Define your generation here. Generation What

خارج دفاتر هاملت: تدوينة عن الرومانتيكية وعلو الهمّة وقَدْر الرجال

كان عام 2007 بالنسبة لي عام الحنين إلى ذكرى ما، وكان هو نفسه العام الذي صدرت فيه روايتي الأولى “عضو عامل”. وتحولت الذكرى إلى إهداء في الرواية. وقتها قررت، بالتوازي، وضع نوبة الحنين على الورق، واعتبار هذا الحنين هو عين “الجهل” كما يقول ميلان كونديرا في روايته بنفس العنوان. وقتها كتبت بعض الخواطر السريعة عن رواية “كائن لا تحتمل خفته” ورواية “الجهل”. كتبت ضد الحنين وفي مواجهته.

بالقطع لم يكن الأمر وقتها بهذه السهولة التي أكتب بها الآن، فقد كانت معاناة الحنين تجربة شديدة الصعوبة، خاصة مع حداثة السن، وكان الخروج منها يحتاج مني إلى رياضة ومجاهدة وتفكير وإمعان للنظر، وبالأساس إرادة ورغبة في التجاوز.

تبدأ مذكرات فالتر بنيامين “طفولة في برلين” بقوله: “في ‬عام ‬1932، ‬عندما كنت في ‬الخارج، ‬بدأ ‬يتضح لي ‬أنه سيتحتّم عليّ ‬في ‬القريب العاجل أن أودع المدينة التي ‬ولدت فيها لفترة طويلة أو ربما علي الدوام.‬ لمرات عديدة كانت خبرة عملية التطعيم شافية لحياتي ‬الداخلية، ‬فوضعت نفسي ‬في ‬هذه الحالة واستدعيت عمدًا أكثر الصور إثارة للحنين في ‬المنفي، ‬إنها صور الطفولة. ‬وكان ضروريًا ألا تتعدي هيمنة إحساس الحنين علي الروح، ‬هذا التأثير الذي ‬للتطعيم على جسد سليم. ‬وقد سعيت لتحجيم هذا الإحساس من خلال التبصر في الاستحالة الاجتماعية لاستعادة الماضي، ‬وليس من خلال النظر في ‬تفاصيل السيرة الحياتية العارضة”.‬

هكذا تُمكن صياغة المَخرج بكل بساطة “التبصر في استحالة استعادة الماضي”. وكل شخص يستطيع بنفسه صياغة هذه العبارة للخروج من أزمة “الحنين”. وهذه الكتابة، وقبلها القراءة بالطبع، التي أقوم بها الآن، هي “عبارتي” عن مرض الحنين، وفي نفس الوقت عن مرض آخر ذي صلة هنا، مرض “الحساسية المفرطة” أو “النزعة الرومانتيكية” في الكتابة وفي الحياة.

هاملت- بداية الظهور

أيام دراستي الجامعية، وكنت وقتها قريبًا من بعض التنظيمات السياسية الطلابية، تعلمت إلى جوار السياسة بعض المهارات الأخرى التي تفرضها الضرورة، وتحتل مساحة كبيرة مع ذلك في هذه الأوساط، مهارات من عينة فرز أو اكتشاف الطلبة العاملين في خدمة الأمن، أو اكتشاف العنصر المؤهل للتجنيد للعمل معنا. وبسبب الضرورة العملية البحتة، تتعمق فكرة تصنيف وفرز الناس. لكن مع ذلك، ومهما كان تدريبك، فقد تنخدع في أحد الأشخاص. في البداية تكون اللحظة التي أكتشف فيها خيانة شخص ما، وأنه عميل للمباحث هي الطامة الكبرى. كنت أغضب غضبًا شديدًا من أن فلان دا طلع خاين/مباحث/كذاب. ولسلامة التنظيم والأعضاء كان القرار هو استبعاد الشخص الموصوم، أو حتى استخدامه بأشكال مختلفة. لكن اﻷمر يختلف خارج السياسة بطبيعة الحال، حيث تكون لدينا فرصة أكبر للتسامح مع بعض الصفات أو التصرفات السيئة، وفي بعض الأوقات “بنعصلج” في الغلط، عندما نصل لدرجة إنكار صفات سيئة لشخص، أو حتى قبولها مع انتظار إصلاحه، ونقعد نقول إن فلان ده حد كويس واللـه، ونقعد ندور على كل الحاجات الكويسة اللي عملها (طبعًا مفيش حد وحش في المطلق؛ ومن ثم لازم يكون عنده حاجة كويسة بالتأكيد) غير أن هذا، أعزك اللـه، وقتها، يدخل في باب الحماقة والتغفيل، حتى وإن لم يرد في كتاب ابن الجوزي عظيم الفائدة عن “الحمقى والمغفلين”، فإن العبرة تكون أن فلانًا إجمالًا لا يعول عليه. وإدراك ذلك من أمارات النضج. وغريب أمر “النضج” هذا؛ يأتي بعد أن نتجاوز الأمر ونتورط به. تتراكم الحوادث في حياتنا ويتراكم الحزن، وكلاهما ينمو ويصعد على عمرنا. والناس تتفاوت في حظها من هذا “النضج” وفي ما ينتج عنه ويصحبه من حزن يثقل القلوب. كانت تراودني وأنا صغير فكرة الكتابة ضد “النضج”، أو الخروج بمسيرة تدافع عن “الرعونة” وتتمسك بـ”الصبيانية”. وكثيرًا ما لعنت الملك “كلوديس”، عم الأمير هاملت، وزوج أمه بعد أن توفى والده، الذي كان ينصح عِترة شباب الدنمارك وأميرها هاملت، ألا يستسلم لحزنه على أبيه “فذلك عناد خارج عن الدين، وحزن لا يليق برجل، وينبئ عن إرادة عاصية للـه، وقلب خائر، وعقل لا يحسن الصبر، وإدراك ساذج خال من الدربة”.

أي هاملت..”أيها النبيل… إن الإفعوان الذي لدغ أباك في حياته” و”يلبس الآن تاجه” هو من ينصحك، ينصحك بالعقل، وهو من “توّج جريمة القتل الشاذة بالزواج المحرم [من الملكة]، قبل أن يبلى ذلك الحذاء الذي سارت به وراء جثمان أبيك المسكين” آه يا هاملت حين يطالبونك بالعقل، أو حين تسألك أمك “معصوبة العينين” ببراءة عن شحوبك الدائم وشرودك في الصخب و”لماذا يبدو أمرك شاذًا؟” إنهم لا يعرفون أن لا “رداءك الحالِك… ولا ملابس الحداد المألوفة، ولا زفراتك المصعدة، أو النهر الدافق من عينيك، أو الغم البادي على وجهك، ولا كل ما يتخذ الحزن من صور وأحوال… هي وحدها ما ينبئ بصدق أمرك. هذه حقًا…. ليست إلا حُليًا ومظاهر للأسى”. لكن في باطنك ما يعجز عن التمثيل. آه يا أمير، حين يسألك قاتلك: ما بك؟ حتى أوفيليا المسكينة، التي شاركت في تدبير الملك والملكة وأبيها من أجلك، أو هكذا أوهموها مستغلين سذاجتها وحبها لك، حتى هي “لم تكن شريفة”، حين قبلت أن تخدعك معهم وحملت كتابًا من كتب الدين لتبرر انفرادها بنفسها، بعد أن أقنعها بولونيوس الخبيث بقوله: “إنها خطيئة من خطايانا المألوفة، وهو أمر ثابت بالتجربة إننا نستطيع بالمظهر الورع والعمل التقي أن نجمّل الشيطان نفسه ببريق خلاب”.

وما أكثر الخيانة؛ بروتس حين خان يوليوس، ويهوذا حين خان المسيح، وإخوة يوسف حين أعمتهم الغيرة وألقوه في غيابة الجب، ونبوية زوجة سعيد مهران التي أصبحت، بعد خيانتها هي وعليش مساعد زوجها السابق “نبوية عليش.. كيف انقلب الاسمان اسمًا واحدًا”؟

أي هاملت.. “من الذي يحتمل سياط الزمن وسخريته، وظلم الظالمين، وزراية المتكبرين، وتباريح الحب المهين، وبطء المحاكم، وصلف ذوي السلطان، وما يلقاه ذوو الفضل الصابرون على يد التافهين من مهانة”؟ أسمعك تذكر أن الخوف من مجهول بعد الموت “ذلك الذي لا يؤوب من حدوده مسافر، يحيّر الإرادة، ويدفعنا إلى أن نحتمل ما يحل بنا من شرور”.

إذن نحيا، وتصير القضية “كيف”، أو نحيا على شاطئ “ليث”، كما في “الملك لير”، نشرب كالأرواح، فننسى الماضي، ونفرغ ما في قلبنا “في مجرد ألفاظ كالمومس” و”نأخذ في استنزال اللعنات كالعاهرة”، أو نكون كما أراد الله أن يعاقبنا بهم، بالتافهين من ذوي السلطان، ويعاقبهم بنا، أن نكون سوط عذابه ومنفذين إرادته.

***

كنت ألعن كلمات “النضج” و”العقل” و”الرويّة” وأراها مسمومة وملعونة، خاصة حين تخرج من أفواه الأنذال. وكنت أتعجب من موقف هاملت المتردد في قتل العم الخائن، مغتصب العرش، وأسأل نفسي بغضب: “أو ينقبض السيف ويمد في أجلِ أيام كلوديس السقيمة؟” وكانت كلمات العقل بلا معنى، والقلب أسود سواد الموت، ونياطه في صلابة الفولاذ، والعلاج فاسد، وليست ثمة فرصة أبشع يا هاملت!

كيف يُقعدك الفكرُ عن العمل؟ كيف يصير عقلكُ هو عين عجزك وترددك؟ ما الذي يجعلك تختار ادعاء الجنون في البداية، وتتردد في معاقبة الخونة؟ لم يكن جنون هاملت المسكين عدوًا له، بل أسقمه الفكر الشاحب. حتى جنونه لم ينقصه العقل، وكان يعتمد الاستعارة والتلاعب بالألفاظ، كان جنونًا ذا حس جمالي وبليغ.

أي هاملت.. أي كلمات خلقتك؟ ومن ذا أوحى بك؟ وأي ضعف أمام كلماتك؟ ومن ذا يُظهرك بدور الشبح في مسرحيتي وحياتي؟

الجلال والعبث

في كتابه “صيد الخاطر” يذكر ابن الجوزي أنه ما ابتلى إنسان قط بأعظم من علوِّ همّته، ويكررها بغير عبارة، فيقول: “إن البلايا على مقادير الرجال”. وأسأل نفسي، هل كانت هذه العبارات صحيحة، أم تُرى لأن صاحبها كان من غير أصحاب البلايا، أو لم تشتد به البلايا، استسهل قولَها، خاصة وقد كان واعظًا، وكان أيضًا من المؤمنين بأن “ربك ليس بظلام للعبيد”؟

ألم تجاوز المحنة همّة هاملت وأوفيليا، وهمّة عطيل الذي لم يناسبه ما دون الانتحار، ولير حين جُنَّ، وجلوسلتر حين حاول الانتحار لما عزَّ عليه الجنون؟ “اعصفي يا رياح حتى تنفجر منك الأشداق، وأنتِ أيتها السيول والأمطار رخي رخي”. وألم ينته المطاف بسعيد مهران وهو يمصمص العظام مثل من كان يواجههم تمامًا، ككلب؟ وأخيرًا لم يجد بدًا من الاستسلام بلا مبالاة.. بلا مبالاة.

ودَع عنك هذا، فإن في الدنيا ما هو أكثر شططًا، فما أشد بلايا الناس دون ما يكونوا ذوي همة، وما أشد ما ذُلّ الرجال دون أن يكونوا ذوي قامة، وقد ابتُلوا بعظيم البلايا وبـ”نقص من الأموال والأنفس والثمرات”، ودون ما بشرى، وهذا واللـه يدخل في باب العنت، ولزوم ما لا يلزم، وما شابهه في مآسي شكسبير من تمسك المؤمنين بالكلاسيكية ودفاعهم باستماتة عن الجلال التراجيدي ضد أي تطاول أو هرطقة عصرية! لكني لا أستطيع –على الجانبين- إلا أن أرى، واضعًا في الاعتبار طبيعة عصرنا، العذاب والألم، بل الجنون والقسوة، لا بوصفهم أدوات للتطهر والسمو والعلو والارتفاع النفسي، بل بوصفهم مجرد عبث يدعو إلى الضحك اليائس. لم يعد هناك أملٌ بالمعنى الطفولي، ولا ثمة وجود لخلاص نهائي حتى، لقد “مات فعلًا” كما أشار إدجار، وحُمل الجثمان خارجًا وأُعلن الحداد العام “وعلينا نحن الشباب أن نحمل عبء هذه الأيام الأسيفة”.

قد تكثر البلايا والمِحَن وتشتد دون أن يعني ذلك شيئًا بذاته، بالعكس فقد يعمّق هذا موقفَ الشخص ويزيد من ثباته وإيمانه ورسوخه دون أي تقدم. وقد تكثر الحوادث دون أن يعني هذا شيئًا أصلًا، كمثل الحمار يحمل أحداثًا. وقد تنقلك الحوادث بخفة وتظل نقلتك بلا معنى حقيقي، وأنت إلى الارتداد أقرب. والخلاصة أن النضج لا يأتي بكثرة المحصول وإنما بسلامة النهج، وليس معنى ذلك أن كثرة المحصول ليست شرطًا، فتأمل. والطريق إلى النضج وسلامة النهج بلا إرشادات، وعلامته الوحيدة أنه بلا علامة، إذا استعنا بفريد الدين العطار، وليس غياب العلامة هنا بمعنى انتفائها، بل بحضورها حضورًا فيه التباس. وقد تظل في الطريق بلا إدراك لأي علامة، و”ترحل وما في يدك إلا قبض الريح”. وبلوغ الأمر شرطه المجاهدة. وقد يعطلك الحزن في الطريق ما لم تدرك أن الفرح هو العارض. وإذا ما وضعت قدمك على الطريق فإنك تبدأ رحلة جديدة، وإن كانت غير مقطوعة الصلة بما قبلها، ففيها أيضًا “منازلُ للسائرين ومدارجُ للسالكين”.

وبالعودة إلى الأمير هاملت الذي انصدم في أمه حين اكتشف طبيعتها السطحية الضحلة، ورغم أن المسرحية لا تعطينا معلومات عن هذه الأم قبل تلك اللحظة إلا على لسان ابنها، الذي كان يعتقد فيها الكمال، ربما كابن يثق في أمه، بالإضافة لامتلاكه روح شاعر تعشق كل ما هو جميل، إلا أن هذا لا يمنعنا من توقع أن تكون اﻷم من البداية شخصية ضحلة الأحاسيس، تهرع بخفة إلى فراش محرم. ويمكننا أن نعرف سبب انتهاء العلاقة بين هاملت و أوفيليا على هذا النحو، رغم أنها أحبته وأنه أحبها، ليس بتخمين كونه أدرك أنهم يخدعونه باستخدامها، لكن لأن “السم قد جرى في فكره كله” ولم يعد قادرًا على رؤية أوفيليا كما كان يراها من قبل، إنها امرأة وأمه امرأة، فإذا نطقت أمامه بكلمة قصيرة كان الجواب العاجل الذي “يقطر كالسم من شفتيه”.

“إن هاملت وشخصيات أخرى لا شك، هي أعظم شخصيات أبدعها الإنسان، وقد تدثّرت صورهم، وهم في ذلك يشبهون الرجال العظام الذين خلقهم اللـه مباشرة في كل جيل، بدثار متزايد من الأساطير والآراء والتفسيرات والرموز”، كما يقول عبد الرحمن بدوي في تقديمه لـ”دون كيشوت”، وهي من العظمة والاكتمال والإلهام بمكان أننا نستطيع وصف شخص حقيقي بها، فنقول فلان دون كيشوتي مثلًا، أو هاملتي النزعة، أو أن تمنحنا هذه الشخصيات بذاتها مزيدًا من الأفكار والكتابة والفن.

وإليكم على سبيل المثال، في المشهد الخامس من الفصل الأول، بعد أن يجد هاملت دفتره، يكتب فيه أن المرء يستطيع أن يبتسم ويبتسم ويكون نذلًا، وبعد ذلك يسجّل شعاره “الوداع الوداع – اذكرني”، وقد التقط نجيب سرور هذه الإشارة ليقدّم لنا “أفكار جنونية في دفتر هاملت”، وإذا التقطنا منه الإشارة بدورنا، نضيف أن سرور ربما تبع “النذالة” بـ”الكس أميات” في استخدامه للدفتر، فهاملت بحساسيته المفرطة كان يستخدم كلمات قاسية وحادة، بل وتعبيرات جنسية أحيانًا، فلما قالت له أوفيليا مرة: “إنك حاد القول يا سيدي اللورد.. إنك حاد”! قال لها: “قد يكلفك بعض التوجع أن تثلمي حدي”. وهذه كانت أحسن دعابة وأسوأ قصد، فهاملت لعب بكلمة “حاد”، مشيرًا بها لمعنى غير برئ، أريدك أن تهدّئي من حدته، ويقصد عضوه. كذلك استخدم نجيب سرور الشعر في تشويه بعض الناس.

ويمكن على جانب آخر، وغير بعيد بحال، أن يكون دفتر هاملت، قد انتهى في صيغة أخرى إلى “معالم على الطريق” لسيد قطب، الذي استبدل بـ”الشتيمة” التكفير هذه المرة، رغم احتفاظه باللغة الأدبية وبالجماليات، فقد كان قطب يخاطب مشاعر الجماهير لا عقولها.

كان نجيب سرور يمثل درجة أقل في التطرف، اكتفى فيها بالكلام والكتابة والفضح والتعرية في مواجهة الخونة/ الصهاينة/ الماسونيين، إلخ، بينما مثّل قطب الجانب الأكثر تطرفًا، وبكرم حاتمي؛ فهو يطالب بالحركة ويبدأ في التمهيد لها في مواجهة الجاهلية/ الكفر.

ولدى مقاربة شخصية هاملت بنموذج سيد قطب، نكتشف أن اﻷخير لم يكن جبانًا أو متخاذلًا، رغم تلميح شكري مصطفى بذلك، فقد كفّر المجتمع بلا أي تردد أو احتياط. كذلك لم يكن هاملت جبانًا، رغم وصفه بهذا، فلم يُقعده “جبنُه” عن المواجهة السريعة مع عمه وأمه، بالعكس فقد صوّرته المسرحية شابًا من أشجع الفتيان في عصره، لم يتردد مثلًا في قبول مبارزة ليارتيس، ولا في إرسال صديقيه إلى حتفهما، لما أحس منهما الغدر، وكانت أوفيليا تندبه بقولها: “آه، يا لهذا العقل النبيل المضيع! لسان أمير وبصر عالم وسيف جندي”.

نحن نتحدث عن تنويعات على نموذج، وقد تكون هذه التنويعات بدورها نماذج لتنويعات أخرى أكثر أو أقل تطرفًا، وقد تكون سلبية أو إيجابية، وهذا ليس من باب المدح أو الذم، فالنموذج اﻹيجابي هو من قام بفعل، مثل سيد قطب، والأكثر إيجابية منه كان شكري مصطفى. أما النماذج السلبية فهي التي تغرق في أحلام اليقظة أو تشرب المخدرات في مواجهة قسوة واقعها وهروبًا منها. غير أن الملامح العامة للنموذج تبقى متشابهة. وهاملت نفسه تنويعة أصيلة على نموذج الإنسان الحديث المنقسم على ذاته، ليس الانقسام بين الفكر والعمل بالتعريف كما يذهب بعض النقاد، وإنما بين التفكير بطريقة معينة والعمل أيضًا بطريقة معينة. فهاملت لم يكن بطلًا بقدر ما كان فتى مليئًا بالحماسة والإحساس المرهف، صدمه واقعٌ ملوث قاس، فيه القتل والخيانة والتملق والتآمر “وقشور قبيحة على الجسد الأملس”. لم يستطع هاملت التوفيق بين العالمين الداخلي والخارجي، فحدث الانقسام، وكان التفكير على هذا النحو هو ما جعله مترددًا في تنفيذ قراره، وكانت النجوى، ومنعه تفكيره هذا من الحفاظ على “أوفيليا”، فلم يكن شخصية قوية الإرادة إلى هذا الحد، وإن أراد القوة. حتى نيتشه، صاحب “إرادة القوة”، شخصيًا، رغم نقده العنيف للرومانتيكية، كانت أفكاره هي وسيلته الناجعة للتعبير عن اشمئزازه وقرفه من الواقع، وكان رفضه للخضوع لشوبنهاور وكذلك لفاجنر، هو عين خوفه من الاستسلام. لقد كان يريد القوة رغم الوهن، أو قل بسبب الوهن. هذا الإنسان الحديث لم يظهر في القرن الثامن عشر فجأة، وكان التنوير نفسه نتيجة للصراعات الدينية والدموية غير الحاسمة التي شهدها القرن السادس عشر والسابع عشر وكان يتشكل وتنضج أسباب ظهوره ويتشكل معه وله الرأي العام المؤيد. ولا بد أن رومانتيكية القرن التاسع عشر وجدت لها من الأسباب في القرون الخوالي، كلٌ بقدر، ما جعلها تظهر بتنويعات ونماذج كثيرة وغنية للدرجة التي قد تبدو فيها متناقضة تمامًا، وغنية لأن أمثلتها ببساطة هي بايرون، ديستوفيسكي، تولستوي، لامارتين، تشيكوف، جوته، كانط، وروسو، وكان بمثابة الأم للرومانتيكية، حسب تعبير ساخر لول ديورانت، دون التزام من هؤلاء، أو من بعضهم، بالإقامة في القرن التاسع عشر.

التنوير مقابل الرومانتيكية

كانت لحظة الانفصال عن كل ما هو غير طبيعي أو متعال على الطبيعة، وإعلان موت ما لم يعد يلزم من خرافة، وبلوغ الإنسان وخروجه من الوصاية، ومحاولته إيجاد السعادة باستخدام عقله هنا على الأرض، لحظة طويلة في عمر البشرية. كان على هذا الإنسان إثبات ذاته بوصفه سيد نفسه، وكان العقل أو الفكر سببًا كافيًا للوجود. كان الظلام الشديد دافعًا للتنوير الشديد أيضًا؛ فكان العقل صارمًا وثوريًا، وكانت الثورة حادة وقاسية، لا تعرف سوى الكفاح والنضال والنقد الحاسم. لكنه، رغم ذلك أو بسببه، ظل تنويرًا أكثر منه تعميقًا، ولأن لكل “تغيّر”، بحسب هيجل، شكلًا أوليًا بسيطًا سرعان ما يتعقد ويتضخم، تعقد التنوير وتضخم، واستبدل بالثنائية الميتافيزيقية بين الإنسان واللـه ثنائية أخرى هي الإنسان وواقعه، فانقسم مرة أخرى بين “الذات” و “الموضوع” ، بين “العقل” و”العالم”، ولعل ما بعد الحداثة تكون هي محاولة التعمق ولحظته.

في حدود هذه الثنائية كان على الإنسان الحديث رؤية الواقع دون أي وهم ميتافيزيقي، هذا الواقع بما فيه من قسوة وظلم وفساد و”قشور بغيضة على الجسد الأملس”. وأحد تعريفات الرومانتيكية هي أنها “ظمأ إلى الجميل والبعيد واللامحدود، أو تخليص العالم من قشوره البغيضة”، لكن تلك الرومانتيكية، ولا نقول آفتها فهي بذاتها آفة، لم تعد ترى الفساد في الواقع بل ترفضه كله أصلًا، ثم تقرر أن تأخذ موقفًا ما تجاهه. يصبح الفرد رومانتيكيًا بغريزة البقاء، وقد عجز عن التكيف مع هذا الواقع. وتأخذ المواجهة أشكالًا مختلفة ومتعددة ومتفاوتة وبلا حصر، لكنها لا تخرج بحال عن أن تكون إما سلبًا، بالانعزال بعيدًا عن توتر المواجهة، وتكون دروب المنعزلين عادة في الغرائب وأحلام اليقظة والروحانيات وعوالم الرؤى والنزعات العاطفية المستعرة، أو إيجابًا، ويكون هذا الشخص أصلًا إيجابيًا لكنه ممنوع من الصرف والإبداع في المجتمع المتخلف، وهذا النوع بطبعه لن يهرب من مواجهة الواقع المرفوض وإنما سيعود حاملًا سلاحه “ولنفسه التأييد” – على حد وصف ثربانتس لدون كيشوت – حتى يفضح الواقع ويعري بشاعته.

ومنذ عزازيل الذي هو إبليس وحتى الآن، لم يتوقف هذا التمرد، ولم ينضب المعين الذي يأتي بهؤلاء الرومانتيكيين، وفي كل العصور يكون هناك من الأسباب ما يسمح بظهورهم، وهم لا يشكلون أي خطر في عصور القوة، بل بالعكس تمامًا، لكن ما أشد خطورتهم في عصور انحطاط العقل والحضارة، وما أشد خطورة الإيجابي منهم على وجه التحديد! ولا ينضب أبدًا “سياق المعاني”الذي يدعمهم. والمعاني التي نجدها في هاملت، وتجعله هاملت، هي الرجولة مقابل العهر، والوفاء مقابل الخيانة، والأخوة والأمانة مقابل الغدر والغيلة. وأخيرًا في نهاية تلك المسرحية، وفي المواجهة، نجد أنفسنا أمام “فكران ماكران حول أمر واحد” دون أن تصطدم غايتهما، وكلاهما يريد التخلص من الآخر، الملك المستعار كلوديس والأمير المخبول هاملت. أما الوسيلة فهي العنف. ولا أظن أن عدد القتلى الكبير نسبيًا في مسرحية “هاملت” قد صدم “النُظارة” -رغم تعليق “فولتير” عليها بأنها مسرحية همجية مبتذلة لا يمكن أن تطيقها حتى أحط الجماهير، أو حتى ملاحظته القاسية بأنه لا يكتبها إلا “متوحش سكران”- فمشاهدو العصر الإليزابيثي بحكم العادة لا يرفضون رؤية مثل هذا العنف.

ويمكن قول نفس الشيء عن “دفتر هاملت” بتنويعات نجيب سرور أو سيد قطب، فهما أيضًا بمعنى ما، نزلا على رغبة الجماهير، بوعي أو بدون وعي. وهذه الجماهير ليست كتلة واحدة متجانسة، بل متنوعة وغنية إلى الدرجة التي تجعل أمثال هاملت وسيد قطب وشكري مصطفى وحتى نجيب سرور وإبراهيم الأبيض، يجدون نصيبهم من المؤيدين على تنوعهم هذا. حتى الأنبياء، فيما مضى، لم يرسلوا إلا بلسان قومهم وبمعجزة تناسب مشاهديها. غير أنني لا أعني أن الإنسان هكذا ليس أكثر من مرآة تعكس الأفكار، فكل مُعطى يقابله اختيار، وهذا “الاختيار” يمكن وصفه، باستعارة فوكو، بما هو أكثر من “مجرد إحساس بالذات”، بل هو تكوين للنفس بما تحمله من “تزهد” و “مران ذاتي” والأهم “تذويت-بمعنى إضفاء الطابع الذاتى”. فكما توجد جماهير ونظارة تؤيد عنف هاملت وغيره، توجد جماهير ونظارة ترفض ذلك العنف.

كُتبت هذه “الشخبطة” في 2007، ويبدو أن هذا العام كان من الأعوام الفارقة في حياتي؛ فروايتي الأولى صدرت في هذا العام، وكانت “شخبطتى” ضد مرض “الحنين” و”الرومانتيكية المفرطة” وأتى “المران الذاتي”، و” التزهد” في كل تلك الأشياء “العبيطة” في حياتي. ولا أكتب هنا بمنطق محاكمتها أبدًا، بل بمنطق تسجيلها وإعادة تأملها ومراجعتها، وقد حاولت ألا أغير كثيرًا في صياغتها وحافظت على جوها وتدفقها العام.

قبل عام 2000 كنت أحمل سيفًا خشبيًا ضد طواحين الهواء، وفي عام 2000 كانت النقلة الكبرى، ففيه سُجنت في أحداث مظاهرات الانتفاضة الفلسطينية، وفي السجن تعلمت ماركس وهيجل، ثم خرجت واضطررت لترك منزل أهلي، وكان عليّ منذ هذا الوقت الاعتماد على نفسي تمامًا، ليس بمعنى العمل وتكاليف الحياة فقط فهذا كان قد بدأ منذ بعيد، لكن بمعنى مواجهة العالم دون دليل أو رعاية. وتعلمت أن المرء حينما يعجز عن فهم العالم يحاكمه. وأصبحت مقتنعًا أن السيف (التغيير) سيكون أكثر فائدة إذا وزّعناه على الناس، بمعنى محاولة فهم العالم معهم، ومن ثم تغييره إلى ما هو أفضل. تشبه شخصية هاملت هنا إلى حد ما شخصية دون كيشوت، وإن افتقدت البهجة. وفي الحالتين وفي التنويعات عليهما، كان هناك الغضب الذي لم ير سوى الشياطين واليأس، حمل “الدون كيشوتي” الماضي على كتفه، وارتدى درعه الحديدي ضد الحياة والناس والمستقبل. دون عقل ذهب لينتقم ويحطم طواحين الهواء.

إن ذلك “الغضب المقدس” قد يكون وقود الحضارة والتقدم، وقد يصبح طاقة جديدة لإدارة تلك الطواحين بدلًا من هدمها، وقد ينزع عنه درعه الحديدي ليتعلم مع الناس، ويتفاءل بالمستقبل الذي يساهم في بنائه.

المصادر:

– هناك ترجمات كثيرة لمسرحيات “شكسبير” في اللغة العربية، وتأتي “هاملت” و”لير”، والمآسي بشكل عام، في الصدر دائمًا. وما لم ترد إشارة بغير ذلك، فالاقتباسات هنا كلها من مسرحيتي “هاملت” و “الملك لير”. وقد اضطررت في بعضها لتعديل بسيط بما لا يمس بالمعنى اﻷصلي، وقد اعتمدت في الأولى على ترجمة عبد القادر القط وترجمة أخرى لجبرا إبراهيم جبرا، على الترتيب. أما في “لير” فقد اعتمدت على ترجمة الدكتورة فاطمة موسى. وقد استفدت كثيرًا من تقديمهم الممتاز لهذه النصوص (خاصة مقدمة الدكتور القط). ولم أعدم الاستفادة من العديد من المراجع والدراسات التي تصدت لأعمال شكسبير عمومًا، ومسرحية “هاملت” خصوصًا، مما لا يتسع المقام هنا لإثباتها.

– هناك نصوص أخرى اعتمدت عليها في النص، منها رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ، و”دون كيشوت” لثربانتس. كما اعتمدت على العديد من المراجع والمصادر في تاريخ أوروبا وتاريخ الرومانتيكية وغيرها، وبشكل كبير اعتمدت في هذا الصدد على موسوعة قصة الحضارة لول ديورانت، وكتاب “الرومانتيكية والواقعية، دراسات في الأدب الأوروبي” ليانكون لافرين.

اعلان
 
 
ماهر عبد الرحمن