Define your generation here. Generation What

عن نظرة رجال الدين المسيحي للمرأة: اللحم الرخيص في الكنيسة

يجلس شريف أمام قناة دريم ليشاهد برنامج “العاشرة مساءً” حيث تناقش حلقة اليوم بيانات أطلقتها كنائس قبطية تهدد بالامتناع عن إتمام مراسم الزواج في حال ارتداء العروس أو الحضور زيًا “غير محتشم”. يعتري وجه شريف اهتمام شديد، ومع احتدام النقاش بين ضيوف الحلقة يختطف الهاتف ليجري اتصالًا بالبرنامج. يدخل على الهواء مباشرة ويقول إنه يعمل مصور أفراح بالكنيسة منذ عام 1984 وإنه رأى “عجب العجاب”، ويضيف أن السيدات المسيحيات يتسابقن في العري، فيجلسن في المقدمة أثناء صلاة الإكليل وهن “حاطين رجل على رجل” ولا يستتر منهن سوى الشبر الأخير من أجسادهن. وقبل أن ينهي مداخلته، يلوح بتهديد شديد اللهجة لمن عارضه من الحاضرين قائلًا: “أنا عندي الإثبات بس ماقدرش أنشره علشان محدش يقاضيني”.

المتلصص

تثير هذه المداخلة عدداً من التساؤلات المُخيفة حول ما إن كانت شخصية هذا المتصل حقيقة ومعروفة لدى الكنائس كما ادعى بالمداخلة، وكيف لشخص محترف كهذا أن يتحول من امتهان التصوير لامتهان التلصص، عبر تصوير سيقان وأفخاذ النساء، بل والاحتفاظ بنسخ منها والتهديد باستعمالها؟ كيف لنا بعد ذلك الوثوق بأن المصور الذي ندعوه لأفراحنا لن يتجه إلى تصوير سيقان وصدور وأفخاذ نسائنا ويحتفظ بها ليدعم روايته أمام الإبراشي؟ كيف نأمن على خصوصية أسرنا بعد الآن؟

ولكن الأكثر إرعابًا هو كون هذه السلوكيات أو الأفكار مرتبطة بهواجس ذات نزعة دينية. أعلم أن هناك بعض الأفراد المتأثرين بالثقافة الذكورية والأفكار الرجعية المتجذرة في المجتمع تجاه المرأة، ولكن الكارثة الحقيقية أن تتسرب تلك الثقافة للمؤسسة الدينية، وتصير هناك مساع لإكسابها الصبغة الدينية بنصوص وآيات الكتاب المقدس.

الموقوف

الغريب أن مداخلة المتصل المتلصص كانت في حضور رجل الدين المسيحي القس شنودة منصور، وأن اﻷخير لم ينهر أو يوبخ هذا الشخص الذي لم تمنعه أخلاق أو قيم أو تعاليم المسيحية من أن يرفع في وجه الجميع تهديدًا بالصور التي تثبت وجهة نظره، والذي خشى مقاضاته أمام المحاكم ولم يخش خطيئة التشهير بالآخرين. لم يخبره القس مثلًا بتعاليم السيد المسيح التي وردت بالإصحاح السادس من إنجيل لوقا: “لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَوْ كَيْفَ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ لأَخِيكَ: يَا أَخِي، دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِكَ، وَأَنْتَ لاَ تَنْظُرُ الْخَشَبَةَ الَّتِي فِي عَيْنِكَ؟ يَا مُرَائِي! أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ”. بل على العكس تمامًا، رأيت لذّة ونشوة خاصة في عين القس بعد أي مداخلة تنتصر لتوجهه السقيم، ما أثار لديّ العديد من المخاوف من كون هذه التوجهات والآراء لا تمثل حالة فردية، بل تمتد لقطاع من رجال الدين.

في نفس الأسبوع أصدر قداسة البابا تواضروس الثاني قرارًا بوقف ذلك القس وإحالته للتحقيق نتيجة للجدل الذي ثار بالأوساط القبطية عقب الحلقة التي ظهر فيها مناصرًا للمتلصص. ولاقي هذا القرار قبولًا بالأوساط القبطية بعد أن شعر قطاع عريض من المسيحيين بالمهانة الشديدة، نتيجة إثارة المشكلة بهذه الطريقة ولصدور هذه الأفكار التي اعتُبرت شديدة التطرف ضد المرأة المسيحية. ولكن يبقي التساؤل الأهم: “هل تتوقف خطورة أفكار القس الموقوف عند قضية (الحشمة) أم أنها تمتد لتثير تساؤلات أبعد من ذلك بكثير”؟

لاحظت أثناء متابعة الحلقة محاولات مستديمة لإلباس الحق بالباطل، فشاهدت رجل الدين أمامي يستخدم تفسيرات ملتوية لبعض نصوص من رسائل بولس الرسول والكتاب المقدس، التي كانت لها سياقات وأبعاد تاريخية لا يمكن فصلها عن النص. فعلى سبيل المثال، تحولت آية: “ويل لذلك اﻹنسان الذي به تأتي العثرة”، إلى وسيلة إدانة للأنثى وحدها، فافتُرض أن ملابسها غير المحتشمة ستُعثّر الذكور وتوقعهم في الخطيئة. بل وجه القس اللوم لعموم الإناث قائلًا: “نفسي أعرف إيه الحكمة في اللبس الغير محتشم؛ هل عندك قصور؟ هل عاوزة تظهري جمالك؟ ” وكأن الجمال الذي هو بالأساس من صنع الله، صار خطيئة يجب إخفاؤها. وهل بالأساس توجد حدود واضحة وفاصلة بين الاحتشام وعدم الاحتشام؟ وهل أن ما يثير مينا، يثير جرجس وبطرس وأحمد وعلى ومصطفي؟

والغريب أيضًا هو التطبيق أحادي الاتجاه للنص الديني، فرغم أن المسيح وجّه الويل للمتسبب في العثرة بشكل مطلق، إلا أن القس صبَّ الويلات على المرأة وحدها، ما يطرح، وفق نفس المنطق، تساؤلًا مهمًا، فهل الأنثى تثير الذكر بينما لا يثير الذكرُ الأنثى؟ ولماذا لا نضع في اعتبارنا أن تسريحة شعر الذكر أو لون قميصه أو استايل لحيته أو العطر الذي يضعه مثلاً قد يكون عنصر إثارة للأنثى؟ وبالتالي وجب أن نطبق مفهوم الاحتشام على الذكور أيضًا؟ مما يفتح الجدل حول نظرة العديد من رجال الدين المسيحي للأنثى في مصر، وهل يقتصر الأمر على القس الموقوف أم يمتد لرجال دين آخرين؟

حالة فردية أم ثقافة سائدة؟

لم يكن القس شنودة منصور هو الوحيد من بين رجال الدين المسيحي الذين سبق وأن نشروا أفكارًا رجعية ضد المرأة. فعلى سبيل المثل لا الحصر، أذكر أنني شاركت في مظاهرة عام 2012 على سلالم المقر البابوي عقب صدور بعض التصريحات المشابهة من الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس السابق وأستاذ علم اللاهوت بالكلية الإكليريكية، والتي طالب فيها المرأة المسيحية بالاحتشام والاقتداء بمثيلاتهن من المسلمات المُحجبات، ما أثار حفيظة الكثيرين، ودفع بعضهم لتنظيم وقفة احتجاجية مطالبين باحترام المرأة المسيحية وتقديم الاعتذار لها، ما دفعه بدوره لإصدار بيان اعتذار عاجل في نفس الأسبوع. ولكن هل كانت تصريحات الأنبا بيشوي في عام 2012 مغازلة لتيارات الإسلام السياسي آنذاك، أم أن الرجل يتسم بالفعل بميول محافظة؟

في أغسطس من عام 2014 عاد مرة أخرى الجدل حول الاحتشام، بعد أن رفع عدد من حضور العظة الأسبوعية للبابا تواضروس شعارات “لا للفتاوي السلفية داخل الكنيسة” وذلك عقب تداول منشور بكنائس دمياط، مستند لتعليمات اﻷنبا بيشوي، يمنع وضع المكياج وارتداء البنطلون والبلوزة أثناء التقدم لسر التناول، للإناث فوق سن 11 سنة (آه، والله 11 سنة!) الأمر الذي يوضح حقيقة توجهات وآراء نيافته ونظرته شديدة الضيق تجاه المرأة حتى في طفولتها، فقد رأى أن على الطفلة الامتناع عن ارتداء البنطلون والبلوزة من سن 11 سنة، والالتزام بالاحتشام والوقار! ولا أحد يخبرنا ما هي حدود الاحتشام أو الوقار بشكلٍ واضح وقاطع، فيُترك الأمر لتقدير رجل الدين بخلفيته الثقافية والاجتماعية، ما يترتب عليه مشكلات جّمة، خاصة في الصعيد والمناطق الأكثر فقرًا.

ابن الطاعة واللحم المكشوف

“ابن الطاعة تحل عليه البركة”، هو أحد أهم المبادئ التي اعتمدتها الكنيسة لترسيخ أغلب المعتقدات والتعاليم القبطية منذ قرون. ولكن في كثير من الأحيان يصير هذا المبدأ مدخلًا للتسلط والسيطرة، فحين يعجز أحد رجال الدين عن إقناعك بالمنطق، يكون المخرج الأسهل: “لا تجادل ولا تناقش يا أخ بطرس، وإلا وقعت في المحظور”. يستمد هذا المبدأ جزءًا كبيرًا من قوته بالطبع من سلطان الحل والعقد الذي منحه الله لرجال الدين، بحسب الإيمان القبطي. وفي الحقيقة فإن قضية “ابن الطاعة” تمتد لأبعاد لا تمكن اﻹحاطة بها في جزء من مقال، ولكن تمكن الإشارة لمردودها على الجدل حول الاحتشام. فحينما لا يستطيع رجل الدين أن يجد منطقًا في منع طفلة تبلغ أحد عشر عاماً من ارتداء بنطلون، سيلجأ بالتأكيد لقاعدة الطاعة، وهو ما حدث في منشور الأنبا بيشوي. كما وجَّه القس الموقوف تهديدًا مستترًا عبر ترديده: “ربنا قال اعزلوا الخبيث من بينكم”، وأردف: “البنت ريقنا نشف معاها. نقولها يا ماما كده عيب، ومابتسمعش الكلام، في الآخر نعمل إيه؟ هانحرمها طبعًا”، فإن لم تطع لن تحل عليك البركات، وإن تماديت فسيجري حرمانك، حتى لو كان الأمر خارجًا عن حدود المنطق.

ولكن ماذا عن مدي تأثير تلك القاعدة على بعض المسيحيين؟

في الحلقة إياها استمعت لمداخلة سيدة تصرخ في قمة الغضب: “هو ينفع نقف قدام الكنيسة لما تحمي لحمها؟”، وهاجمت الضيوف المعارضين بدعوى أنهم يعبرون عن أنفسهم فقط، واعتبرت نفسها صوت جموع المسيحيين المؤيدين لآراء اﻵباء الكهنة. حاول الإعلامي وائل اﻹبراشي قطع سيل الجمل غير الواضحة وغير المرتبة للمتصلة، فسألها إن كانت ترى أن هناك تسيبًا في الملابس، فجاءت الإجابة صادمة: “يا أستاذ وائل انت ماترضاش على ابنك إنه يكون واقف ويفاجئ بكمية بنات داخله، فعلًا تستحي العين إنها ترفعها فيهم”. ولا أجد مبررًا لعدم رضا الإبراشي أو غيره برؤية ابنه في الأعياد أو الأفراح لبنات المسيحيين في الكنيسة، إلا لو كانوا هايعضوه مثلًا! ثم استطردت السيدة قائلة:”انتو ازاي بتدافعوا عن اللحم الرخيص والعريان؟”

تمثل هذه السيدة مؤشرًا حقيقيًا على خطورة نوع الطاعة التي يبتغيها بعض رجال الدين، والتي جعلت امرأة تري في بنات جنسها لحمًا مكشوفًا عاريًا ورخيصًا معروضًا أمام كل من هب ودب منتظرًا من ينهشه، لمجرد أن البنات اخترن ارتداء ما لم يلق استحسان أبونا، الذي لم ينهر السيدة أو يوبخها على كلمات أجرمت بها في حق نفسها كأنثى أولًا، وفي حق جموع المسيحيين ثانيًا، عبر اتباعها قاعدة “ابن الطاعة” الذهبية، ومطالبتها الجميع بتطبيقها.

***

يكشف الجدل حول الاحتشام عن خلل ضخم في نظرة عدد من رجال الدين المسيحي للمرأة، فالقس شنودة منصور لا يمثل حالة منفردة، بل تمتد الأزمة للأساقفة ولمختلف الكنائس القبطية، ما يستوجب إعادة النظر في منظومة إعداد وتأهيل وتثقيف الخدّام والكهنة التي تعاني من مشاكل جّمة بالفعل، فلم يعد كافيًا أن يحفظ الكاهن عددًا معينًا من الألحان أو أن يقضي فترة معينة كخادم، وإنما لابد أيضًا أن نتحلى بالشجاعة الكافية لطرح إشكالية إعادة قراءة التراث القبطي، وما علق به خلال التاريخ الطويل من الاحتلال والعنف والتمييز القائم على الدين الذي حوّل بعض العادات لجزء من الإيمان. لابد أن توضع خطوطٌ فاصلة بين الإيمان المسيحي والهوية القبطية المصرية، وأن تعاد مناقشة العديد من القضايا الجدلية بعقل مستنير وذهن منفتح، لا من منطلق “الفرقة الناجية” بل من منطلق البحث عن الحقيقة، وقد يكون ذلك محوراً لكتابات قادمة.

اعلان