Define your generation here. Generation What
لأن يدًا لاقت أخرى قبل 15 عامًا
 
 

عقبات كثيرة يضعها الكاتب والمترجم محمد عبد النبي في طريق هاني محفوظ بطل روايته “في غرفة العنكبوت” (دار العين، 2016). كان وحيدًا متكتمًا، لكن ربما لولا هذه العقبات ما كنّا عرفنا كل هذا عن سيرة هاني. نحن لسنا أمام رواية اعترافات، وإن بدت كذلك.

لا يقدم لنا الكاتب أسبابًا لصراحة بطله مُبكرًا. يتورط قراء “في غرفة العنكبوت” بشكل كامل في شبكة عنكبوت.

يعود عبد النبي إلى حادث مرّ عليه أكثر من 15 عامًا، حينما عاشت مصر ضجة حول رواد مركب الملكة ناريمان، المعروفة إعلاميًا بقضية “الكوين بوت”.

أول خيط ينسجه العنكبوت كان حينما ضُبط شخص بالشارع، لأنه قبض على يد شريكه. كانت مجرد يد لاقت يدًا في المجال العام.

رغم رمزية هذا المشهد إلا أنه يتمثّل قسوة الواقع، ألمه، وبطشه كذلك. نعايش خارج هذه الرواية كيف تنتهك حيوات أي ذكر يعبر عن مشاعره لآخر في مصر، عبر مؤسسة العدالة وإداناتها الدائمة وما يتبع ذلك من وصم اجتماعي تدعمه الصحافة عادة، لتشهر بضحاياه، لاعبة دور الوصاية. وقبل الصحافة، يمارس هذه الوصاية المُشرع والقضاة كذلك. لحسن الحظ لم ينتبه أحد بعد لعلاقات قد تجمع الأنثى بأُخرى.

عبر صفحات الرواية سيعبّر هاني عن نفسه على مهل، لكن السبب وراء ذلك لن يكشفه الكاتب بسهولة.

نتابع تعبير محفوظ عن مشاعره الجياشة، رغم تكتمه على أغلب تفاصيل حياته. فهو لا يكشف ولا يشارك مع المحيطين به إلا القليل. لم يعبر عن مشاعره، وميوله الجنسية بالتحديد، إلا بعدما يمر بتجربة قاسية. يفقد صوته خلال جلسات المحاكمة إثر صدمته من تجربة الحبس. يصبح أخرس بشكل مؤقت، فيتجه للكتابة.

عبر تدوينه المستمر نتعرف على حكايته، ليتضح أن هناك نصيحة من طبيب نفسي، وأن ما نقرؤه يحركه ويدفعه هذا الطبيب النفسي الذي لا نعرفه. قد يكون هذا الاكتشاف مخيبًا لآمال القراء. أذكر عدم حماسي حينما كنتُ أقرأ “أمريكا” لفرانز كافكا ووجدت أن النص كُتبَ خلال رحلة علاج.

خلف تقرير سيرة حياة محفوظ يلعب الكاتب أدوارًا جمالية، تشعر بلمساته على النص، كأنه المحرر الخفي له وليس كاتبه. قد يدفع الجانب التوثيقي للعمل القارئ لفرضية غير صحيحة بأن عبد النبي يحرر مذكرات هاني.

لم يكن البطل من رواد المركب الشهير. لم يتورط مع سمير بركات، المتهم الرئيسي في القضية، بل ضُبط في الشارع بعد وشاية مرشد لمباحث الآداب، كان البطل عابر طريق حُبس لشهور، وبُرّئ من الجلسة الأولى. ربما كان ذلك أكثر جاذبية للكاتب، للخوض عبر حكايته داخل موضوع الرواية.

بقصد وبتعمد يصدمنا البطل مرة تلو الأخرى بردود أفعاله. قد يظنه القارئ أنانيًا، لا يفكر إلا في نفسه، لكنه يخاف من أن يخيب آمال أمه، الممثلة المشهورة، إذا عرفتْ. يصارحنا بتاريخه الخفي، كاشفًا أسراره كلها لنا، وليس لمن حوله.

تصبح القراءة علاقة تتطور، لذة تتوالد من مصادقة هذا العنكبوت الذي أسرنا في شباكه، صداقة سرية، نتلصص على أسرار يكشفها لنا هاني، رغم كونه شخصًا يجيد الاختباء وسرقة لذَّاته سرًا قدر الإمكان.

عاش حتى جاوز سن الأربعين متخفيًا خلف أقنعة عدة، مثل أغلب المثليين في مصر. كان زوجًا وأبًا لطفلة، ولم يكن مهتمًا بالوضع العام للبلاد، ولا صاحبًا لهواية إلا رسم أقنعة، حيث يواظب على لقاء سيدة ليتدرب على ممارسة الجنس قبل الزواج.

تُحوّل لمسات عبد النبي هذه السيرة إلى نص جميل وممتع للغاية، رغم طوله النسبي.

يقدم رؤية منحازة لصوت هاني، الذي فقد صوته، كما أشرنا، لتكون الرواية صوته المفقود، ويتلاقى ذلك مع إشارة أخرى، فقد حرص المتهمون في قضية “كوين بوت” على إخفاء وجوههم وراء أكياس بلاستيكية أو مناديل، حتى لا تلتقط الصحافة صورهم. كانت أسماؤهم كاملة منشورة لكنهم أرادوا الاختباء من المجتمع في لحظة ضعف.

كانت الاتهامات قد توسعت لما هو أبعد من إدانة مشاعرهم لتشمل تأسيس جماعة دينية تدعو لإعادة الاعتبار لقوم لوط، وازدراء الأديان كذلك، لم يتمكنوا إلا من إخفاء الوجوه، لكن عبد النبي يمنح لأحدهم فرصة للحكي.

يزرع الكاتب شخصًا في هذه القضية ويحكي الحكاية من خلاله، ولكن في قالب فني مخلصًا لحكاية تشكل اعترافًا.

خلف ذلك القناع الفني، الحكاية/الاعتراف، سيجد القارئ في غرفة العنكبوت روحًا استقصائية، كما تبدو الأوصاف والكلمات في غاية الحساسية. تعبر عن رؤية وانحيازات الكاتب لصوت هاني، أكثر مما تعبر عن مجتمعه.

يغلّف عبد النبي هذا النص برقة، لكن جماليات الكتابة لا تخسر الدقة. يفكر الكاتب جيدًا قبل أن يورد كلمة بدلًا من أخرى. يصف لقاء جمع بين هاني وصديقه الذي هزّ حياته المستقرة، وزواجه، بكلمتين فقط: “دخلني صاحبي”. لم يختر عبارة عنيفة أو إيروتيكية، كأنه ينحاز لدقة مشاعر هاني، معبرًا بعد ذلك عن مشاعره دون تحفظ.

كان عبد العزيز الخيار الناضج لهاني محفوظ، وتكشف لمسات عبد النبي نضجه ووعيه بقوة الكلمات، حينما يكتب كلمة تحمل إدانة لأصحاب الميول المثلية يوردها بين علامات تنصيص، واعيًا بما ستسببه من صدمة، لتكتمل الرواية دون إغفال لوم المجتمع وإدانته الدائمة لميول “الحبايب”، حسب وصف الكاتب.

يحضر أي عابرٍ في غرفة العنكبوت عبر حكاية قوية، كما لو أن الكاتب أراد إضفاء جانب إنساني على كل من مسته آثار نيران الحادث القديم، كأن هذا الجانب قد تأثر بفعل نظرات الإدانة. تتقي حكايات عبد النبي شرًا لا يزال حاضرًا، وتؤكد أن هاني لا يزال يبحث عن صيغة للتواجد داخل مجتمعه، رغم ما قد يستجد من حوادث جديدة.

اعلان