Define your generation here. Generation What
“مدى مصر” يحاور توماس بيكيتي…مؤلف “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”
 
 

بمناسبة زيارته لمصر لإطلاق الترجمة العربية للكتاب الأكثر مبيعا “رأس المال في القرن الحادي والعشرين (دار التنوير، 2016) ترجمة سلمى حسين ووائل جمال”، قام توماس بيكيتي مؤلف الكتاب بزيارة “مدى مصر” حيث أجرينا معه حوارًا ننشر اليوم الجزء الأول منه، والذي يتناول انعدام المساواة في الشرق الأوسط، وعوائق إجراء البحوث العلمية في مصر. يُنشر الجزء الثاني والأخير من الحوار غدًا الأحد.

 

مدى مصر:      هل نقدمك بصفتك باحثاً في الاقتصاد أم في الاقتصاد السياسي؟

توماس بيكيتي: أفضّل النظر إلى عملي على أنه أقرب إلى البحث الاجتماعي. لو اضطررت لاختيار مجال بعينه فربما أفضل التأريخ، لكننا في النهاية نضيع وقتاً طائلاً في مناقشة الحدود بين الاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية، والحديث عن المناهج.

أعتقد أن كتابي أقرب إلى كتب التاريخ منه إلى كتب الاقتصاد. هناك تراث -ولا سيما في فرنسا- من المؤرخين الاجتماعيين والاقتصاديين الذين لا يحجمون عن الاستعانة بسلاسل البيانات والنماذج وإعادة بناء سلاسل الأجور في فرنسا منذ القرن الثامن عشر أو التاسع عشر. ويرتبط كثير منهم بـ”مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية”، حيث كانت دراستي في باريس. وأنا أريد المساهمة في تناول هذا التراث على نحو تجديدي.

 

م م:     نعرف وجود علاقة بينك وبين مصر، وأنك تعرف العربية إلى حد ما. أيمكنك أن تحكي لقرائنا عن صلتك بمصر؟

ت ب:   ولدت في 1971، وإذن فقد بلغت رشدي في 1989، مع سقوط سور برلين. كانت تلك هي اللحظة التأسيسية الأولى لجيلي. أما الثانية فكانت حرب العراق، حين أرسلت فرنسا والولايات المتحدة وبلدان أخرى قواتها لإعادة السيادة إلى الكويت في 19901991. وقد تأثرت كثيراً بتلك الحقبة لأنها افتتحت عهداً جديداً في الشرق الأوسط وفي العالم. كما أنها لافتة بصفة خاصة لأننا نعيش في زمن يسود فيه الإيمان، بعد سقوط سور برلين، بالسوق، وبضعف الحكومات وبضرورة أن تكون ضعيفة. لكنك فجأة ترى الحكومة ترسل ملايين الجنود على بعد آلاف الكيلومترات لإعادة النفط إلى الكويت. لست واثقاً من أنه كان أفضل تخصيص للموارد، لكنه على أي حال يثبت أن الحكومة تمتلك سلطة التصرف إذا أرادت. إذن فقد كانت تلك لحظة تأسيسية بالنسبة لي.

بخلاف هذا، كان عندي دائماً اهتمام ثقافي وتاريخي بالعالم العربي وبالإسلام. حين كنت طالباً، في سن 18 أو 19، حاولت تعلم العربية في “مدرسة المعلمين العليا”، في 1989 و1990. ثم زرت القاهرة في صيف 1991 لمدة شهرين -أي أنني كنت في العشرين فقط- لتعلم العربية والتعرف على البلد. وبصراحة، كان الأمر فضولا ثقافياً أكثر منه اهتماماً لغوياً حقيقياً، حيث كان المستوى الذي بلغته شديد التواضع. لكنه كان مشوقاً بدون شك.

عدت إلى مصر بعد عشرين عاماً، في 2011، وأنا في الأربعين، مع أبنائي. كنا نريد رؤية البلد من الداخل، بعد الثورة. قضينا شهراً كاملاً هنا. والعودة إلى مصر اليوم تثير الشجون، لأنها مزيج من جمال وادي النيل، وجمال المساجد في القاهرة، وفي الوقت نفسه تعداد السكان متسارع النمو، 80 أو 90 أو 100 مليون، وانتشار الفقر، وانعدام المساواة المهول في داخل مصر، وبينها وبين بلدان الخليج على بعد كيلومترات.

ولعلي نشرت الرقم في أحد المواضع من كتابي: أن موازنة التعليم الإجمالية في مصر اقل بمئة ضعف من عوائد النفط التي تحصلها الإمارات.[1] وهذا أسوأ ما يمكنك تخيله. إنه نوع متطرف من أنواع انعدام المساواة. وبدون الحماية العسكرية من الغرب، يبدو أن إعادة التوزيع كانت ستحدث بشكل أو بآخر. والأمر واضح تماماً في حالة العراق والكويت، لكن الفكرة الأعم هي تركز الموارد النفطية في بلدان صغيرة المساحة، بحدود اعتباطية على نحو من الأنحاء، وبأعداد قليلة من السكان.

وكل هذا ينبع من التاريخ، وبالتالي فإن تغييره صعب حالياً. لكن انعدام المساواة يتجلى في الشرق الأوسط بأقوى مما يظهر في أي مكان آخر بالعالم. وبلدان الغرب ـ ولا سيما فرنسا ـ تشعر بأنها ملزمة بإلقاء الدروس عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بينما كل ما تفعله هو عقد الصفقات مع ممالك النفط للحصول على شريحة من الكعكة لنوادي كرة القدم عندها، وأخذ المال من مصر لبيع السلاح. إنه نظام مروع من حيث انعدام المساواة، وهو مدعوم إلى حد كبير من حكومات الغرب وخاصة فرنسا. وإذن فإن مجيئي إلى مصر، لمحاولة فهم ما يحدث، هو أمر مثير للشجون.

 

م م:     قمت ببعض الأبحاث لدراسة بيانات الضرائب وتفاوت الدخول في مصر، فما هي خبرتك من هذه الناحية، مقارنة بخبراتك في بلدان أخرى منخفضة الدخل أو متوسطة الدخل؟

ت ب:   خلاصة القول هي أن الشفافية شبه منعدمة في البيانات الضريبية. علينا أن نناضل من أجل المزيد من الشفافية. في عموم الشرق الأوسط، ومع أننا لا نعرف الكثير عن أوجه انعدام المساواة، إلا أننا نعرف ما يكفي للخروج باستنتاج مفاده أن الشرق الأوسط هو الإقليم الأقل مساواة على كوكب الأرض.

في داخل مصر أو غيرها من بلدان المنطقة، يستحيل الوصول إلى بيانات ضريبة الدخل، ولذا تصعب مقارنة مستويات انعدام المساواة مع بلدان أخرى. طالما اقتصر الأمر على الاستعانة بمسوح الأسر العشوائية فإننا نتوصل إلى تقديرات دون الحقيقة بكثير من حيث انعدام المساواة، وهذه هي المعطيات التي يحسبها المسؤولون والتي تستخدمها المنظمات الدولية. هناك ضريبة على الدخل في مصر، لكن بدون إحصائيات. والتوصل إلى أبسط المعلومات غير ممكن، مثلاً عدد الممولين في كل شريحة ضريبية.

وقد تكون هذه أيضاً وسيلة لمكافحة الفساد، وبناء المزيد من الثقة في الحكومة، وممارسة الضغط عليها لإصلاح النظام الضريبي. من واقع خبرتي في بلدان أخرى، بما فيها البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، أقول إنه حتى عندما لا يعمل النظام الضريبي بكفاءة فإن الوصول إلى البيانات يحسّن معرفتنا بتوزيع الدخول. وحتى إذا كانت تقديرات الدخول الأعلى أدنى من الحقيقة، إلا أنها تظل دائماً أعلى من النتائج الرسمية. ليس هذا وضعاً مثالياً، لكنه تحسين للوضع القائم.

في الشرق الأوسط لا يمكننا الوصول إلى البيانات الضريبية في أي بلد باستثناء لبنان، الذي نتمتع فيه بنفاذية محدودة. لكنني أود العمل على هذه البيانات في مصر، إذا أتيحت لنا.

 

م م:     تحدثت عن غياب المعلومات الضريبية وارتفاع مستويات انعدام المساواة في مصر. ونشرت ورقة بحثية عن مصر، في محاولة لإصلاح بيانات مسوح الأسر عن طريق تطبيق توزيع باريتو. لكن حتى بعد هذا ظلت مصر تبدو وكأنها تتمتع بمساواة نسبية من حيث مستويات الدخول. كانت دخول فئة الـ10% الأعلى دخلاً تمثل 3036% من إجمالي الدخول، على غرار أوروبا الغربية. فكيف تفسر هذا؟

ت ب:   دعني أوضح الأمر: أنا غير مقتنع بهذه التقديرات. النقطة التي كنا نريد توصيلها في ورقتنا -ولعلنا لم نوضحها كما يجب- هي أننا حتى إذا صدقنا تلك الأرقام التي تكشف عن مستويات منخفضة نسبياً من انعدام المساواة في مصر، أو غيرها من بلدان الشرق الأوسط منخفضة أو متوسطة الدخل، فإنه بالنظر إلى مستويات التفاوت الهائلة فيما بين البلدان، عند النظر إلى الشرق الأوسط ككل، يظل مستوى انعدام المساواة هو الأعلى في العالم. وحتى إذا أتت تقديرات انعدام المساواة منخفضة في داخل كل بلد على حدة، فإنها تظل أعلى مما في بلد مثل البرازيل.

وأعتقد أن من المهم عند دراسة انعدام المساواة ألا تكتفي بالنظر إلى الدولة-الأمة. لا يمكنك الاكتفاء بمصر أو فرنسا، مثلا، كمسلمات. أعتقد أن إدراكنا لانعدام المساواة عالمي، أو على الأقل إقليمي. الناس على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الإنترنت يرون أناساً آخرين. ويرون شوارع القاهرة، وأيضاً فنادق القاهرة الفخمة وروادها من دول النفط. فقد يكون إدراكهم لانعدام المساواة أكثر حدة على المستوى الإقليمي.

إذا أخذت الشرق الأوسط ككل، الذي أعرّفه كإقليم يمتد من مصر إلى إيران، ويشمل سوريا والعراق والسعودية، فإننا أمام 280 مليون شخص، وهو عدد سكان يضارع أوروبا الغربية، أو الولايات المتحدة أو البرازيل. عندئذ نجد أن فئة الـ10% الأعلى دخلاً -سواء كانوا في مصر أو أي بلد آخر- يجنون ما لا يقل عن 60% من إجمالي الدخل، وهو رقم أعلى من أي مكان آخر، بما في ذلك البرازيل أو جنوب أفريقيا. كانت جنوب أفريقيا دولة فصل عنصري، بها 10% من البيض و90% من السود. وكون انعدام المساواة في الشرق الأوسط أعلى منه في جنوب أفريقيا يكشف لك عن قوة الحدود الاعتباطية من حيث توزيع الموارد، وقدرتها على توليد مستويات هائلة من انعدام المساواة. وبالتالي، حتى إذا تبنينا التقديرات الأدنى في داخل البلدان فسوف نخرج باستنتاج واضح عن انعدام المساواة في الشرق الأوسط.

أما عن انعدام المساواة في مصر، فهل أنا مقتنع بتلك الأرقام؟ الإجابة الصريحة هي لا. تعديل باريتو الذي أدخلناه تعديل منخفض التأثير. لو كانت لدينا بيانات الضرائب لكان من شأننا التوصل إلى أرقام مختلفة. لا أقول إن مصر ستبلغ مستويات جنوب أفريقيا من حيث انعدام المساواة، لكنني أعتقد أنها ستقع بين أوروبا وجنوب أفريقيا. سنرى. أرجو أن نتوصل إلى بيانات أفضل ذات يوم.

 

م م:     أنت تتحدث عن مستويات انعدام المساواة في مصر وفي الشرق الأوسط، لكن ألا يمكن القول بأنه طالما كان الجميع يزدادون ثراءً، حتى لو أدت هذه العملية الاقتصادية إلى توسيع الفجوة بين الأثرياء والفقراء، فأين هي المشكلة في انعدام المساواة؟

ت ب:   المشكلة هي أن سكان مصر يتزايدون. لديكم الآن 90 مليوناً من السكان، وشباب كثيرون لا يزدادون ثراءً. ليس لديهم منفذ إلى نوعية التعليم ونوعية الوظائف التي تود لهم الوصول إليها. إذا نظرت إلى مجمل الاستثمار في تعليم الشباب في هذا البلد الكبير الذي هو مصر، ستجده يشكل بضعة مليارات من الدولارات سنوياً، بينما توجد بلدان نفطية بأعداد ضئيلة من السكان تربح 100200 مليار من عوائد النفط سنوياً. هناك إمكانية لأداء أفضل بكثير. طبعاً، لو كانت المنطقة بلداً واحداً بعدد سكان أقل من الولايات المتحدة وأقرب إلى البرازيل، ستكون هناك حكومة واحدة تستثمر في التعليم، فتتحسن فرص الشباب في بلد مثل مصر أو غيرها من بلدان الإقليم. حتى مع النمو، ستظل قادراً على تقديم أداء أفضل، لكنك في الحقيقة لا تنمو.

إنه أمر معقد. عملية تكوين الدولة وبناء شرعيتها وقدراتها لا تتوقف على المساواة الاجتماعية وحدها، لكنها تعتمد بالتأكيد على قدر معين من المساواة. لا يمكنك التظاهر بأن الإقليم بخير وهناك نمو وكل شيء على ما يرام.

عندك في الصين نمو بمقدار 10% سنوياً، والناس لا يبالون بالمساواة كثيراً. مع أنه، حتى في الصين، وحتى في وجود نمو سنوي بواقع 10%، يظل من المهم أن يكون انعدام المساواة من النوع المفيد. إنني أفتتح كتابي بمقتطف من إعلان حقوق الإنسان والمواطن في 1789 يقول إن التمايز الاجتماعي ينبغي أن يقوم على المنفعة العمومية. بعبارة أخرى، انعدام المساواة جائز، والتمايز الاجتماعي ممكن، لكن بشرط وجود منفعة مشتركة. طالما كان انعدام المساواة والتمايز يدفعان في اتجاه النمو والتنمية في الصين فإن الناس لا يرغبون في العودة إلى حقبة “ماو” القائمة على المساواة التامة. لكن في وجود مستويات انعدام المساواة القائمة حالياً في الصين، وتركز الثروة في أيدي فئة قليلة، سيزداد سخط الناس. حتى مع تسارع النمو، يجب أن تحرص على إبقاء انعدام المساواة في الحدود المفيدة للنمو، وليس أكثر من اللازم. لكن حينما ينعدم النمو، كما في الشرق الأوسط، ستواجه المشاكل.

 

تم تحرير هذا النص لاعتبارات المساحة والوضوح. يُنشر الجزء الثاني والأخير من الحوار غدًا الأحد.

 

 


[1]          في رأس المال في القرن الحادي والعشرين، يحسب بيكيتي أن إنفاق الحكومة المصرية على التعليم يرقى إلى 5 مليار دولار سنوياً، بعد التعديل لتعادل القوة الشرائية، استناداً إلى تقديرات البنك الدولي التي تفيد بأن مصر تنفق بين 12 بالمئة من إجمالي ناتجها القومي على التعليم. لكن أرقام الأمم المتحدة تبين أن إنفاق مصر على التعليم، منذ السبعينات، تراوح بين 3.76 و5.6 بالمئة من إجمالي الناتج القومي، بينما يفرض الدستور الحالي نسبة لا تقل عن 4 بالمئة. 

اعلان
 
أليكساندر جودينو 
إيزابل إيسترمن 
أسامة دياب