Define your generation here. Generation What
السيسي ورئيس وزراء المجر: ألفة الاستبداد
 
 

قام رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان بأول زيارة رسمية له لمصر الأسبوع الماضي ولمدة ثلاثة أيام، وهي الزيارة التي جاءت رداً على زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي للمجر منذ عام مضى، وأسفرت عن سيل من التصريحات صدرت عن القائدين معبرة عن الدعم المتبادل بين البلدين.

وقد خلا مديح أوربان للسيسي من العتاب الخفيف من عينة “سوف نستمر في دعمكم، ولكن قد يكون من الأفضل لو احترمتم حقوق الإنسان”، الذي عادة ما يتخلل خطابات حلفاء السيسي في كل من بريطانيا والولايات المتحدة.

بل ان أوربان، في مؤتمر صحفي مشترك، وصل حد أن صرح بشكل غير مباشر بأن الديمقراطية قد لا تكون على هذه الدرجة من الأهمية لمصر الآن.

“لسنا معلمي ديمقراطية. وعلى كل أمة ان تتخذ من القرارات ما يخص شئونها” قال أوربان، مضيفًا “بدون مصر لا يوجد استقرار في المنطقة العربية، وحيث ان المسافات قصيرة في العالم الحديث، يمكننا أن نقول إنه لن يكون هناك استقرار في أوروبا أيضا بدون استقرار في مصر”، بحسب جريدة المجر اليوم.

في نفس المؤتمر الصحفي قال السيسي “يجب أن أشكر المجر لموقفها الإيجابي تجاه مصر رغم المواقف السلبية لبلاد أخرى تتجاهل التحديات التي نواجهها.”

كانت السلطات المصرية في كثير من الأحوال عبرت عن استيائها من الادعاءات الدولية بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان، متهمة منتقديها بازدواج المعايير أو محاولة زعزعة استقرار مصر أو كانت ببساطة تتجاهل تلك الملاحظات باعتبارها غير حقيقية.

لم يقتصر الاعجاب المتبادل بين أوربان والسيسي على الكلمات. فقد وقع البلدان عددًا من الاتفاقيات الاقتصادية، حتى أن السيسي حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة بودابست خلال زيارته للمجر. وعوضًا عن التحالف الاقتصادي أو التجاري بين البلدين يبدو أن العلاقات المصرية المجرية تستند أيضا إلى تزاوج في العقول.

فقد بدا أوربان سعيدًا بخلفية السيسي العسكري. “نحن لا ننفر من العسكريين حين يتحولون إلى قادة سياسيين”، قال أوربان أثناء زيارة السيسي. وتذكر أوربان حالات سابقة حين “انتزع جنود حازمون السلطة منا نحن المدنيين الضعفاء بغرض إنقاذ البلاد”.

هذا الدعم التام المتبادل بين القائدين ليس مفاجئًا إذا وضعناه في سياق أسلوبهما المفضل في الحكم. فقد كان أوربان، وحده تقريبًا، مسئولا عما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش في نيويورك بـ”انحدار المجر نحو الاستبداد منذ 2010″.

كما حصل السيسي على نصيبه الخاص من النقد من قبل المنظمات الحقوقية، حيث قالت هيومن رايتس ووتش إن حالة حقوق الإنسان في مصر شهدت تدهورا سريعا منذ وصول السيسي إلى الحكم في عام 2013.

كما انتهج الرئيسان في بعض الأوقات سياسات شديدة الشبه فيما بينها، بداية من تعاملهما مع منظمات المجتمع المدني إلى موقفهما من الأطراف التي تحاول مساءلتهما في هذا الشأن.

فيما يلي أوجه الشبه بين الرئيسين التي تجعل من السيسي وأوربان أقرب إلى توأمين فيما يتعلق بالاستبداد.

كلاهما يعادي حرية الصحافة

بعد وصول أوربان إلى السلطة في عام 2010، بدأ هو وحزبه “فيديس” فورا في إصدار تشريعات تعرضت للكثير من النقد باعتبارها مقيدة بشدة لحرية الاعلام.

في ظل حكم أوربان أنشئت جهة رقابية لها سلطة “إصدار أو تعليق التراخيص، ومراقبة مضمون الاعلام، وفرض الغرامات والجبايات في حالات انتهاك المحتوى الإعلامي” بحسب فريدوم هاوس. أما رئيس الهيئة فيقوم الرئيس بتعيينه.

كما أصدرت حكومته تشريعًا يشمل تعريفًا فضفاضًا للغاية لممنوعات المحتوى الإعلامي، فأصحبت أمور مثل إهانة “الكرامة الإنسانية” أو التمييز ضد “أي أغلبية” أو “أي كنيسة أو جماعة دينية” من الأمور الممنوع الحديث عنها.

هذا وقد عبر كل من المجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي والممثل الإعلامي لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومقرر الأمم المتحدة الخاص بحرية التعبير عن انتقادهم الشديد لتشريعات المجر، إلا ان الحكومة المجرية رفضت تلك الانتقادات أو اتهمت البلدان الأوروبية الأخرى بازدواج المعايير.

الانتهاكات الإعلامية التي حدثت منذ انتخاب أوربان شملت فصل رئيس تحرير أوريجو، وهو موقع إليكتروني اخباري مستقل في عام 2014، بعد أن نشر تحقيقًا عن سوء استخدام سكرتير الدولة للأموال العامة. وقد تظاهر المئات من الصحفيين ضد فصله واستقال 30 صحفيا من الموقع احتجاجًا على ذلك.

في نفس العام، أصدر البرلمان المجري تشريعا يفرض الضرائب على الإعلان في الاعلام، استهدف بحسب هويمان رايتس ووتش بالأساس محطة آر تي إل كلوب، وهي المحطة التليفزيونية الوحيدة المستقلة في المجر.

وبالمثل تعرضت مصر لانتقادات واسعة بسبب الهجوم على حرية التعبير في ظل رئاسة السيسي. حتى ان لجنة حماية الصحفيين صنفت مصر كثاني أسوأ دولة في العالم فيما يتعلق بحبس الصحفيين بعد الصين.

أصدرت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين بيانا في فبراير وثقت فيه 782 انتهاكًا ضد الصحفيين في عام 2015، وشملت الانتهاكات عمليات القبض والاقتحام والاعتقال والحبس والاتهامات المفبركة والمنع من العمل وتدمير المعدات واتخاذ تدابير عقابية ضد محاولات توثيق تلك الانتهاكات، التي قامت بها في أغلب الأحوال وزارة الداخلية أو مؤسسات أخرى في الدولة.

دخلت حكومة السيسي في صراع محتدم مع نقابة الصحفيين حين قامت قوات الأمن باقتحام مقر النقابة لإلقاء القبض على صحفيين متهمين بنشر أخبار كاذبة من خلال تغطيتهما لاحتجاجات 25 أبريل ضد قرار مصر نقل السيادة وملكية جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية.

وفي تطور لاحق أحيل نقيب الصحفيين يحيى قلاش وعضوا المجلس خالد البلشي وجمال عبد الرحيم إلى المحاكمة بتهمة إيواء صحفيين وترويج أخبار كاذبة بشأن اعتقالهما.

إضافة إلى الهجوم على الصحافة، يناقش البرلمان المصري حاليا مسودة قانون للإعلام يتضمن انشاء هيئة قومية للإشراف على الاعلام. كذلك ينص المشروع على ضرورة حصول الاعلام الاليكتروني على تصريح مكتوب بالنشر من الهيئات القومية المعنية.

الاثنان يستخدمان قضية التمويل للهجوم على المجتمع المدني

في عام 2014 قامت قوات الأمن باقتحام مكاتب منظمتين غير حكوميتين مجريتين يديران التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، وصادرت أجهزة الكومبيوتر الخاصة بالعاملين والسيرفر الخاص بالمنظمتين واتهمتهما “بالاختلاس والقيام لنشاط مالي بدون تصريح” بواسطة “فاعل مجهول”.

جاءت عمليات الاقتحام بعد عمليات تفتيش مالي مفاجئة لبعض المنظمات غير الحكومية. إحدى المنظمات التي تم اقتحامها، أوكوتارس، سبق ان وجهت لها اتهامات بانتماءات سياسية لحزب مجري معارض. تقوم هاتان المنظمتان بإدارة الأموال لعدد من المنظمات البارزة في مجال حقوق الإنسان ومقاومة الفساد.

بعد عمليات الاقتحام تم التحقيق مع المنظمات غير الحكومية والعديد من المنتسبين لها بتهمة “الاحتيال المالي” في خطوة وصفتها هيومان رايتس ووتش “بالاعتداء” على المجتمع المدني.

استخدام الادعاءات المالية لاستهداف المجتمع المدني تكتيك معروف عن الحكومة المصرية.

ففي هذا العام أعادت السلطات فتح ملف قضية عام 2011 ضد عدد من المنظمات غير الحكومية المحلية ومنظمات المجتمع المدني. واتهمت المنظمات بالحصول على تمويل أجنبي بشكل غير قانوني وبكونها منظمات غير شرعية.

في عام 2013 حكم على 42 متهما في القضية الأصلية – من بينهم 17 أجنبيًا – بالسجن فترات تتراوح ما بين عام إلى خمس سنوات. كذلك أمرت المحكمة بإغلاق العديد من الفروع المحلية لمنظمات دولية بما في ذلك فريدوم هاوس والمعهد الوطني الديمقراطي.

وفي مارس 2016 أعيد فتح القضية حين صدر قرار بتجميد أموال نشطاء حقوقيين على ذمة التحقيق في اتهامات بحصولهم على تمويل أجنبي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. وأحيل الطلب إلى المحكمة لكن الجلسات تأجلت عدة مرات. كما صدر في شهر فبراير قرارات بالمنع من السفر لعدد من المدافعين عن حقوق الإنسان الواردة أسماؤهم في القضية.

وتضمنت الهيئات والأطراف الأخرى في القضية كلًا من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومؤسسة نظرة للدراسات النسوية ومركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والمحامي الحقوقي نجاد البرعي رئيس المجموعة المتحدة للمحاماة.

مثلما حدث في المجر، شهدت مصر أيضا اقتحامات أمنية. حيث انتقل رجلا شرطة إلى مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف لتنفيذ أمر اغلاق مستندًا إلى ادعاءات وزارة الصحة بوجود خروقات لترخيصه.

وأدانت منظمات حقوقية محلية ودولية قرار إعادة فتح قضية عام 2011 والإجراءات الأخرى ضد منظمات المجتمع المدني.

النظامان لديهما برلمان متفهم لموقفهما

البرلمان المجري يقوده حزب أوربان “فيدس”. في عامي 2010 و2014 خصل فيدس على أغلبية ثلثي المقاعد في البرلمانـ ما سمح له بإصدار العديد من التشريعات دون أي معارضة تذكر. في كثير من الأحوال تمت أغلب الانتهاكات التي حدثت في ظل حكم أوربان بمباركة أغلبية فيدس.

في ظل الأغلبية الكاسحة لحزب فيدس صدق البرلمان على دستور جديد وأصدر أكثر من 1000 قانون جديد، وصفت الكثير منها بأنها قوانين استبدادية وغير إنسانية، شملت قوانين الإعلام المذكورة أعلاه إضافة إلى تعديلات دستورية تعزز التمييز ضد النساء والمثليين والأفراد ذوي الإعاقة. بل ان حزب فيدس تحت قيادة أوربان أصدر قانونا يجرم التشرد.

الوضع في مصر يختلف قليلا. فهناك عدد من الأحزاب السياسية في البرلمان المصري، ولا يمثل أي منها الأغلبية الكاسحة. مع ذلك، اكتسح تحالف “في حب مصر” الداعم للسيسي في الانتخابات كل المقاعد التي ترشح عليها. ومن ثم أصبح التحالف الداعم للسيسي، والذي تحول اسمه إلى “دعم مصر” أكبر كتلة برلمانية وأكثرها تماسكًا.

في شهر مارس الماضي نشر “مدى مصر” تحقيقًا كشف محاولات سلطات الأمن والمخابرات إدارة الانتخابات البرلمانية بحيث يحتفظ البرلمان بولائه للرئيس قبل أي شيء آخر. إلا ان هذه المحاولات لم تكن ناجحة تماما، حيث انخفض عدد ممثلي تحالف في دعم مصر من 400 إلى قرابة 250 عضوًا.

ورغم تمرير البرلمان للغالبية العظمى من القوانين التي أصدرها السيسي قبل الانتخابات البرلمانية، إلا أنه تعثر في الموافقة على قانون الخدمة المدنية الذي لازال محل نقاش.

وبالرغم من ذلك، يظل الولاء للرئاسة عاملًا جوهريًا في البرلمان المصري مثله مثل البرلمان المجري. على سبيل المثال، حذر رئيس البرلمان علي عبد العال أخيرا البرلمانيين من انتقاد السياسة النقدية للدولة في الاعلام وإلا تعرضوا لإجراءات تأديبية.

“البعض قد يرى أن في ذلك انتهاكًا لحرية التعبير”، قال عبد العال، “لكن حرية التعبير لابد أن تتسم بالمسئولية والإضرار بمصالح الدولة لا يعتبر ضمن حرية التعبير”.

هناك أوجه شبه أخرى عديدة بين السيسي واوربان فيما يخص الاستبداد -فكلاهما يحب تمضية الوقت مع حليفهما القوي فلاديمير بوتين، وكلاهما يحب الحديث عن الإرهاب الوجودي الذي يهدد الأمة في كل مرة تطرح أمامهم أمور مثل حقوق الإنسان. قائمة أوجه الشبه بينهما طويلة ولو بدأنا بتتبع كل مظاهر الاستبداد التي تجمع بينهما فإن القائمة قد لا تنتهي. 

اعلان
 
 
بِشا ماجد