها منه.

هناك كلمة في الإنجليزية تصف ظهور كيلجراف جيدًا، وهي الـ”triggering”، وقد تعني “التحفيز” في العربية، بدون اﻹشارة لـ”زناد المسدس” المتضمن في الكلمة اﻹنجليزية. أعتقد أن السبب الدقيق وراء اختيار صنّاع العمل تصوير كيلجراف على هذه الصورة القاسية وغير المحتَملة، هو أنهم وضعوا نصب أعينهم أنه لو قُدِّر لأحد ممَن اختبروا الاعتداء الجنسي من قبل مشاهدة المسلسل، فإن الانزعاج الشديد للمُشاهِد صاحب التجربة سيكون من شخصية كيلجراف، والذي يقوم بدوره تينانت بحساسية ماهرة وبصيرة ثاقبة، في تنافر كبير مع دوره الأشهر والمحبوب “دكتور هو“. يظهر كيلجراف في المسلسل كزناد المسدس، ويؤذن ظهوره بدخول طريق جحيمي يجبر أكثر العواطف إيلامًا على الظهور، هو المختلّ العقلي الذي يذكِّرنا بثيمة الرجل اللطيف الساحر المحبوب الذي يخدع الجميع ولا يجعلهم يفكرون ولو لحظة في كونه هو ذلك المغتصب السادي، وهي ثيمة ظهرت من قبل في السينما والتليفزيون، ولكن تينانت هنا يحفظ مكانًا مميزًا لشخصيته في سجل الساديين الساحرين.

في الواقع، يُعتبر كيلجراف وجهًا تليفزيونيًا أكثر شرّا من أحد أكثر الوجوه الحالية شرًا، وأعني هانبيال ليكتر. فبدلاً من الانحياز جماليًا إلى مذبحة جروتسكية منفذّة بابتكار لإرهاب ضحاياه كما يفعل هانيبال، يختار كيلجراف الانخراط في الممارسات المنتشرة التي تعاني منها أغلب النساء على أساس منتظم، وتشمل عُدّة إرهابه الإقناع والمطاردة والتلاعب بعقل ضحيته. هو يحظى بثقة الجميع من حوله لضمان الحفاظ على سيطرته، وهو قادر على إعادة كتابة سرديته عند كلّ منحنى درامي، لكن صرخات جيسيكا وحدها تؤكد حقيقة ما يفعله. “جيسيكا، أعرف أنك كنت تشعرين بعدم الأمان، ولكن هذا حزين”، هكذا يرد عليها حين تخبره بأنه يقودها إلى الانتحار. “أنا لا أعذّبك. لماذا قد أفعل ذلك؟ أنا أحبك.”

ولأن كيلجراف اعتاد على امتلاك أناس ينفذّون ما يطلبه حرفيًا، أيًا كان ما يريده (عند لحظة معينة يقوم بإجبار امرأة في الشارع على الابتسام له في إيماءة غريبة حتى على التحرش الجنسي في الشارع)؛ فإن غضبه يظهر حين ترفض جيسيكا أن تكون معه بمحض إرادتها. “لقد جعلتني أشعر بشيء لم أحسّه من قبل أبدًا، التوق”، يقول لها، كأنه نموذج للحبيب السابق المرعب الذي يحاول استعادة فتاته بكل الطرق الممكنة والملتوية؛ يدّعي أنه شريكها المثالي وأنه سيفعل أي شي لأجلها وأنه سيسعى لـ”إثبات ذلك”حتى ولو بالإكراه، يجبرها على الموافقة على أن تكون معه، وفي تلك العملية يسحبها بعيدًا عن أولئك الذين يحبونها فعلًا، يعزلها في منزل طفولتها، ولسخرية القدر فهذا هو المكان ذاته الذي تقول إنها قضت أسعد أيامها فيه. حتى أن هناك حلقة كاملة مكرّسة لاحتمالية “خلاصه” و”توبته” من خلال بلورة قصة تأسيسية لحياته السابقة يمكنها جعل المشاهدين يبحثون عن أعذار أو أسباب لسلوكه الوحشي، بمنطق أن كلّ إنسان ضحية في النهاية، وأن أحدًا لا يختار أن يكون “ابن ستين كلب”، وأننا أيضًا نقوم بجلد المعتدين أنفسهم، مما يحولنا في النهاية ﻷشباه لهم. هذه الصفحة المنزوعة مباشرة من كتالوج العنف المنزلي والمحلي قد لا تكون أكثر من مجرد رؤية للعالم في رواية كوميكس، ولكن في المسلسل فلا يمكنها أن تكون أكثر دقة بالنسبة لنا، نحن الذين تحمّلنا رؤية كل هذا العنف الكامن بداخل شخصية كيلجراف.

لا يقوم كيلجراف فقط بأشياء مؤذية وفظيعة تجاه جيسيكا، المرأة التي يزعم أنه يحبها، ولكنه يملأها بالشكوك الداخلية ليجعلها تعاقب نفسها على أشياء لم تفعلها يومًا. هو يعيش بمقولة ” هذا ما جنته يداك عليك” أو “انت اللي عملت كده في نفسك” فيوبِّخ جيسيكا لإلقائها الشراب عليه، مصرًا على أنه لم يتهمّ أحدًا من قبل بالتسبّب في أي ضرر تحدثه يداه هو ذاته. تُجبَر جيسيكا على الإتيان بـ”دليل” براءتها، رغم أن لا أحد من المشاهدين يعتقد أنها تحتاج لذلك من الأساس. الخدعة الأكثر إذهالًا في هذا المسلسل، وخلافًا لسرديات الجرائم الحقيقية التي يقوم بها مجرم ذو شخصية ساحرة، هو أن كلًا من المشاهدين يحدد انحيازه من البداية لحظة كشف الاتهام، ثم بعد ذلك يتابع بألم جيسيكا وإحباطاتها وانفعالاتها في سعيها للعدالة.

ما من فرصة صغيرة يضيّعها المسلسل للتأكيد على استحقاق جيسيكا للتعاطف والأسف لحالها. حتى وهي في أسوأ قراراتها وحالاتها يبقى ما تقوم به في عين المشاهِد علاجًا ذاتيًا يمكن فهمه في سياق ما اختبرته من مشاق وصعاب. وفي سياق متصل، لا يفترض المسلسل أن جيسيكا إنسانة كاملة مثلًا، بل يقدّمها كشخصية تقوم باختيارات سيئة، وتُلقي بنفسها في أرض التهوّر المهلكة، لكنها تبقى بعيدة عن صورة البطلة المثيرة الفوضوية التي طالما اعتمد عليها التليفزيون الأمريكي. من ناحية أخرى، نتفهم كمشاهدين ما تقوله جيسيكا حتى وإن لم نتفقّ مع أفعالها، وبعيدًا عن قدراتها كبطلة خارقة، نفهم أنها قادرة على الفعل، وأنها محطّمَة ولكن قوية، متعثرِة ولكن مثابرة، وأنها مثل كثير ممن نعرفهم من “الناجين”، الذين يبذلون قصارى جهدهم أمام ما قد يضطرون لمواجهته، وهذا جزء من إنسانية “جيسيكا جونز” التي تجعلها قريبة من القلب.

“جيسيكا جونز” في جوهره مسلسل عن عادتنا المرذولة في عدم تصديق حكايات النساء اللاتي اختبرن انتهاكات قاسية، وإلقائنا عليهن مسؤولية إقناعنا بما يحكينه. المسلسل حيوي وفعّال للغاية في تقديمه لبورتريه لذلك الرجل صاحب الكاريزما الذي يذهب إلى الطرف الأقصى من المشاعر والأفعال المظلمة، وفي استخدامه للقوة الطاغية لكيلجراف لتسليط الضوء على تحكُّم المعتدي شبه الكامل في كلّ من ضحاياه والناس العاديين. يقدّم المسلسل خدمة يجب تقديرها في نقله لتجربة حقيقية ومعقدة للغاية لضحايا الصدمات النفسية طويلة الأمد، وهذا نوع مختلف من أعمال الاغتصاب والانتقام.

وأخيرًا، يختار المسلسل تركيز اهتمامه على التحرك للأمام والمضي قدمًا في الحياة، أكثر من اهتمامه بفانتازيا العقاب المستحيلة، ورغم قسوته بالنسبة للناجين من أية انتهاكات جسدية، فأنا أرشّحه بشكل شخصي للمشاهدة كنوع من التنفيس، لاعتقادي بأن الإيمان بجيسيكا جونز والتأصيل لها، قد يكون وسيلة للإيمان بذاتك والتأصيل لها أيضًا.

اعلان