Define your generation here. Generation What
“أنا البرادعي يا رشدي”
 
 

كلنا بشكل أو بآخر سمع تلك العبارة المفتاحية “أنا البرادعي يا رشدي” التي وردت في مسلسل “وتوالت الأحداث عاصفة”. حتى من لم يشاهد المسلسل سمع العبارة التي انتشرت وقتها.

16 حلقة بوليسية أخرجها كاوبوي السينما المصرية حسام الدين مصطفى، كما كان يطلق على نفسه بسبب قبعاته الشبيهة بقبعات إنديانا جونز مصر زاهي حواس. عبد الله غيث ضابط المباحث يطارد مجرماً ورئيس عصابة اسمه البرادعي، لا نعرف من هو إلا في الحلقة الأخيرة، ويفشل في الإيقاع به، ثم يتلقى مكالمة شبه يومية منه يقول له فيها بصوت غليظ: أنا البرادعي يا رشدي.
أتذكر تقريراً تم تصويره قبل الثورة يسأل الناس في الشوارع ماذا تعرفون عن البرادعي، فيجيب أحدهم: أيوه ده بتاع المسلسل. وخرج وقتها إفيه “أنا البرادعي يا حسني”، ثم “أنا البرادعي يا مرسي”، وكنا نتمنى أن تتكمل الثلاثية ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن.
لنرجع للدراما. “أنا البرادعي يا رشدي”aka  “وتوالت الأحداث عاصفة” مسلسل بوليسي حقق نجاحًا كبيرًا تستطيع مشاهدته اليوم على اليوتيوب. قد تجده بمعايير اليوم ساذجًا أو بدائيًا في صنعه، ولكن المؤلف والمخرج استطاعا رغم الإمكانيات ضبط الإيقاع وحبس أنفاس المشاهد حتى آخر لحظة، عندما يتضح أن البرادعي معتاد الإجرام هو الرجل الطيب حسن مصطفى، جار الضابط رشدي، في سياق شبيه بسياق ريا وسكينة عندما كانتا تسكنان بجوار قسم الشرطة.
هذه المقدمة كان لا بد منها للتعريف بإبراهيم مسعود، السيناريست الذي غيبه الموت مؤخراً في صمت عن عمر يزيد عن 80 عاماً بعد ابتعاد عن الساحة. محطات كثيرة ناجحة خاصة في السينما تحمل توقيع إبراهيم مسعود ككاتب وسيناريست، معظمها يدور في فلك الأفلام ذات الطابع البوليسي أو أفلام الجاسوسية.
إبراهيم مسعود هو ضابط الجيش الذي أنهي خدمته والتحق لفترة بالمخابرات العامة المصرية وبدأ يحترف الكتابة بكتابة المقالات في الجرائد ونشر رواية بوليسية. تعرف في ذلك الوقت على الفنان والضابط السابق صلاح ذو الفقار، الذي وافق على بطولة مسلسل من تأليف ضابط الجيش والمخابرات إبراهيم مسعود حمل عنوان “مفتش المباحث” في عام 1971، حيث قام صلاح ذو الفقار بدور مشابه لأدوار كولومبو وهيراكل بوارو، ضابط يحقق في جرائم. وقد صاحبت المسلسل ضجة قضائية هددت بمنعه بسبب أن هناك مسلسلا كان قد قام ببطولته محمود المليجي في الستينات يحمل نفس الاسم والحبكة، ولكن ما أنقذه هو العرض في الخليج. 
انطلقت ماكينة الكتابة لإبراهيم مسعود القادم من عالم المخابرات والأمن القومي، فأصبح متعهد كتابة للأفلام التي تتحدث عن قصص الجاسوسية أو الأفلام المأخوذة من ملفات المخابرات، منافساً الكاتب الكبير صالح مرسي.
فبعد “مفتش المباحث” كتب “وتوالت الأحداث عاصفة ” في مطلع الثمانينيات السعيدة، ثم توالت الأعمال الناجحة بعد ذلك، والتي كان أغلبها بمشاركة علي عبد الخالق كمخرج.
كانت بداية التعاون بينهما في فيلم “إعدام ميت” الذي لعب على تيمة الصراع بين المخابرات المصرية والمخابرات الإسرائيلية، أو بين محمود عبد العزيز (عز) ويحيي الفخراني (أبو جودة).
خرج مسعود بعدها من الأفلام البوليسية والمخابراتية ليحاول مع علي عبد الخالق معالجة أزمة الإسكان، والتي يبدو أن الأجهزة الأمنية كانت تنظر لها أيضا كمشكلة أمن قومي ربما تحلها الأفلام، فشهدنا تعاونهما الثاني في “مدافن مفروشة للإيجار“.
وتوالت الأفلام عاصفة بين مسعود وعبد الخالق، فشهدنا فيلم “بئر الخيانة” الذي نتذكر منه جميعاً عبارة “عاش خاين ومات كافر” التي وردت على لسان عزت العلايلي متحدثاً عن الجاسوس المصري نور الشريف. الصراع المصري الإسرائيلي لم ينتهِ في سيناريوهات مسعود- التي كانت تنشر كقصة مسلسلة في الأهرام قبل أن تتحول لسيناريو- فبعد فيلم بئر الخيانة ظهر فيلم “فخ الجواسيس” الذي أخرجه هذه المرة أشرف فهمي. يمثل محمود عبد العزيز الجانب المصري في هذا العمل، ويمثل أحمد خليل الجانب الاسرائيلي الذي يجند بنت الأرستقراطية الساخطة على ثورة يوليو هالة صدقي كجاسوسة لإسرائيل. وبالطبع ينتهي الفيلم بانتصار “محيي” ضابط المخابرات المصرية وذلك في إطار الحرب السينمائية بين البلدين.
عرج مسعود في أفلامه أيضا على قضايا أخرى وجدها مهمة، مثل تجارة الأعضاء البشرية في “الحقونا” لعلي عبد الخالق أيضًا، وتجارة السلاح تحت رعاية الدولة في فيلم “عصر الذئاب”، الذي شهد التعاون الأول بين مسعود كسيناريست والمخرج المفتون بالإيقاع الفرنسي سمير سيف.

لاقي “عصر الذئاب”- يا للغرابة- مشاكل رقابية، كما كتب سامي السلاموني، بسبب مشاهد تحمي فيها الشرطة تاجر السلاح “عادل آدهم”، والذي كان قد قام أيضا بدور تاجر الأعضاء في فيلم “الحقونا” لعلي عبد الخالق، حيث ينتهي الفيلم بمرافعة تاريخية مسرحية لنور الشريف يدين فيها تجار الأعضاء القابعين في القفص في نهاية أصبحت موضة في أفلام هذه الفترة مثل نهاية فيلم “ضد الحكومة”.
بالعودة لفيلم عصر الذئاب نجد سمير سيف يحشد أبطالًا من العيار الثقيل مثل نور الشريف في دور مدرس الألعاب الذي يتحول إلى مجرم وخاطف، وسمير صبري ضابط المباحث الذي يطارد عادل أدهم تاجر السلاح، وصلاح ذو الفقار مدير المباحث. وينتهي الفيلم بمأساة دامية وبانتصار الخير كالعادة على سطح فندق شيراتون الإسكندرية. وكعادة مسعود، يأتي الحل دائما في إلقاء القبض على عادل أدهم في نهاية الفيلم، كما حدث في “الحقونا”، أو قتله كما حدث في “عصر الذئاب”.

إبراهيم مسعود.jpg

إبراهيم مسعود

وكما قال مقربون من الراحل، كان لدى إبراهيم مسعود حس كوميدي ظهر واضحًا في شخصية الضابط سمير صبري في “عصر الذئاب”، وشخصيتي محمود عبد العزيز في “إعدام ميت”، ولذلك ربما طرق باب الكتابة المسرحية وكتب “عطية الإرهابية”، التي كانت بمثابة تغريدة البجعة لنجمة المسرح سهير البابلي التي اعتزلت فجأة في وسط العرض بسبب لقاء جمعها بالشيخ الشعراوي، لتكمل العرض عبير الشرقاوي. ولحسن حظنا كمشاهدين فإن العرض قد تم تصويره بسهير البابلي كي لا نحرم من مسرحية شهدت ذروة انطلاق سهير وكوميديا جمعت ما بين حس الأمن القومي والانفلات والتحرر والإفيهات اللاذعة، خاصة المشهد الذي أثار ضجة رقابية عندما طلب أحمد آدم المخبر من عطية (سهير البابلي) أن تنزع القنابل الملتصقة بصدرها وتدحرجها و هي لا تحمل أي قنابل وتتصور أنه يتحدث عن ثدييها.


 

في نهاية عقد التسعينيات نشر إبراهيم مسعود في الأهرام حلقات مسلسلة عن عملية “الكافير”، وهي عملية يفترض أن المخابرات المصرية قد نفذتها. وفي حوار صحفي أجراه وقتها، ذكر إبراهيم أنه شارك كضابط مخابرات أو ضابط اتصال في بعض من العمليات التي كتب عنها. ويروي أحد المشاركين في أفلام ابراهيم مسعود ذات الحبكة المخابراتية أن ضباطًا من المخابرات كانوا يحضرون عمليات التصوير دونما إبداء أي ملاحظات، وعندما سألهم المخرج على عبد الخالق في إحدى المرات: “هل لديكم أي ملاحظات على الأحداث؟” أجابوا: “كفاية إن ابراهيم بيه موجود محدش يعدل عليه”. وذكر لي عبد الخالق أنه تعمل التقنيات المخابراتية في المراقبة ومصطلحات التتبع المترجل والراكب من السيناريست الراحل.
وفي أخر عمل ظهر لمسعود، تعاون مع على عبد الخالق لسادس مرة في فيلم “الكافير”، وفي اختيار لاقى وقتها سخرية الكثيرين وقع الاختيار على طارق علام مذيع برنامج المسابقات “كلام من دهب” ليكون بطلًا للفيلم، وعلل المخرج وقتها ذلك الاختيار بأنه وجه غير محروق للقيام بدور “أكرم”، مهندس الطيران الذي تستعين به المخابرات المصرية وضابطها “عزت العلايلي” في ثاني دور مخابراتي بعد “بئر الخيانة”. و للغرابة فقد حقق الفيلم إيرادا معقولا بمقارنة بأفلام كانت على الساحة وقتها جعلت طارق علام يدخل تجربة ثانية في فيلم “الأجندة الحمرا” لاقت فشلا جعلته يحجم عن التمثيل رفقاً بالمشاهد، ثم عاد إلينا مرة ثالثة بفيلم “مهمة صعبة” الذي مر مرور الكرام.

الكافير.jpg

الكافير

روى لي علي عبد الخالق، رفيق الرحلة، أن إبراهيم في أواخر أيامه كان مصرًا على الكتابة، ولم يتوقف قبل مرضه الأخير عن الكتابة اليومية، بل وتعاقد منذ عام 2000 وحتى اليوم على عدة أعمال لم يخرج أي منها للنور بسبب انصراف المنتجين عن أعمال الجاسوسية بعد فشل مسلسلي “السقوط في بير سبع” و”وادي فيران”.
ظل مسعود رجل المخابرات والسيناريست والكاتب البوليسي، الكوميدي أحيانًا، يكتب حتى النفس الأخير قبل مرضه، رغم ابتعاد أعماله عن الشاشات، ولكنه أسر لأحد أصدقائه المقربين: “أنا بكتب كنوع من التمرين عشان دماغي متصديش، أنا عارف إن خلاص راحت عليا بس لازم أخلي ذهني حاضر لغاية اللحظة الأخيرة، وعالعموم لن ينسى أحد جملا مثل “عاش خاين و مات كافر” و”أنا البرادعي يا رشدي”.

اعلان