Define your generation here. Generation What

مسودة الخدمة المدنية (1): تبقى المشاكل على ما هي عليه

منذ حوالي الثلاثة أسابيع، بدأت لجنة القوى العاملة في مجلس النواب مناقشة مسودة قانون الخدمة المدنية البديل للقانون 18 لسنة 2015 الذي سبق أن رفضه أعضاء البرلمان في بداية انعقاده. نرصد هنا 12 مشكلة كانت قائمة في القانون الملغى، ولا تزال قائمة إلى اﻵن في المسودة المطروحة.

1- بادئ ذي بدء، لا يُطبق القانون على جميع الموظفين، فقد ظلت مسألة التمييز بين الجهات في تطبيق القانون على جهات دون اﻷخرى، بحسب مادة 1 من مواد الإصدار. وحتى من يسري عليهم القانون، يُستثنون من تطبيق بعض المواد. فوفق المادة 21: “لا تسري أحكام المادتين السابقتين على الجهات والوظائف ذات الطبيعة الخاصة التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية، ويكون شغل وظائف الإدارة العليا والإدارة التنفيذية في هذه الجهات والوظائف عن طريق الترقية بالاختيار، وذلك على أساس بيانات تقويـم الأداء وما ورد في ملف الخدمة من عناصر الامتياز”.

2- وبقي موقف المسودة كما هو في عدائه لحق التنظيم، ولحق متلقي الخدمة في المشاركة في وضع السياسات التي تؤدي لتحسين الخدمة، فتشكيل مجلس الخدمة المدنية، الذي يقدم مقترحات فيما يتعلق بالموازنة المخصصة للخدمة المدنية، ويبدي الرأي في مشروعات القوانين الخاصة بها، و في طرق تقييم الموظفين، والبرامج التدريبية المقدمة لهم، وعليه تقديم مقترحات لتحسين الخدمة، ظل خاليًا من أي تمثيل للموظفين أو متلقي الخدمة، كما يرد في المادة 3، سواء في المسودة أو في قانون18 الملغى. كما ظل على لجنة الموارد البشرية الواردة في المادة 4، وتنظر في كل ما يخص الموظف، بداية من التعيين وانتهاء بالفصل من العمل، مرورًا بمنح العلاوات، واقتراح التدريبات وغيرها، أن تشتمل على عضوية أحد أعضاء اللجنة النقابية إن وُجدت، مما يعني أنه في حال عدم وجود لجنة نقابية فلا وجود لتمثيل العاملين. ويثير هذا تساؤلًا حول ما إذا كانت هناك نقابتان بالوحدة، فأي النقابتين تُمثَّل حينها وأيهما لا؟ وكل هذا ينطبق أيضًا على لجنة التظلمات التي تنشأ لتلقي التظلمات من تقارير الأداء بحسب المادة 26. وفي المادة 60 بقي التصرف في أموال الجزاءات وأوجه الصرف بيد السلطة المختصة بعيدًا عن أي ممثل للعاملين مثلما كان الوضع في المادة 58 من القانون 18 المُلغى.

3- باﻹضافة لهذا، يحجز القانون وظائف لمصابي العمليات الأمنية والحربية دون مصابي الثورة، فقد ظل نص المادة 13 من المسودة هو نفسه في المادة 14 من القانون 18، ووفقًا له: “تحدد بقرار من رئيس مجلس الوزراء الوظائف التي تحجز للمصابين في العمليات الحربية والمحاربين القدماء ومصابي العمليات الأمنية وذوي الإعاقة والأقزام متى سمحت حالتهم بالقيام بأعمالها، وذلك وفقًا للقواعد التي يحددها هذا القرار”، وفضلًا عن استبعاد مصابي الثورة من هذا الحق، فلا نعرف أي نسبة ستكون لذوي الإعاقة والأقزام.

4- تنتقص المسودة من أجور الموظفين في أكثر من مادة، فصياغة المادة 73 من المسودة بها نفس مشكلة المادة 71 من القانون 18، من حيث انتقاص أجر العاملين بسبب تحويل الحوافز من نسب مئوية قياسًا على اﻷجر، إلى فئات مالية مقطوعة. كما ظلت قيمة علاوات الترقية في المادة 31 من المسودة كما كانت في المادة 30 من القانون 18، ونسبتها 2.5% من الأجر الوظيفي. وفي المادة 37 من المسودة ظلت نسبة العلاوة الدورية السنوية 5% من الأجر الوظيفي كما كانت في المادة 36 من القانون 18، كذلك ظلت العلاوة التشجيعية في المادة 38 كما كانت في المادة 37 من القانون 18، وهي 2.5% من الأجر الوظيفي.

5- وتغلق المسودة باب الترقي بعد الحصول على مؤهل أعلي، فقد بقي نص المادة 10 من المسودة هو نفسه في المادة11 من قانون 18، الذي قسم الوظائف لأربعة أقسام رئيسية، هي التخصصية، والفنية، والكتابية، والحرفية والخدمة المعاونة، وتعتبر كل منها وحدة متميزة في مجال التعيين والترقية والنقل والندب والإعارة، مما يعني إغلاق الباب أمام ترقي الحاصلين على مؤهلات أعلى أثناء الخدمة. وعزّز هذا التفسير نصُ المادة23 التي تتحدث عن حق الموظفين الحاصلين على مؤهل أعلي، قبل التحاقهم بالخدمة أو أثنائه، في التقدم للوظائف الخالية بوحدتهم أو أي وحدة آخري، متى كانت تلك المؤهلات متطلبة لشغلها، دون أن يأتي ذكر لاحتساب سنوات عملهم في وحدتهم ضمن سنوات خبرتهم. وتأكيدًا على نفس الفكرة عُدّلت المادة 38 من القانون18، التي كانت تنص على حصول الموظف، الحاصل على مؤهل أعلى أثناء الخدمة، على “علاوة تميز علمي”، ليصبح اسمها وفق المادة 39 من المسودة “حافز تميز علمي”، وبعد أن كانت قيمتها بنسبة 2.5% من الأجر الوظيفي للحاصلين على شهادة الماجستير أو ما يعادلها، أو الدكتوراه، أصبح لكل من حصل على مؤهل أعلي، حافز تميز علمي بنسبة 5% من الأجر الوظيفي، أو الفئات المالية المذكورة في المادة39 من المسودة، أيهما أكبر. ولأنه حافز وليس علاوة، فهو لن ينضم للأجر الوظيفي أبدًا، ذلك كون المادة 40 من المسودة، وهي نفسها مادة 39 من القانون 18، نصت على ضم العلاوات، وليس الحافز، إلى الأجر الوظيفي للموظف.

6- ويبقى التدخل في التعيينات على كل المستويات، ليتحول الأمر من التعيين في الوظائف على أساس الكفاءة والجدارة بحسب المادة 1، إلى تدخل جهات غير محددة في استبعاد من لا يُرغب في وجوده، فقد ظل نص المادة 14 من المسودة هو نفسه في المادة 15 من القانون 18، الذي يشترط للتعيين في الوظائف العامة “أن يكون محمود السيرة، حسن السمعة”، بدون اﻹشارة لمن بيده تحديد ذلك. كما بقي نص المادة 17 من المسودة، والذي يشترط للتعيين في وظائف الإدارة العليا والتنفيذية، “التأكد من توفر صفات النزاهة من الجهات المعنية”، كما كان في المادة 19 من القانون 18.

7- ويستمر تشجيع الدولة للموظفين على الخروج في معاش مبكر، عن طريق تحميل صناديق التأمينات بفروق المزايا التي تضعها الدولة، الواردة في المادة 69 من المسودة كما كانت في المادة 67 من القانون 18، مما يعطي الموظف المتقدم بطلب للمعاش المبكر، وتعدى عمره الخمسين، ترقية في اليوم السابق لخروجه للمعاش، وتضاف خمس سنوات لمدة اشتراكه في نظام التأمين الاجتماعي، وإذا زاد عمره عن 55 عامًا، تضاف خمس سنوات لمدة اشتراكه في التأمين الاجتماعي أو المدة المتبقية له للخروج للمعاش، أيهما أقل. فهم يعلمون بأن هناك فروقًا كبيرة ستتحملها صناديق التأمينات، ولا يرغبون في تحملها للتخلص من الموظفين، بدليل أن المادة 20 نصت على تحمل خزانة الدولة لهذه الفروق في حال خروج شاغلي وظائف الإدارة العليا للمعاش المبكر، وكذلك الوضع بالنسبة لإجازة رعاية الطفل للموظفة، حيث نُص على تحمل الوحدة التي تعمل بها، لحصتها وحصة الموظفة، بحسب المادة52 من المسودة.

8- ولا تنص المسودة على التظلم في حال الحرمان من التوظف، فلم تشر المادة 12، وهي نفسها المادة 13 من القانون 18، لحق التظلم من نتيجة التعيينات لدى اختيار من سيُعيَّن، كما أن صياغة المادة 15 هي نفسها في المادة 17 من القانون 18، من حيث عدم إقرار حق التظلم من نتيجة تقرير عدم الصلاحية خلال فترة اختبار الموظف التي تستمر لستة أشهر.

9- وتتعدى مسودة القانون على الحق في بدل الإجازة، فقد بقيت نفس المشكلة في صياغة المادة 49 من المسودة، وهي عدم القدرة على ترحيل أكثر من ثلث الإجازة السنوية، ولا يُرحل هذا الثلث إلا بشرط رفض السلطة المختصة لطلب الإجازة، كما كان في المادة 47 من القانون 18. وتتغافل المادة بذلك عن بعض العاملين الذين لا يستطيعون أخذ إجازاتهم بسبب طبيعة عملهم، وتحرمهم بهذا الشكل من بدل هذه الإجازات.

10- وظل طلب إبداء الرأي من مجلس الدولة في المسائل المتعلقة بتطبيق أحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية، حكرًا على السلطة المختصة كما تنص المادة 6، فماذا لو أراد العاملون أو ممثلوهم مخاطبة مجلس الدولة لأخذ رأيه في أي من المسائل المتعلقة بالقانون؟

11- كما يتعدى القانون على حقوق العامل المريض، فرغم أن العامل المريض يُمنح الإجازة بقرار من المجلس الطبي، أي أنه غير متمارض، فقد نصت المادة 50 من المسودة، كما كانت في المادة 48 من القانون18، أنه بعد 3 شهور من الإجازة المرضية يبدأ الخَصْم، حتى أنه بعد إجازة مرضية لمدة سنة، يكون على الموظف الاختيار بين تحويل الإجازة المرضية ﻷخرى اعتيادية، لو كان رصيده يسمح بذلك، أو طلب إجازة بدون أجر للمدة التي يراها المجلس الطبي المختص لحين شفائه. وهنا علينا التساؤل: كيف في بلد لا يوفر تأمينًا صحيًا حقيقيًا للموظفين، مما يؤدي كثيرًا إلى تحمل المريض عبء الإنفاق على علاجه، مما يستدعي زيادة أجره بالتالي، يسمح القانون بإنقاص هذا الأجر وصولًا ﻹلغائه؟

12- يميّز القانون بين الموظفين حسب الدين، فقد ظلت صياغة المادة 46 من المسودة هي نفسها في المادة 44 من القانون 18، فلا تزال إجازات المسلمين إجازات رسمية، أما الأعياد الدينية لغير المسلمين فيصدر بها قرار من رئيس مجلس الوزراء. كما أن صياغة المادة 51 من المسودة هي نفسها في المادة 49 من القانون18، فيما يخص الحالات المستحقة لإجازة بأجر كامل لمدة ثلاثين يومًا لأداء فريضة الحج، وهي الصياغة التي تُفسّر بأنها لا تنطبق إلا على حج المسلمين، لذا لتفادي أي تأويل قد يؤدي إلى التمييز بسبب الدين تجب إضافة “للمسلمين وغير المسلمين” في نهاية الجملة.

هذه 12 مشكلة كانت قائمة في القانون 18 الملغى، ولا تزال قائمة في المسودة الحالية، وفي مقال تال سنرصد التعديلات الطارئة على القانون في مسودته الجديدة، بوجهيها اﻹيجابي والسلبي.

اعلان
 
 
فاطمة رمضان