Define your generation here. Generation What
رواية القمع المضاد
 
 

بلغة شفافة، تُحسب للرواية وتُؤخذ عليها في آن واحد، يحكي “هاني محفوظ” حكايته في الرواية الصادرة حديثًا لمحمد عبد النبي عن “دار العين” بعنوان “في غرفة العنكبوت”.

لغة تُحسب للرواية، بلا شك، لأنها ببساطة لغة راويها وشخصيتها الرئيسية، “هاني محفوظ” نفسه، الذي تقدمه الرواية كمجرد جامعي لا تتجاوز علاقته بالأدب الاهتمام المتأخر بقراءته، بالعربية أحيانًا وبالإنجليزية في الغالب، وتقدمه الرواية أبكم ـ مؤقتًا ـ لا يريد من لغة الكتابة إلا التعويض عن امتناع لغة القول، ولا يريد من القول/الكتابة إلا الامتثال لنصيحة طبيبه النفسي بالبوح.

وتؤخذ لغة الرواية عليها لأن “في غرفة العنكبوت” رواية في نهاية المطاف، وأحسب أن قارئ الرواية ينتظر أداء لغويًا صالحًا للتأمل في ذاته وليس مجرد أداة توصيل، لكنه هنا يصادف بين الحين والآخر لغة التداول اليومية وقد اكتسيت قشرة رقيقة لم تقترب بها من الفصاحة بقدر ما نأت بها عن سلاسة العامية وعذوبتها. هكذا يجد القارئ مثلًا عبارة من قبيل “كانت شلته معظمها من أهل الفن والصحافة”، فلا يستطيع، في تصوري، أن يستسيغها إلا لو قرأها كعامية تداولية عادية. والحق أن مثل هذا ربما يصدق على رواية جميلة أيضًا كـ “الحارس في حقل الشوفان”، فهي الأخرى رواية سمح كاتبها “جيه دي سالنجر” لبطلها المراهق “هولدن كولفيلد” باختيار اللغة التي تحلو له (ولو أن كولفيلد ـ لو لم تخني الذاكرة ـ كان متفوقًا في اللغة الإنجليزية خلافًا لبقية مواده الدراسية).

ربما تنتمي رواية “في غرفة العنكبوت” ـ شأن “الحارس في حقل الشوفان” أيضا ـ لجنس رواية الـ Bildungsroman أو الـ coming-of-age novel، أي رواية بلوغ الرشد، أو النضج، أو حتى التكوين، الرواية التي تتبع شخصًا في نشأته، وفي حيرته أمام أسئلته، وفي بحثه وصولًا إلى إجاباتها. ولعل بوسعي القول إن “في غرفة العنكبوت”، شأن رواية سالنجر مرة أخرى، محاكاة ساخرة لهذا النوع من الرواية، فالبطل لا يكاد يتعلم من حياته شيئًا. نحن نراه منذ طفولته الغضة، وحتى يتجاوز الأربعين، وهو يمضي عبر كثير من التجارب ـ لا العديد منها ـ فلا تزيده التجارب إلا حيرة على حيرته، دون أن تقدم له تقريبًا أي إجابات لأي من الأسئلة التي تنغص عليه وجوده.

ولعل هاني محفوظ نفسه سؤال تطرحه هذه الرواية علينا، وأحسب أننا مطالبون بإجابته. فالرواية التي تتناول ـ ضمن ما تتناول ـ قضية “كوين بوت” التي اشتهرت في مطلع العقد الأول من القرن الحالي، حينما اعتقلت الشرطة عددًا من المثليين ووجهت لهم العديد من الاتهامات العبثية وقدّمتهم للمحاكمة في قضية أثارت كثيرًا من الجدل في مصر وفي الغرب، هذه الرواية تضعنا بوضوح أمام سؤال ينبغي أن يكون سؤالًا سهلًا، أعني سؤال القمع، الذي يجدر بكل عاقل أن يرفضه بداهة. ولكنّ ثمة سؤالًا آخر، ربما يكون أصعب، يمثله هاني محفوظ نفسه: هل نحن مستعدون لأن نرى؟ لا بد أن يكون بيننا من يقرون بحق المثليين في ممارسة ميولهم الجنسية، دونما قمع لهم باسم الدين أو القانون أو أعراف المجتمع، ولكن هل حتى من يقرّون للمثليين بحريتهم البديهية مستعدون لرؤية ممارستهم لهذه الحرية، فعلًا؟؟ هل لديهم القدرة حتى على قراءة وصف لهذه الممارسات في رواية كهذه الرواية؟ أعتقد أنها لن تكون على البعض قراءة يسيرة.

“في غرفة العنكبوت” رواية شديدة السلاسة، ليس فيها التعقيد الجميل الذي يصادفه قارئ “رجوع الشيخ” مثلًا، وليس فيها ذلك العرض اللغوي الباذخ الذي نجده في “بعد أن يخرج الأمير للصيد”، وليست فيها الانعطافات السردية الذكية التي يصادفها قارئ قصص “شبح أنطون تشيخوف” أو “كما يذهب السيل بقرية نائمة” (وكلها عناوين بعض كتب محمد عبد النبي السابقة). الرواية الحالية مجرد حكي بسيط ممتد بضمير المتكلم برع عبد النبي في تقطيعه وتركيبه في حالة سردية رائقة. مجرد شخص يكتب حياته منذ وصول جدِّه إلى القاهرة في بدايات القرن العشرين، حالمًا بالعمل مع نجيب الريحاني، وحتى اعتقاله هو نفسه على مشارف ميدان التحرير ليقضي شهورًا في السجن مع المعتقلين في قضية كوين بوت. واعتقادي بأن قراءتها لن تكون يسيرة لا علاقة له بالتكنيك أو حرفة الكتابة، بقدر ما له علاقة بالعالم الذي تصوره الرواية، وبقدرة القارئ ـ أي أنا وأنت ـ على متابعة “هاني محفوظ” في عذابات حبه لعبد العزيز، ومقابلته لهجر رأفت وصدوده عنه وإيثاره زوجته عليه بأن يبتذل هو ـ أي هاني ـ جسده مع شتى أنواع الرجال، إلى آخر ما يصادفه قارئ الرواية من علاقات أتصور أنها لا بد أن تكون صادمة للبعض.

بعيدًا عن هذا، تبقى قراءة الرواية ممتعة للغاية. ولعل من أهم أسباب إمتاعها أنها لم ترض أن تكون مجرد تقرير عن قضية كوين بوت، بل حرصت أن تكون أكبر من ذلك (ومع ذلك أخشى أن تختزلها القراءات السريعة أو المغرضة في كونها “رواية كوين بوت”). هي رواية عن إنسان اسمه “هاني محفوظ” ربما لا نبتعد عنه كثيرًا حينما نتذكر بطل “العطر” لباتريك زوسكيند.

كان “جان باتيست جرونوي”، كما لا يخفى على قراء العطر، شخصًا عديم الرائحة. وكان ذلك وجعه الأكبر. هو شخص قادر على تبين روائح كل شيء، حتى ما يُجمع كل أصحاب الأنوف على أنه بلا رائحة كان يعرف روائحه، ولكنه هو نفسه كان بلا رائحة.

وهاني محفوظ أيضًا، يوشك أن يكون شخصًا عديم الذات. وفي مشهد حلمي، يحضر هاني بنفسه حفل سبوعه، فيرى في الغربال اللفافة التي ينبغي أن يوجد فيها شخصه ذو الأيام السبعة، لكنه ينزع الثياب فلا يجد أنه ينزعها عن شيء، أي شيء. يأتي ذلك المشهد في صفحات الرواية الأخيرة ليؤكد ما ألمحت إليه الرواية طول الوقت، نحن أمام شخص يكاد يكون مفرّغا، لا يعرف نفسه إلا بالقياس إلى غيره، شخص لديه ما يقوله عن الآخرين وليس لديه الكثير مما يمكن أن يقوله عن نفسه، شخص عندما يعرف بنبأ زواج أمه عرفيًا يقف أمام المرآة وهو لا يعرف بأي شيء بالضبط ينبغي أن يشعر.

هكذا نرى العالم من وجهة نظر شخص هو نفسه لا يعرف من يكون، لا يكاد يقوى على السير في العالم إلا متكئًا على أحد (أمه، أو حبيبه، أو أبيه الروحي، أو رفيقه في الحبس)، وعلاوة على ذلك لا يتحرك إلا من وراء نظارة داكنة العدسات. وحين أقول إننا نرى العالم من وجهة نظر هاني محفوظ فأنا أعني ذلك تمامًا، في كل صفحة وفي كل جملة. فلا صوت في الرواية إلا لهاني. قد يتكلم شخص اسمه كريم، أو اسمه عبد العزيز، أو اسمه البرنس، أو اسمه “جمجمة” (في أحد أجمل مشاهد الرواية على الإطلاق)، ولكن هؤلاء جميعًا لا يتكلمون بل هذا ما يتذكره هاني من كلامهم، وما يفهمه، وما يبقى لديه منه، فلا نملك التيقن من أيٍّ منهم على الإطلاق، ولا نملك القول بأننا نعرف أيًا منهم، فما هم إلا ما يراه هاني محفوظ.

وهاني لا يرى غير المثليين، فلا أحد غير مثلي يتكلم في الرواية. قد ينطق شرطي هنا أو هناك، ولكنه لا ينطق إلا بمجرد سباب فاحش للمثليين. أي أن هاني يمارس في دفاتره (التي أصبحت الرواية) قمعًا على غير المثليين كالقمع الذي يمارسه غير المثليين على المثليين في الواقع. وهنا يجد قارئ الرواية نفسه أمام عالم يفتقر تمامًا إلى التوازن. فالراوي يحرص على إبراز تنويعات المثليين ـ الذين ينمطِّهم الواقع في صورة تشويهية، واختزالية شأن كل تنميط ـ فنجد في الرواية المثلي الرزين، والمثلي العاشق، والمثلي المتهتك، والمثلي المناضل صاحب المبادئ السياسية، والمثلي المتقوقع “الذي لم يخرج من الخزانة” بحسب التعبير الإنجليزي، والمثلي ذا الميول المزدوجة، والمثلي المتدين أو المتصوف (كريم طالب الأزهر ابن الفتوة الأسطوري الذي يحتوي هاني محفوظ ويكون أخًا حقيقيا له طوال شهور السجن)، والمثلي ابن أمه، والمثلي ابن المجتمع الذكوري. ولكننا لا نكاد نجد من غير المثليين إلا كتلة واحدة، هي كتلة الشرطة/الدولة/القمع. مع أنني أتصور أن من يرفضون المثلية أو حتى يعادونها أو يرهبونها رهابًا مرضيًا، إنما يفعلون ذلك لتنويعة كبيرة من الأسباب التي ربما كانت الرواية لتزداد ثقلًا إن هي عرضتها، وثقلًا أكبر إن كانت ناقشتها.

لكن المبرر حاضر دائمًا: هذه رواية يكتبها هاني محفوظ، وهو في ظروف مرضية قاسية، وواقع تحت تأثير صدمة مزلزلة، فلا ينبغي أن نتوقع منه هذه الدرجة من الحياد، ولا ينبغي أن نتوقع منه أن يتمثَّل أعداءه وممتهنيه محاولًا البحث عن دوافعهم وعرض مبرراتهم إن توافرت. ولكن النتيجة، في نهاية المطاف، أننا نبقى أمام زاوية نظر واحدة، أو ربما نصف الرواية.

وفي حين يمكن تفهم عدم اتساع صدر الرواية لأعداء بطلها، يظل من الصعب أن نفهم سبب حرص الرواية على الإخلاص للضحايا المثليين فقط، دون الالتفات تقريبًا إلى ضحايا المثليين، أعني من يؤذيهم المثليون. لماذا لا ينتبه هاني محفوظ لضحاياه وهم افتراضًا يضيفون إلى أزمته؟ أتكلم مثلًا عن المرأة التي تزوجها دون أن يريد بزواجه منها إلا الحصول من أمه على قرض مشروط بالزواج. هذه ضحية واضحة. هذه امرأة تعرَّضت لخدعة كفيلة بتدمير حياة، وجديرة ربما بأن تكرس رواية نفسها لتأملها. هذه امرأة تزوّجها مثلي وهو يخفي ميوله، وأنجب منها فتاة (أليست ضحية أخرى؟ أليست إضافة إلى أزمة هاني؟ ولكنه لا يراهما تقريبًا). لعل الرواية لم تنتبه إلى هاتين الضحيتين لأنها من أولها إلى آخرها ليست سوى دفاتر هاني محفوظ، ومحفوظ يدوِّن العالم كما يراه، ومحفوظ لا يرى ضحية غير نفسه وأصحابه، حتى لو أن الضحية زوجته أو ابنته نفسها.

بخبرة عشرين عامًا تقريبًا من الكتابة القصصية والروائية، يعرف عبد النبي كيف يقدم الكثير من المكافآت لقارئ “في غرفة العنكبوت”. وكثير من هذه المكافآت ثمين بحق. حكايات صغيرة براقة لم يبخل بها الكاتب على شخصياته الثانوية. فهناك جمجمة الذي تناول حبوبًا مخدرة كثيرة في السجن فلم يعد يرى في الزنزانة إلا بيته، وفي رفاق الزنزانة إلا أبناءه وزوجته وأخته، ليتكشّف وغد الزنزانة حرامي السندوتشات هذا عن رجل بالغ الرقة في بيته شديد العذوبة مع أخته. وهناك كريم، ابن الفتوة الأسطوري الذي نال قوته الاستثنائية حينما شرب من النيل في لحظة توقف فيها عن الجريان. وهناك البرنس المطرب المحبط، والأم الممثلة الثانوية، والخالة المطربة المحطمة، وجميع الشخصيات بلا استثناء عرف محمد عبد النبي كيف يحفر لها أماكنها في ذاكرة القارئ. حتى بدرية الصغيرة، ابنة هاني محفوظ، يعرف عبد النبي كيف ينتزع لها من أبيها سطورًا قليلة لعلها كفيلة بتحديد نظرة بعض قراء هذه الرواية لما ينتهي إليه الراوي أو حتى حكمهم عليه.

عندما يلتقي هاني بابنته بدرية بعد خروجه من السجن، تقول له “ما تعيطش يا بابا، هتخف وهترجع تتكلم تاني، أنا بادعي لك ربنا كل يوم”. هذه الطفلة تمضي بعد هذا الظهور المارق العذب فلا تظهر مرة أخرى. هي مع أمها، بينما هاني حبيس عذاباته. هي مع أمها، وهاني مع حبيبه الخائن. وفي نهاية الرواية، لا يفكر هاني في هذا الامتداد. فحينما يعرف أن كريم، أحب رفاق الحبس إلى قلبه، قد هام على وجهه إثر معرفته أنه أصيب بالآيدز، يخرج هاني وحبيبه الخائن التائب ومعهما أحد المبرئين من القضية، لينطلق الثلاثة معًا في رحلة البحث عن كريم، المثلي المتدين البريء الحامل للفيروس، في نهاية للرواية قد تعني التضامن مع بعض الضحايا دون البعض، وأخشى أنها قد تعني تحزب المتماثلين في وجه البقية.

اعلان
 
 
أحمد شافعي