صورة مصفرّة للقاهرة
 
 

رغم ملاحظة البعض أن عدد عروض أفلام المنطقة العربية في مهرجان برلين السينمائي لا يزيد كثيرًا عن عدد العام الماضي، فمن المؤكد أن هناك الكثير من الضجة الإعلامية هذا العام حول السينما العربية في المهرجان.

فقد كثر الحديث، على سبيل المثال، عن الفيلم التونسي “نحبك هادي” (محمد بن عطية، 2016)، وكونه أول فيلم عربي يعرض منذ زمن بعيد في مسابقة المهرجان الرسمية، على الأقل منذ عرض “الجنة الآن” سنة 2005.

كان حضور أفلام السينمائيين العرب محسوسًا في الطوابير المصطفة أمام دور العرض هنا، فالناس يريدون مشاهدة الأفلام، وأتصور أن في هذا تشجيعًا أكبر مما في عدد الأفلام نفسها.

بخصوص الافتتاح العالمي للفيلم الروائي الذي طال انتظاره للسينمائي المصري تامر السعيد “آخر أيام المدينة” في الرابع عشر من فبراير، فقد بيعت التذاكر بسرعة، واصطف طابور طويل خارج سينما ساين ستار في قلب برلين. استغرق إنتاج “آخر أيام المدينة” عشر سنوات، ولكن إنتاجه ساهم على مدار هذا الوقت في الجمع بين كثير من المبدعين من شتى أرجاء العالم العربي الذين يعملون بطريقة أو بأخرى في ما يعرف بالسينما المستقلة.

يبدأ الفيلم بصور مصفرَّة للقاهرة. وهو فيلم روائي ليس له منحنى سردي محدد، قد يعطي المشاهد الإحساس بالارتجال، إلى أن تتضح سريعًا سيطرة السعيد على الصورة وأداء الممثلين، ويتبين أن مواقع التصوير مصممة بدقة، وأن حركة الكاميرا محسوبة ومتميزة، وحركة الممثلين في علاقتها بالإطار مسبقة التخطيط. ولأننا سرعان ما نعي دور الكاميرا في خلق الصورة، فإن الفيلم يسائل بتأمله الذاتي آليات عمله نفسها.

يتتبع “آخر أيام المدينة” شخصية خالد (التي يؤديها خالد عبد الله) وهو يجوب شوارع وسط القاهرة. يقابل أصحابًا قدامى ويتذكر حبيبة توشك على الرحيل عن البلد بلا نية في الرجوع، وفي بعض الأحيان يتناول الكاميرا ويبدأ في التصوير. خالد سينمائي منخرط في مشروع فيلم طويل يسعى للربط بين صور ثلاث مدن عربية طرأت عليها جميعًا تغيرات واضحة بفعل الزمن والتاريخ: بيروت والقاهرة وبغداد. ويحاول المراوحة بين العمل على فيلمه والبحث العقيم عن شقة جديدة يعتني فيها بأمه المريضة. ويبدو واقعًا في شرك دائرة محكمة يعجز عن الخروج منها. وهنا يكمن أحد أسباب إحساسي أثناء مشاهدة الفيلم بالإثارة إلى حد انحباس التنفس.

يؤدي الاعتماد الكثيف على اللقطات القريبة [close-ups] إلى خلق علاقة زمنية ومكانية بالصورة التي تبرز جوانب الفيلم الأسطورية الخرافية. وفي بعض الأحيان يذكّرنا “آخر أيام المدينة” بـ “هوى جان دارك” لكارل تيودور دراير (1928) فكلا الفيلمين يستعمل اللقطات القريبة مع الوجوه في خلق إحساس بالجلال ـ وأعني حالة الأصداء السيكولوجية الحادة التي يسمها البحث عن المعنى، والإدراك العميق في واقع الأمر لجوانب الحياة التي لا سبيل إلى سبر أغوارها. هذه هي الجوانب التي تبقى مجهولة في الحياة اليومية، فتكون تجربة مشاهدة “آخر أيام المدينة” منفصلة عن اليومي العابر، مثيرة للكثير من الأسئلة حول الاشتباك الحسي المحكوم بالعادة مع العالم. يظهر الزمان والمكان منسابين في لحظات الأسى الخافت التي يقدمها الفيلم، فتكون علاقتنا بالزمان وبالمكان مهيأة للتشكل من جديد.

ولعل هذا هو التيار التحتي السياسي الأكثر أهمية في الفيلم: إتاحته للمشاهد أن يعيد التفكير في المكان والزمان في ضوء نموذج أكثر سيولة، فهذه الإتاحة تمثل خطوة نحو تحقيق فهم جديد لعلاقتنا بالماضي وبأحداث تاريخية محورية مثل ثورة الخامس والعشرين من يناير. خاصة وأن أحداث 2011 تسيطر على الفيلم منذ بدايته وحتى نهايته.

جرى تصوير “آخر أيام المدينة”، وتجري أحداثه ـ على أحد المستويات السردية ـ في عامي 2009 و2010، ثم استمرت عملية مونتاج الفيلم منذ ذلك الحين فلم يكتمل إلا حديثا. هذه الصور تستنفر الغياب، وربما النسيان، والإحساس باللامرئي في المرئي.

تخلق طريقة الكاميرا في النظر إلى العالم صورة مسكونة بالإشارات إلى المستقبل الذي تتعذر رؤيته، ولكن هناك تحت السطح فقاعات من اللحظة الحاضرة. لا سيما عند تصويره للتماثيل الكثيرة القائمة في ميادين وسط مدينة القاهرة، كما يتكرر استحضار علاقة الحاضر بالتاريخ. ولكن زوال الغشاوة عن عيون الشخصيات في رؤيتها لما يحيط بها تعطي إحساسًا بالارتياح بقدر ما تعطي إحساسًا بالحزن العميق. وهذا في تقديري الجانب الأكثر إبداعًا في “آخر أيام المدينة” وإسهامه الأساسي في صناعة السينما المصرية: أنه يساعدنا، لا سيما في العالم العربي، على رؤية العالم بطريقة مختلفة.

“زاوية للتوزيع” هي التي تتولى توزيع “آخر أيام المدينة”، الفيلم الروائي الأول لسعيد، ولذلك يمكنكم أن تتوقعوا عرضه في القاهرة في المستقبل القريب.

اعلان
 
 
نور الصافوري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن