Define your generation here. Generation What
أسر ضحايا الطائرة المصرية.. بين الانتظار والعزاء ومراسم دفن لم تتم
 
 

وجوه شاردة وعيون دامية من بكاء استمر ليومين متواصلين، وشفاه تشق طريقها لابتسامات مهذبة في استقبال المعزّين، وملابس سوداء اتشحتها نساء القرية، وشوارع خالية من حركات أطفالها، و”تكاتك” توقفت عن التمرد والتزمت الصمت في حرم الحزن. وقف أهالي قرية ميت بدر حلاوة بمحافظة الغربية لأخذ واجب العزاء في أربعة من أبناء القرية، “خير ما أثمرته ثلاث عائلات مختلفة”، حسب تعبيرهم، كانوا من بين من فُقدوا على متن الطائرة المصرية القادمة من باريس، والتي سقطت بالقرب من جزيرة يونانية في أولى ساعات صباح الخميس الماضي.

“هيثم ديدح، دنيا هيثم ديدح، خالد علام، خالد طنطاوي” أسماء رددها إمام صلاة الجمعة، الذي أبكى الحاضرين قبل أن ينهي كلماته باكيًا هو الآخر، معلنًا بدء صلاة الغائب على أرواح الضحايا من أبناء قريته: المعماري هيثم ديدح ذو الثلاثين عامًا، وابنته دنيا التي لم يتجاوز عمرها 18 شهراً، وخالد علام، 40 عاماً، أحد أقرباء ديدح وجار عائلته أيضًا، والمهندس خالد طنطاوي ذي الثلاثين ربيعًا.

اتشحت نساء القرية السواد، فيما تجمع رجالها في عزاء موّحد أقاموه على أرواح الضحايا الأربعة وكأنهم أفراد عائلة واحدة، فبدت القرية كما لو كانت بيتاً واحداً فتح أبوابه لاستقبال المعزين من كل صوب.

دخل والدا هيثم في حالة صدمة شديدة، فوالده بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه لاستقبال المعزين، بينما تعيش والدته في حالة إنكار، محاولة التشبث بتصريحات المسؤولين السابقة التي لم تجزم بتحطم الطائرة في اليوم التالي من الحادث، واكتفت بالتأكيد أنها “فقط مفقودة”، على أمل أن تكتشف أن ابنها حي يرزق.

كان هيثم أبًا لطفلتين: دنيا، التي كانت معه على نفس الرحلة، وحنين، 4 سنوات، التي تركها في باريس مع زوجته المغربية لتكمل عامها الدراسي. وصف المعزون هيثم بالرجل الطيب، الذي حمل على عاتقه التكفل بعائلته في فرنسا، وبوالديه في ميت أبو حلاوة. “لو كنتي مصرية وذهبتي إلى فرنسا دون أن يعرفك من قبل، هيثم سيجدك ويأخذك إلى منزله ويخدمك. لم يوجد من هو في مثل “جدعنته” في القرية كلها.. صحيح، ابن موت”، يقول ابن خالته الطبيب الشاب حسن شداد لـ “مدى مصر”.

“صدمت عندما عرفت الخبر، لم يبلغني أحد من عائلتي أو من المسؤولين، اكتشفت الخبر بالصدفة البحتة من فيسبوك، ففيما كنت أتابع منشورات أصدقائي عندما فوجئت بصورة ابن خالتي وابنته مرفقة مع نعي في أحد المنشورات”، يضيف حسن.

حسن، الذي وصف هيثم بالكريم، والمسؤول، والخيّر، والبار بعائلته، حاول السيطرة على مشاعره خلال وصفه لساعات الانتظار التي عاشتها عائلته، وقريته بأكملها، لمعرفة ما إذا كانت الطائرة مختفية، أو تحطمت، لمدة طالت لأكثر من 24 ساعة حاولوا خلالها الوقوف على أرض مشتركة بين تصريحات الرئاسة الفرنسية التي أكدت تحطم الطائرة بعد ساعات من انتشار خبر اختفائها، ووسائل الإعلام اليونانية التي نقلت خبر سقوطها في نفس التوقيت، وتصريحات وزير الطيران المدني المصري الذي التزم باستخدام وصف “الطائرة المفقودة”، معللًا ذلك بأنه لا يستطيع الجزم بسقوطها قبل العثور على حطامها، بالرغم من أنه رجح سقوطها بنسبة أكبر من اختفائها، حسبما قال في مؤتمر صحفي عقده صباح الجمعة الماضي في مقر هيئة الطيران المدني بالقرب من مطار القاهرة حيث توافد أهالي الضحايا.

الدكتور محمد شداد، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بجامعة طنطا، وقريب الفقيد هيثم ديدح: يقول “من الطبيعي أن يحمي الأب أطفاله وقت الخطر، هذه فطرة.. أنا واثق أنه احتضن طفلته في أول لحظة شعر خلالها أنهما في خطر. أحاول أن أمنع نفسي من تخيل أخر لحظات حياته، ولكنني أفشل دائماً، لابد أنه كان مرعوباً”. يبدو شداد نفسه مرعوبا وهو يحاول تخيل لحظات هيثم الأخيرة، وما إذا كانت حياته قد انتهت أثناء سقوط الطائرة من السماء، أم أنه اضطر أن يعيش لحظات رعب إضافية حين اصطدمت الطائرة ببرودة وظلمة مياه المتوسط في الثالثة فجرًا.

يضيف شداد أن الكثير من أبناء قريته غالبًا ما ينتهي بهم الحال بالعمل في فرنسا في مجال البناء أو بيع الخضروات في الأسواق الفرنسية. “على مدار الوقت، أصبحت عادة أن يرسل أهل القرية أبناءهم فور انتهائهم من الدراسة إلى أقاربهم من أهالي القرية الذين سافروا إلى فرنسا منذ عقود طويلة واستقروا هناك، حتى نجحنا في تكوين مجتمع صغير هناك أيضًا. أنا أسافر إلى باريس باستمرار، والكثير من أهل قريتنا البسيطة يفعلون ذلك”. يقول إن هيثم كانت لديه إقامة عمل، وكان يعيش في باريس بشكل قانوني، فقد سافر للعمل في العاصمة الفرنسية منذ 14 عامًا مضت، فور حصوله على الدبلوم، وكان يرجع لزيارة عائلته باستمرار.

بعد الانتهاء من العزاء اليوم، فوجئ حسن ومحمد عندما علما أن زوجة هيثم حامل، وينتظر أن تضع مولودها هذا الشهر. قال حسن لـ “مدى مصر” إنه اكتشف أن هيثم كان قادماً إلى مصر ليترك ابنته “دنيا” في ميت بدر حلاوة لتهتم بها عائلته حتى يستطيع أن يرجع إلى باريس للاهتمام بزوجته ومولودهما الجديد، على أمل الرجوع إلى مصر ثانية قبل شهر رمضان المقبل مع زوجته وابنته حنين ومولودهما الجديد. ولكنه لم يصل إلى القاهرة قط.

وقد منعت سلطات مطار شارل ديجول زوجة هيثم من السفر إلى القاهرة لحضور عزاء زوجها وابنتها، خوفاً على صحتها وصحة مولودها المنتظر.

وفي القاهرة التي حظيت بنصيب الأسد من كاميرات وسائل الإعلام المحلي والعالمي، وحيث استقبلت شركة مصر للطيران أهالي الضحايا في فندق “لو باساج” القريب من المطار، كان شقيق هيثم، أحمد ديدح، ينتظر مع مجموعة من أقارب الركاب وطاقم الطائرة المصرية، ورود أي أخبار مؤكدة بشأن ذويهم. ولكن صبرهم نفذ في ظل تضارب الأخبار، وفشل المسؤولون في إعطائهم أي معلومات أكيدة عن مصير ذويهم، حسبما قال لـ “مدى مصر”.

وائل دياب، أحد أقارب محمد فرج دياب، وهو واحد من ثلاثة أفراد أمن كانوا على متن الطائرة، يقول إن أهالي الضحايا عانوا في الساعات الأولى بعد اختفاء الطائرة، مضيفاً: “كل ما نسأل أي مسؤول يقول ما نعرفش ما نعرفش، الناس أعصابها باظت، خاصًة أن وسائل الإعلام الأوروبية كانت بتؤكد سقوط الطائرة”.

أما والدة محمد دياب، فقد قررت أن تجلس في المطار رافضة تحريك ساكن، لا تبعد عينيها عن شاشة التلفاز التي كانت تنقل لها التصريحات الأوروبية التي تفيد بسقوط الطائرة التي كان على متنها ابنها الأكبر، محمد، 34 عامًا، ولكنها اختارت أن تتمسك بتصريحات وزير الطيران المصري التي لم تؤكد سقوط الطائرة، حسبما أضافت عائلة دياب لـ “مدى مصر”.

“والد محمد لم يره منذ أربعة أعوام نظرًا لظروف عملة بالسعودية، ولكنه كان ينوي النزول إلى مصر في شهر رمضان لرؤية محمد بعد طول انتظار، ومن أجل حضور زفاف ابنته أيضًا، شقيقة محمد الصغرى، ولكنه اضطر للرجوع إلى مصر أمس لأخذ العزاء في ابنه”، يضيف وائل.

تنتظر عائلة محمد إقامة مراسم العزاء الأحد المقبل، آملة أن يتوقف صراخ والده وانتظار والدته بجانب سريره الفارغ في شقتهم بالعباسية، قبل وفود المعزين، وبدون مراسم دفن.

اعلان
 
 
هبة فاروق محفوظ