Define your generation here. Generation What

بعد سجن متظاهري 25 أبريل: المعارضة ليست مظاهرات وبيانات فقط

هذه خلاصة نقاش مع رئيس أحد الأحزاب المحترمة التي ظهرت في الحياة السياسية المصرية بعد ثورة يناير، وعدد من القيادات الرئيسية في هذا الحزب، ولم يكن في نيتي التطرق إلى النقاش كتابةً للنشر، لولا الأحكام القضائية المشددة الصادرة منذ أيام بسجن 151 شابًا من متظاهري يوم 25 أبريل الماضي، لمدد تتراوح بين عامين وخمسة، إضافة إلى الغرامات المالية في حدودها القصوى.

وهي أحكام صدرت في أقل من شهر بين الحدث والنطق بالحكم، وبعد 19 يومًا فقط من القبض على المتظاهرين، في سابقة لم تحدث من قبل إلا في الجنايات فائقة الإثم والترويع كاغتصاب الإناث، أو تلك التي تنذر بعواقب جماهيرية وخيمة على الحكومة، مثل جريمة الدرب الأحمر التي قتل فيها أمينُ شرطة مواطنًا لخلاف على أجرة نقل بضاعة.

وتعني هذه السرعة أن النظام القضائي نظر إلى مظاهرات 25 أبريل نظرته إلى الجنايات فائقة الإثم والترويع، ونظرته إلى الجرائم وخيمة العواقب الجماهيرية، إما حرصا على الاستقرار، أو تحصينا للأوضاع القائمة من عودة الاحتجاجات الجماهيرية للتفشي.

لسنا في مقام الحكم بالخطأ أو الصواب السياسيين -وليس القانونيين- على هذه النظرة لمظاهرات 25 أبريل ولغيرها من مظاهر الاحتجاج السياسي، ولكن ما يشغلنا في هذه السطور هو النتائج التي يجب على المعارضة، أحزابًا وناشطين، استخلاصها من هذه الأحكام، ومن هنا تأتي أهمية الكتابة عن النقاش الذي كنت طرفًا فيه مع قيادات الحزب المشار إليه في بداية الحديث، غير أني لم أذكر اسم الحزب، وبالتالي لم أذكر أسماء القيادات التي تناقشت معها، لا لسبب إلا احترامًا لحقهم في إعلان آرائهم بأنفسهم، بما أنهم هم المسؤولون عنها أمام الرأي العام، وأمام أعضاء حزبهم.

كان سؤالي الذي بدأت به النقاش : “لماذا اختزلتم المعارضة -وبالتالي العمل السياسي- في الاحتجاجات بشقيها، المظاهرات والبيانات؟”، ثم أضفت: “ألستم تعيبون على الحكومة أنها لا تستخدم سوى أداتي الأمن والبيروقراطية (الجهاز الإداري) في إدارة شئون البلاد، لأنها لا تؤمن بالسياسة، ولا ترى لها جدوى؟ الحقيقة أنكم تفعلون الشيء نفسه تقريبًا، فتستمرون في الاحتجاجات، ولا تضعون رؤية سياسية تنظيمية لمعارضة (غير احتجاجية) تسعى للتغيير، إما كبديل منتخب، وإما كقوى ضغط مشروعة لتحفيز النظام على تحسين أدائه باختيار البدائل الأفضل في السياسات وفي المسؤولين”.

هنا يلزم إيضاح الفارق بصورة أجلى بين الاحتجاج الدائم والمعارضة الدائمة، فالاحتجاج الدائم يعني الرفض المطلق والنهائي للنظام القائم، والسعي المستمر لإسقاطه، والمعارضة تعني الاعتراف بشرعية النظام، ورفض ما يستحق الرفض من سياساته، وطرح البدائل له، وحشد التأييد الشعبي لهذه البدائل، ولذلك الرفض.

اتفقت جميع القيادات الحاضرة معي على أن العمل السياسي أوسع كثيرًا من المظاهرات والبيانات، وأشهد أنهم من الأصل كانوا واعين لذلك جيدًا، وأشهد كذلك أنهم تحدثوا عن خطط جاهزة لتفعيل الأدوات الأخرى الكثيرة للعمل السياسي، كالتثقيف والتدريب وتوسيع العضوية وتنمية الموارد وبناء الكوادر والمؤتمرات العامة والمتخصصة والتعاون مع التنظيمات الحزبية والنقابية في مصر والدول العربية والخارج، ونقل الخبرات أفقيًا من هذه التنظيمات ورأسيًا داخل الحزب، وحفظ التوازن بين القاهرة والأقاليم في عقد الفعاليات، وتبني القضايا الجماهيرية التي لا تقل أهمية عن القضايا الشاغلة لنخبة القاهرة، كمشكلة مزارعي القمح هذا العام مع الحكومة، وقضية النقل العام داخل المدن الكبرى، وغيرها.

ولكنهم لفتوا نظري إلى أن هناك سببين خارجين عن إرادة الجميع يجعلان الاحتجاج يتصدر الساحة السياسية، واهتمامات الرأي العام.

أول هذين السببين من صنع الحكومة منفردة، وهو الأزمات المفاجئة التي تحشر الحكومة الجميع فيها، فجأة ودون سابق توقع من أحد، فكيف مثلًا لا يحتج الأطباء ولا تتضامن المعارضة الحزبية ولا يغضب الحقوقيون والناشطون السياسيون غير الحزبيين، مما حدث لأطباء مستشفى المطرية، ومن تقاعس السلطات المسئولة عن معاقبة الجناة؟

ومن هذه الأزمات المفاجئة أيضًا أزمة جزيرتي تيران وصنافير، ففي رأي القيادات التي كنت أتحدث معها، أن الأحزاب المعارضة كانت تالية في الاحتجاج لثورة الرأي العام، وأن أغلب المؤيدين المحترمين للحكومة اعترفوا وما يزالون يعترفون أن الأداء الحكومي في قضية الجزيرتين كان كارثيًا سواء من حيث الإعلان بغتة، واكتشاف الرأي العام أن المحادثات حول الجزيرتين كانت تجري منذ وقت طويل في سرية لا داع لها، والتيقن أن إسرائيل علمت بكل شئ قبل أن يعلم به المصريون، إلى أخر التفاصيل المعروفة، وهنا كانت للاحتجاج ضرورته وفائدته، إذ يفترض أن الحكومة تعلمت الدرس، ولن تبتّ في قضايا رئيسية كهذه دون علم الشعب، كما أن الاحتجاج أثبت لمن يهمه الأمر في الداخل والخارج أن مصر ستبقى، بقرار من شعبها، خارج نطاق خطط تبادل الأراضي أو تعديل الحدود في الشرق الأوسط.

استطرد المتحدثون في سرد الأزمات الكبرى التي تصنعها الحكومة، وتباغت المجتمع بها فتنفجر الاحتجاجات تقليديًا وتطغى على المشهد السياسي، فذكروا طبعًا الأزمة الأخيرة مع نقابة الصحفيين، والأزمة مع المنظمات الحقوقية، وأزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، إلخ.

أما السبب الثاني الخارج أيضًا عن إرادة الجميع، والذي يغلّب أسلوب الاحتجاج بالمظاهرات أو البيانات على سائر أدوات وأساليب العمل السياسي -كما رصده محدثي من قيادات الحزب الذي وصفته آنفا بالمحترم، والذي بزغ بعد ثورة يناير- فهو غلبة المزاج الاحتجاجي على القطاعات المعارضة في الشارع المصري، استمرارًا لزخم ثورة يناير، وفترة حكم جماعة الإخوان وصولًا إلى 30 يونيو 2013، إذ يبدو حسب تحليلهم، أن كثيرين ممن شاركوا في ذلك الحراك ، وممن انضم إليهم من الشباب الذين كانوا أصغر سنًا ترسخ في وعيهم “أو لا وعيهم” أن هذه هي المعارضة، وهذه هي السياسة، وهذا هو طريق التغيير أو تحقيق حلم دولة القانون العادلة اجتماعيًا، والملتزمة حقوقيًا، والمتفتحة سياسيًا.

ويبدو أيضًا أن هذا الاعتقاد الواعي، أو اللا واعي، ليس مقصورًا على الشرائح الأصغر سنًا والأقل تجربة من الشباب، إذ شكا أحد الحاضرين -وهو قيادة مرموقة في نقابته المهنية، وفي الاتحاد العربي الذي يضم نقابته مع النقابات الزميلة في الدول العربية- أنه يبذل جهدًا كبيرًا لإقناع زملائه في المؤسستين (النقابة والاتحاد) بأن الاحتجاج ليس هو الوسيلة الوحيدة للعمل السياسي، وأن الاحتجاج في بعض الأحيان لا يكون هو الأنسب، وأضاف الرجل أن النجاح البطيء الذي يحققه، تأتي الأزمات التي تصدّرها الحكومة إلى المجتمع فتذهب به أدراج الرياح، أو على حد تعبيره الساخر: “ما تجمعه النملة في سنة، يأتي الفيل الغاشم فيحطمه في دقيقة”.

وافقت على كل ما قيل، لكني أضفت أن هذا ليس كل شيء، فالمطلوب الآن من الأحزاب السياسية أن تكثف جهودها، وتطور أساليبها لاجتذاب الشباب المعارض -وهو أغلبية الشباب كما يظهر- إلى عضويتها، إذ أن أهم ما يُستنتج من النقاش السابق، ومن متابعة ما يحدث على شبكات التواصل الاجتماعي، ومن الحراك الأخير في أزمات الأطباء والصحفيين وبينهما تيران وصنافير، أن طاقة الأجيال الشابة لم تخمد، وأن أهم ما بقى من تجربة ثورة يناير هو “تسيس غالبية الشعب”، وفي ضوء خبرة السنوات الخمس الأخيرة فقد أخصبت الأرض لإنتاج حياة حزبية قوية، فإذا لم يحدث ذلك في مدى زمني معقول، أي من عامين إلى خمسة أعوام، فلا شك عندي أن القسط الأكبر من اللوم يقع على الأحزاب وقادتها، ولا مجال هنا للاعتذار بتضييق السلطة وعوار قوانين الانتخابات.

ففي النقطة الأولى لم يمنع تضييق السلطة على الشباب المحتج من المخاطرة بدخول السجن، كما رأينا توًا، كما أن الأحزاب تملك مساحة حركة أكبر كثيرًا من المنظمات الحقوقية مثلًا، والأحزاب لا تتعرض لحملات التشويه والتخوين الممنهج من جانب الإعلام السلطوي، كما يحدث للناشطين الأفراد وللتجمعات الشبابية.

وفي النقطة الثانية كشفت تجربة البرلمان الحالي ذلك العوار في قوانين الانتخابات أسرع مما كان متوقعًا، وعلى الأرجح سيؤدي تعاظم النظرة السلبية إلى الأداء البرلماني إلى جعل تعديل تلك القوانين ضرورة ملحة، ثم أن تعديل هذه القوانين يجب أن يكون المعركة الأهم لكل الأحزاب، وهي لن تخوضها بنجاح إلا إذا صارت أقوى، ولن تصير أقوى إلا بانضمام أعداد كبيرة من الشباب الناشط سياسيًا إليها.

كيف السبيل لجذب هؤلاء الشباب الهائمين في الفضاء السياسي، والمؤمنين بأن الاحتجاج، والتظاهر باﻷخص، هو كل العمل السياسي، أو الواجب السياسي الأول؟

على كل حزب من الأحزاب “المحترمة” في رأيي، أن يصوغ وثيقة تتضمن تحليله للموقف السياسي الراهن، وتحدد ما يتفق وما يختلف فيه مع النظام، وبناء على ذلك تتحدد المطالب، وتتقرر الأهداف، التي تنبثق منها خطط العمل، وليكن مفهومًا أن تعبير “الموقف السياسي الراهن” يعني مجمل الفترة الرئاسية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي التي مضى نصفها تقريبًا.

وكاجتهاد شخصي من جانبي، أقترح أن ينص البند الأول في مثل هذه الوثيقة بوضوح قاطع ولا لبس فيه، على أنه لا مجال للحديث مطلقًا عن إسقاط النظام، ليس فقط لسد ذرائع الاتهام بالتخوين، والتآمر لإسقاط الدولة، ولكن كموقف مبدئي، ينبثق منطقيًا من التحليل الذي طلبنا أن تحتويه الوثيقة، بمعنى الإقرار بأن النظام يتمتع بشعبية كافية، وهذه إحدى المعطيات الرئيسية التي لا يعبر تجاهلها إلا عن حلم يقظة، أو عن تفكير بالأماني، وأيضًا بمعنى أنه لا مصلحة لعموم المصريين في إسقاط النظام، ليس لأن البديل هو الفوضى كما يقال، فالفوضى ليست واردة في مصر حيث الجيش قوى ومتحد، وحيث الشعب غير منقسم إلى طوائف عرقية أو مذهبية أو جغرافية متمايزة، وأخيرًا حيث الدولة العميقة أعمق بكثير مما يُظن، وأعمق كثيرًا من كل من وما هو حولنا، ولكن إسقاط النظام ليس في مصلحة عموم المصريين لأنه يُدخل مصر في دائرة خبيثة من الانقلاب والانقلاب المضاد، دون خطوة واحدة إلى الأمام نحو الديمقراطية والنهضة، كما حذر الراحل العظيم جمال حمدان، ونقلنا عنه منذ بعض الوقت في هذا الموقع.

هنا يجب على الوثيقة الحزبية تقديم البديل للاحتجاج وللدعوة إلى إسقاط النظام، وهذا البديل هو التنظيم السياسي الحزبي بمعناه الشامل، وليس المقصود الحزب صاحب الوثيقة فقط. وقد لا يكون في ذلك جديد جاء بما لم تأت به الأوائل، لكن الجديد الذي نضيفه هو احتواء الوثيقة المقترحة على تحليل واف ومركز لتجارب الثورات الكبرى في العصر الحديث في مصر وغيرها، إذ سيثبت من هذا التحليل، كما أعتقد، أن جميع هذه الثورات بدأت أو انطوت في مراحلها الأولى على احتجاجات جماهيرية واسعة النطاق، ولكن السلطة آلت في النهاية إلى “القوة المنظمة”، سواء التزمت هذه السلطة بأهداف الثورة، أو انحرفت عنها أو خانتها، لعل ذلك يقنع الشباب المتأهب دائمًا للحراك الاحتجاجي بأن التنظيم هو الأكثر فاعلية واﻷطول عمرًا.

حدث ذلك في الثورة الفرنسية وفي الثورة الأمريكية وفي الثورة الروسية، بل وفي ثورة 1919 في مصر، وكذلك في فترة المخاض الثوري السابق على استيلاء الضباط على السلطة في مصر في يوليو عام 1952.

ففي الثورة الفرنسية احتج فقراء باريس، وانضم إليهم فقراء الأقاليم، ولكن السلطة آلت إلى ” الجمعية الوطنية “، التي كانت أصلًا منتخبة لتمثيل الطبقة الثالثة في مجلس طبقات الأمة الملكي.

وبدأت الثورة الأمريكية باحتجاجات عمال الموانئ على ضريبة الشاي الملكية، ولكن من تولي القيادة كان “كونجرس” المستعمرات التي أصبحت بعد الاستقلال ولايات، وكان هذا الكونجرس هو من اختار جورج واشنطن لقيادة حرب التحرير، ورشحه رئيسًا لأمريكا المستقلة فيما بعد.

وفي الثورة الروسية استولى “البولشفيك” المنظمين بقيادة لينين على السلطة التي شارك الجميع في مراحلها الاحتجاجية الأولى.

وفي ثورة 1919، لو لم يكن هناك التنظيم الوفدي لما أثمرت الثورة ما أثمرته من نتائج كإلغاء الحماية البريطانية، ووضع دستور 1923، ورغم أن قائد الثورة سعد زغلول لم ينل السلطة إلا لمدة ستة أشهر، إلا أنه بقى المرجع الأكبر في السياسة المصرية حتى وفاته.

الخلاصة في هذه النقطة هي أنه مطلوب من الأحزاب أن تجهد نفسها وكوادرها في اﻹقناع بمركزية عنصر التنظيم في أي عمل سياسي، وقبل التظاهر والاحتجاج، ومعهما وبعدهما، سواء في النظم الديكتاتورية أو الديمقراطية، إلا أنه في الحالة الأخيرة شرط وجود وعدم، ما دامت الانتخابات هي وسيلة الديمقراطية إلى السلطة أو المعارضة الشرعية.

ليس من حقي هنا أن أورد إجابات محدثيَّ على مقترحاتي وأفكاري، فذلك متروك لهم، وإنما أكتفي بالقول إن الجميع اتفقوا على أهمية التنظيم.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد