Define your generation here. Generation What
“موبكو” للبتروكيماويات.. قاومه أهالي دمياط واحتفى به السيسي
 
 

​وسط أزمة اقتصادية خانقة تمر بها مصر في السنوات الأخيرة، كان أحد تجلياتها النقص الحاد في تدفق الاستثمارات، يصبح من السهل تفسير اهتمام الدولة، متجسدة في رأسها عبد الفتاح السيسي، بافتتاح مصنع للبتروكيماويات بقيمة ملياري دولار ضمن توسعات شركة “موبكو” لإنتاج الأسمدة في مدينة دمياط.

لكن يبدو أن هذا الاحتفاء أهمل وجهًا آخر للمصنع، الذي افتتحه الرئيس الأحد الماضي باعتباره نصرًا كبيرًا. وجه أزعج الملايين من سكان دمياط عند طرح المشروع قبل عشر سنوات، واندلعت ضده حركة مقاومة شعبية غير مسبوقة.

ثار الجدل حول المشروع عام 2006، عندما طرحت شركة “أجريوم” الكندية مشروعًا مشتركًا مع عدد من الشركات المصرية، من بينها شركتي إيكوم وإيجاس المملوكتين للدولة، بهدف بناء مصنع أسمدة نيتروجينية. وفي عام 2007، حصلت الشركة على تصريح ببناء المصنع في مصيف رأس البر، على البحر المتوسط.

كانت خطط المشروع غامضة إلى حد ما عند الإعلان عنها في 2008. وبمجرد الإعلان تقريبًا، اندلعت حركة احتجاج قوية من جانب تحالف واسع من سكان دمياط. خشي الصيادون أن يؤدي المصنع إلى تدمير النظام البيئي الذي يعاني من مشاكل بالفعل، وانضم إليهم المستثمرون الذين انتابتهم مخاوف بشأن انخفاض قيمة المحال التجارية والعقارات التي تم تشييدها مع انتعاش حركة السياحة في المدينة.

تقول راجية الجرزاوي، الخبيرة البيئية التي أعدت تقريرًا في عام 2014 بشأن النضال ضد مصنع “موبكو”: “كان الأمر مدهشًا، لأنهم تمكنوا من بناء جبهة تضم الجميع تقريبًا، من الصيادين إلى أعضاء الحزب الوطني (الحاكم في ذلك الوقت) إلى أصحاب العقارات هناك. كان الأغنياء والفقراء يدافعون عن مصالحهم، ولم يقتصر الأمر على الفقراء”.

اضطرت حكومة أحمد نظيف إلى تشكيل لجنتين لتقصي الحقائق نتيجة الضغط الشعبي. كانت الأولى برئاسة الخبير البيئي البارز مصطفى كمال طلبة، ودعمت مطالب المُحتجين عن طريق نشر تقرير في يونيو 2008، والذي أشار إلى أن مدينة رأس البر ليست الموقع الملائم لمصنع من هذا النوع. وفي الشهر نفسه، خلُصت لجنة برلمانية منفصلة إلى عدم وجود دليل على أي ضرر بيئي قد يسببه تطوير المصنع.

من أجريوم إلى موبكو

رغم تعارض التقريرين، كان التصويت في مجلس الشعب لصالح وقف مصنع “أجريوم”. وحتى قبل التصويت، كانت الشركة المدعومة من السلطات الكندية قد هددت الحكومة المصرية باللجوء إلى التحكيم الدولي. ليتم حل النزاع في أغسطس 2008، عن طريق اتفاق تبادل أسهم؛ قامت فيه “أجريوم” بوقف مشروعها مقابل حصة قدرها 26% من مصنع “موبكو”. وتم عقد الاتفاق في ضوء توقعات بقيام “موبكو” ببناء وحدتي إنتاج جديدتين.

وفي عام 2009، تمت الموافقة على تنفيذ مصنع “موبكو” بتوسعات غرب الموقع الأصلي لمصنع “أجريوم”. ورغم أن المشروع الجديد هو نسخة طبق الأصل من المشروع القديم، إلا أن معارضته كانت أقل بشكل كبير.

تقول “راجية” عن المحتجين: “أعتقد أنهم تعرضوا للخداع. لقد قدمت لهم الحكومة اتفاقيات غامضة إلى حد ما. صحيح أن الحكومة نقلت المصنع من رأس البر، ولكن المسافة أقل من كيلو متر واحد فقط”.

المقاومة بعد الثورة

اندلعت الاحتجاجات ضد المشروع مرة أخرى في 2011، كجزء من الروح الثورية التي أثارت موجة من الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء مصر.

كانت الاحتجاجات أصغر هذه المرة، ولكنها أكثر حدة، حيث قطع المحتجون الطريق، ومنعوا الوصول إلى ميناء دمياط. وبحلول يونيو 2011، أدى تجدد الاحتجاجات إلى قيام وزير البيئة بتشكيل لجنة تقصي حقائق جديدة. أوصت بعدد من التدابير لتقليل الأثر البيئي للمصنع، من بينها حظر ضخ مياه الصرف في البحر. وتبنى عصام شرف، رئيس الوزراء الأسبق، هذه التوصيات.

وفي الوقت ذاته، تصاعدت حدة الاحتجاجات، مما أدى إلى حملة أمنية في 13 نوفمبر 2011، نجم عنها مقتل أحد المحتجين. وعقب موجة من العنف، أصدر عصام شرف قرارًا بإغلاق مصنع “موبكو” في دمياط، ووقف أعمال التوسعات.

لجأت إدارة “موبكو” إلى القضاء لاستئناف القرار. وأمرت محكمة القضاء الإداري بالمنصورة بتشكيل لجنة من أساتذة جامعة المنصورة لكتابة تقرير عن الموقف. وجدت اللجنة، في تقريرها الصادر في يناير 2012، أن المصنع ليس له آثار جانبية ضارة. عقب نشر التقرير، أمرت المحكمة بإعادة فتح المصنع، وأشارت إلى ضرورة الالتزام بالتوصيات السابقة التي وردت بتقرير وزير البيئة.

المشروع في الوقت الراهن

تقول “راجية” إن المخاوف بشأن التوسع في صناعة البتروكيماويات في دمياط لم تقتصر على الأثر البيئي فقط. إذ طرح الرافضون للمشروع تساؤلات بشأن سياسات تشجيع تطوير صناعات ثقيلة قرب مصيف ومنطقة جذب سياحي، وبشأن طريقة تخصيص الأراضي واستخدام موارد الدولة.

أحد المشاكل التي ذكرتها “راجية” هي حاجة صناعة الأسمدة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي، الذي يستخدم كأحد مكونات إنتاج الأسمدة، وكمصدر للطاقة من أجل تشغيل المصانع. تقول “راجية” إن مصر تنتج حاليًا ضعف حاجتها من الأسمدة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الاستخدام الأمثل للغاز الطبيعي في ظل سعي مصر الحثيث لاستيراده من أجل الوفاء بالطلب عليه في الوقت الراهن.

وتستكمل: “أعتقد أن هذه رؤية قاصرة. كان هناك أمل في تصدير الأسمدة للحصول على العملة الصعبة، ولكنني أعتقد أن هذا لن يؤدي إلى قيمة مضافة أكبر من تصدير الغاز الطبيعي”. قد يكون سعر الأسمدة أعلى من الغاز، إلا أن هذا لا يضع في الحسبان تكاليف أشياء أخرى مثل التلوث والقيمة المتحملة للأرض التي أقيم عليها المشروع.

يدعو الأمر للتوقف أمامه، خاصة في ضوء التقارير الأخيرة التي رصدت أن مصر لديها مشكلة في توريد الغاز الطبيعي للمصانع الأسمدة القائمة، والأنباء التي تفيد بأن البلاد سوف تقترض 25 مليار دولار لبناء محطة للطاقة النووية.

تقول “راجية”: “لا أعتقد أن هناك أي استراتيجية سليمة، ونحن نستشعر بالفعل بخطورة العواقب”.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن