Define your generation here. Generation What
اختراعات كثيرة وبراءات قليلة
 
 

كان للمصريين القدماء الفضل في تطوير تقنيات رائدة، بدايةً من الورق والمحراث الذي يجره الثيران وحتى أقفال الأبواب وزينة العيون. ويمكن لأي شخص يسير في شوارع القاهرة أن يشهد استمرار تلك الروح الإبداعية، فقد ترى فرن يفرغ الخبز مباشرة في سيارة التوصيل عبر سير، أو عربة كارو تجر قاطرة لحمل حديد تسليح، أو كهربائيًا أو صانع أقفال يبتكر حلولًا لمشاكل منزلية، في نفس الوقت الذي تستمع فيه إلى واحدة من منوعات موسيقى البوب المحلية.

مع ذلك، نادرًا ما تنتقل روح الاختراع هذه إلى القطاع الرسمي. يقول مكتب براءات الاختراعات المصري إنه تلقى 2300 طلب في عام 2015، من بينها 500 طلب مقدم من مصريين و1800 من أجانب يسعون إلى حماية فكرة أُبتكرت في مكان آخر. في نفس العام منحت مصر 480 فقط حق براءة الاختراع، 90 لمصريين و390 لأجانب. في المقابل، تلقى مكتب براءة الاختراع في الولايات المتحدة أكثر من 615 ألف طلب في عام 2014، ومنحت حوالي نصف هذا العدد براءة الاختراع. من الواضح أن مقارنة تسجيل براءة الاختراع في الولايات المتحدة ومصر ليست عادلة، لكنها تثير تساؤلات، لماذا لا تمنح مصر سوى 500 براءة اختراع في العام؟ ولماذا يجب أن نهتم بالأمر؟.

حماية الملكية الفكرية، مثل براءات الاختراع وحقوق النشر والعلامات المسجلة، تستهدف ضمان حقك في حصاد مزايا فكرتك سواء كانت تلك الفكرة تتعلق باختراع أو علامة مسجلة أو عملية تفتق عنها ذهنك أو عمل فني. ومنح الاحتكار القانوني لتلك الأفكار يسعى إلى تعزيز الإبداع والتأكيد للمخترعين والرواد أن باستطاعتهم الحصول على ربح تجاري من أفكارهم بل والإثراء من خلال ذلك. 

من ناحية أخرى، كل معرفة هي “سلعة عامة” بدرجة ما. وفي البلاد النامية، على وجه خاص، يجب تحقيق توازن بين السماح لأصحاب الأفكار الجيدة بالتربح، وبين تعزيز إتاحة تلك الأفكار والأدوات لتقدم المجتمع ككل. 

يبدو أن مصر فشلت فيما يخص طرفي المعادلة. ذلك أن المعدل المنخفض لتقديم طلبات براءة الاختراع يصاحبه قوانين قاسية لحقوق الملكية. وفي نفس الوقت تفتقد تلك القوانين للحزم في تطبيقها كما يتضح من أحذية “نكي” وفطائر “بوريو” وويسكي “بلاك تابل” المعروضة في الأسواق.

تحديات محلية

تنص المادة 69 من دستور مصر الصادر في عام 2014 على حماية الملكية الفكرية. تقول هاله السلماوي، الباحثة في مجال الملكية الفكرية: “لأول مرة ينص الدستور على حماية الملكية الفكرية”. وتضيف أن هناك ما يشير إلى السعي لتأسيس هيئة لمراقبة الملكية الفكرية في مصر، وهو ما يعد خطوة إيجابية في اتجاه تبسيط نظام شديد التعقيد.

وقد مثل هذا التعقيد عقبة كبيرة في سبيل تشجيع تسجيل الملكية الفكرية. ففي ظل القانون الحالي الذي صدر عام 2002، يتداخل عدد من الوزارات والمحاكم والمكاتب في مسئوليات تقييم وتسجيل وإنفاذ حقوق الملكية الفكرية. وتقدر السلماوي أن حوالي تسع وزارات يتولون أمور حقوق الملكية الفكرية في مصر، وتقول: “حين يتعلق الأمر بدور كل منها، يصبح الأمر مربكًا للغاية”.

أحد نتائج هذا الارتباك هو التطبيق المتسيب لحقوق الملكية الفكرية، ما يؤدي إلى شكاوى خارجية جراء القرصنة وسرقة حقوق الملكية الفكرية. ورغم غياب التطبيق الدقيق، فإن القوانين الخاصة بالكتب غالبًا ما تكون شديدة الصرامة، مما يزيد من ارتباك الموقف. صحيح أن القوانين صارمة، لكن غالبًا ما يصعب الالتزام بها، خاصة في ضوء الدقة التقنية المطلوبة لاستكمال طلب براءة الاختراع.

للتقديم على طلب براءة اختراع، يجب البحث أولًا فيما صدر من قرارات براءة الاختراع (التي لم يستكمل بعد تسجيلها رقميًا)، ثم تقديم طلب تفصيلي يشرح طبيعة الابتكار في الجانب التقني أو الجدة الفكرية للاختراع، وهي عملية “ليست شديدة الصعوبة بالنسبة لمن مارسوها وتدربوا عليها، فهي شيء أقرب إلى العلم”، يقول أحمد دنيا من شركة أبو غزالة للقانون، أكبر شركات المنطقة المتخصصة في قانون الملكية الفكرية.

في غياب التدريب اللازم وفهم النظام، يصبح كتابة طلب براءة اختراع أمرًا صعبًا، مما يصعب الحصول عليها. أحد أهم مهام مكتب براءة الاختراع المصري هو التوعية والتدريب، حيث ينظم المكتب ثماني برامج تدريبية سنويًا ويوظف خبيرين، إلا أن الجميع يتفقون على أنه لازالت هناك الحاجة إلى المزيد من أجل بناء المهارات اللازمة لزيادة عدد طلبات التسجيل.

وأخيرًا، هناك مزيج مثير للاهتمام بين الثقافة والتطبيق. تؤكد دينا واكد، باحثة في قانون المنافسة في معهد باريس للدراسات السياسية أن “جزءًا من الثقافة يعتبر أن النسخ ليس عيبًا”، وتضيف أن هذه السمة يصاحبها تطبيق غير كافٍ للقانون: لماذا إنفاق المال على الأبحاث والتطوير إذا كانت الفكرة عرضة للسرقة؟.

هذا المزيج من اقتصاد مصر غير الرسمي وثقافتها، وجهاز معقد وعديم الكفاءة في تطبيق القانون، خلق نتيجة حتمية هي أن لامبالاة أغلب المصريين بحقوق الملكية الفكرية التقت مع سياسات رخوة وغير فعالة.  “ما يحدث في الواقع هو أنه لا يوجد التزام حازم بالقانون”، تقول نجلاء رزق من الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

تحديات عالمية

لكن مصر ليست وحدها في مواجهة هذه التحديات. نظام براءة الاختراع في مصر شائع في العديد من البلدان النامية، نتيجة لعضويتها في منظمة التجارة العالمية. تصنف قوانين مصر باعتبارها “ملتزمة بلوائح اتفاقية التربس” (الجوانب التجارية ذات الصلة بحقوق الملكية الفكرية)، أي أنها تستوفي المعايير الدولية التي حددتها منظمة التجارة العالمية في عام 1994. كان الهدف من الاتفاقية هو توحيد قانون الملكية الفكرية في مختلف أنحاء العالم، بمعني أن تلتزم الـ 162 دولة الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، من الولايات المتحدة إلى أفقر البلدان النامية، بدرجة أو أخرى بنفس قوانين الملكية الفكرية أو تصبح مهددة بفقدان عضويتها في المنظمة.

مثلت مصر، بالنسبة لمنتقدي اتفاقية التربس، تجسيدًا لعيوب نظام الملكية الفكرية العالمي. حيث أن أغلب براءات اختراع العالم تسجل في البلدان المتقدمة، فإن أغلب طلبات براءة الاختراع المقدم عليها والممنوحة في مصر تأتي من الولايات المتحدة وأوروبا، التي يختلف اقتصاداتها تمامًا عن الاقتصاد المصري. ويخشى المنتقدون أن تسحب اتفاقية التربس الثروة من البلدان النامية إلى البلدان الأكثر ثراء، وأن تضع قوانين صارمة بلا داع في الدول التي قد تستفيد أكثر من قوانين أقل حزمًا تصاغ بحيث تساعدها على النمو الاقتصادي والاجتماعي. 

كذلك، فإن الاستثمارات والتكنولوجيا لا تصل بالضرورة إلى البلدان ذات الدخل المنخفض كما كان يتمنى المدافعون عن اتفاقية التربس، ذلك أن أغلب البلدان النامية لم تشهد ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الإبداع نتيجة الالتزام بالاتفاقية.

باختصار، لقد خلق هذا المزيج من البيروقراطية المصرية والمعايير الدولية نظامًا معقدًا يحتاج إلى إعادة تقييم. “المشكلة تكمن في أننا ننقل القانون الساري حاليًا في الغرب، قي حين نفتقد إلى السياسة العامة لمعرفة التعامل به”، تقول واكد. 

إيجاد طريق أفضل

تمثل الملكية الفكرية عنصرًا هامًا في الهيكل الاقتصادي لأي بلد، حيث تشجع الأعمال والمخترعين على الإنتاج. لكن في البلدان النامية على وجه الخصوص لا يجوز للملكية الفكرية أن تهتم بحقوق منتجي المعرفة فحسب، بل وأيضا باحتياجات مستهلكي المعرفة.

تقول رزق: “الملكية الفكرية ليست غاية في حد ذاتها، بل يجب أن تكون وسيلة لتعزيز إنتاج واستخدام المعرفة، ومن ثم تقدم التنمية البشرية. إذا تعاملنا مع المعرفة باعتبارها سلعة في السوق وحسب، نكون فشلنا.”

تحقيق التوازن بين حماية منتجي المعرفة وزيادة إتاحتها لمستهلكيها أمر صعب. وبالتالي فإن نظام الملكية الفكرية المتوازن، الذي يخفف من التوتر بين المنتج والمستهلك، لابد وأن يكون مختلفًا من بلد إلى آخر. وفي مصر لم يبذل حتى الآن الجهد اللازم للتعامل مع هذا التوتر.

تقول رزق: “قانون الملكية الفكرية في مصر لا يقدم فلسفة متكاملة بشأن إتاحة المعرفة، الأمر الذي يجب أن يمثل لنا أولوية كبلد نامي.”

جزء كبير من إشكالية المنتج-المستهلك يكمن في طبيعة الملكية الفكرية ذاتها. ذلك أن الملكية الفكرية ليست مثل أي ملكية أخرى. وسرقة فكرة ليست مثل سرقة سيارة. فالمعرفة تراكمية وغير ملموسة. بل أننا في حقيقة الأمر كلنا نأخذ أفكار الآخرين ونجمع بينها وأحيانا نحسن منها ونطورها.

وبالتالي فإن مفهوم الملكية الفكرية نادرًا ما ينطبق عليه أحكام الأبيض والأسود: أين الفاصل بين استعارة الأفكار وسرقتها؟، وما هو الوقت المناسب الذي يستحق خلاله الإنسان التمسك بملكيته لفكرة؟، هذا التوتر بين حماية الأفكار ومشاركتها مع الآخرين يستدعي وضع قيود على إجراءات حماية الملكية الفكرية. من الهام للغاية أن تخلق مصر توازنًا بين الحماية والقيود، والكثيرون يشعرون ان الأمر يحتاج إلى إعادة تقييم لصالح مزيد من المرونة.

“هنا في مصر، لا يوجد وعي بشأن المرونة في نظام الملكية الفكرية”، تقول السلماوي. وتضيف رزق أن الكثير من قوانين حقوق النشر المصرية تتجاوز في صرامتها ما هو ضروري للالتزام بشروط إتفاقية التربس، وتعكس تناولًا “متطرفًا” للملكية الفكرية يمنح الكثير من الحقوق والقيود على أصحاب الحقوق. وتؤكد: “لكن مسألة قوانين الملكية الفكرية في بلد نامي تحمل أكثر بكثير من كونها مَلكية أكثر من الملك”.

في مصر ومختلف أنحاء العالم، تبرز نماذج جديدة للملكية الفكرية، مثل الترخيص الإبداعي المشترك، حيث تحفظ بعض الحقوق وليس بالضرورة كلها، الأمر الذي قد يُغير من الملكية الفكرية حيث يتوارى صنع السياسيات. وتشير رزق إلى نماذج جديدة في مجالات الموسيقى والأدب والتكنولوجيا، حيث ثبت أن الإتاحة المفتوحة والأشكال الأخرى من الإبداع المشترك يمكن أن تكون مربحة.

“يمكن أن ندعو إلى تعديل التشريع، ولكن يمكن أيضا أن ندفع في اتجاه بدائل وابتكار أفكار ونماذج أعمال جديدة تعتمد على تقنيات جديدة، ورغم ذلك تجد لنفسها مكانًا في ظل القانون” تقول رزق.

في حالة مصر من المتوقع أن يصبح تبني نظام أكثر انفتاحًا ومرونة في تبادل الأفكار أكثر انسجامًا مع الحقيقة على أرض الواقع، حيث يحدث الابتكار أمام عيوننا في كل يوم. 

اعلان
 
 
روبرت بارون