Define your generation here. Generation What

سوريا: هل كانت الثورة مؤامرة؟

“أمرتنا عناصر السلطة بالتقدم نحو الخندق العميق الذي يمتد أمامنا إلى مسافة طويلة… وعندما تقدمت إلى موقعي رأيت الجثث المتراكمة على بعضها يلطخها الدم الحار، وكان مشهدًا رهيبًا لم أستطع تحمله… ثم حدث ما كان متوقعًا وانهال علينا الرصاص الغزير، وهوى الجميع إلى الخنادق مضرجين بدمائهم”.. من شهادة لأحد الناجين من مجزرة حماة 1982، “تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان”.

في الثاني من فبراير عام 1982 حاصرت فرقٌ من الجيش السوري بقيادة رفعت الأسد مدينة حماة، ولأربعة أيام تالية واصلت قذائف المدفعية والصواريخ دكَّ المدينة، بعدها اجتاحتها جيوش الأسد وقامت بمذبحة مشهودة، سقط أغلب ضحاياها في عمليات إعدام جماعية رميًا بالرصاص، وأهيل عليهم التراب في حفر جماعية. وحسب توماس فريدمان، في كتابه “من بيروت إلى القدس”، أن رفعت الأسد تباهى أمامه بقتل 30 ألف شخص في حماة، أما تقدير اللجنة السورية لحقوق الإنسان فكان أن عدد ضحايا المذبحة يقترب من الـ 40 ألف ضحية.

تاريخ من الجريمة:

ببساطة ودون رتوش، لم يكن القصف الوحشي الأخير لحلب، هو أول ولا آخر جرائم نظام الأسد (الأب والابن) في سوريا، فقد مرت خمسة وأربعون عامًا من القمع الدموي والتنكيل والمذابح، في ظل نظام طائفي بامتياز، قائم على تمييز أقلية دينية هي الطائفة العلوية، وعلى سيطرة مطلقة لعشيرة واحدة ضمنها هي أسرة الأسد. وربما لم يوجد من يضاهي الأب في استبداده سوى صدام حسين، وكيم جونج إيل، ناهيك عن دأب الخطاب الرسمي على تقديمه في صورة تشبه “الأخ الأكبر” في رواية جورج أورويل 1984، “حاضرٌ في كل مكان، عالمٌ بكل شيء”، كما تقتبس عن حق الكاتبة الأمريكية ليزا وادين في كتابها “السيطرة الغامضة”، وكما سيتذكر بالتأكيد كل من زار سوريا، حيث تواجه المرء صوره في كل مكان وأينما تلفتَّ.

اعتاد النظام على إضفاء هالة من القداسة على حافظ الأسد، فهو “الرفيق” و”الأب” و”المناضل” و”القائد إلى الأبد” و”المعلم الأول” و”منقذ لبنان” و”الفارس الشهم”، بل وحتى أحيانًا “الطالب الأول”! ولم يكن مسموحَا بإقامة احتفال من أي نوع، حتى الموالد الدينية الشعبية والاحتفالات الخاصة، دون الاشتمال على فقرات تمتدحه بكلمات أو أغاني أو إنشاد ديني أو إلقاء شعري. وعندما اضطروا مرة لأسباب هندسية إلى إزالة جدارية عليها صورته، كان لابد من الاصطفاف أمامها، وإلقاء التحية العسكرية لها، ثم استئذانها وإخبارها بالأسباب التي تضطرهم لذلك، ﻷنهم كانوا في حاجة لتبرير هذا أمام العابرين في الشارع! ويُروى أن مسؤولًا حزبيًا ومديرًا في إحدى الوزارات نزع صورة لحافظ، وضعها مرؤوسوه على حاجز زجاجي يفصل بينه وبينهم، لمنعه من رؤيتهم أثناء العمل، وعلّقها في موقع آخر، فأبلغت عنه إحدى الموظفات، وانتهى الأمر باعتقاله لـ18 شهرًا، ولولا توسلات زملائه في الحزب لما أُفرج عنه.

وقد حكى لي مرة رفيق من اليسار الثوري السوري، أن الشرطة السورية أوقفت أحد الرفاق صدفة في حادث عارض، وبتفتيشه وجدوا معه نسخة من بيان سياسي ضد النظام، فاعتُقل لـ12 عامًا. وفي سجن تدمر العسكري الصحراوي “الموت أرحم من الحياة”، على حد تعبير أحد الناجين منه في برنامج تليفزيوني. فالسجن مصمم، حسب تقرير العفو الدولية: “ﻹنزال أكبر قدر من المعاناة والإذلال والخوف بالنزلاء”، وبحسب سجين تدمر، مكتوب فوق بوابته شعار: “الداخل مفقود، والخارج مولود”! بينما يستقبل سجانوه القادمين الجدد بعبارة: “حافظ الأسد منع في هذا السجن وجود الله، نحن الله، نحن نحييكم ونحن نميتكم”! وبعد محاولة فاشلة لاغتياله عام 1980، وصلت إلى السجن فرقة من ضباط الكوماندوز واقتحموا عددًا كبيرا من الزنازين، ثم أعدموا كل من فيها رميًا بالرصاص، وقد وصل عدد القتلى يومها إلى ألف سجين أعزل، حسب تقرير للهيومان رايتس.

ولم يختلف الابن عن الأب، وإن كان أقل شأنًا وأكثر خفة، فقد ظل الاستبداد والطائفية والقمع الدموي عنوانًا لحكمه طوال سنوات ما قبل الثورة، اللهم إلا انفراجة محدودة لبضعة أشهر صاحبت تتويجه. هذا هو النظام الذي يطنطن له كثيرون في مصر اليوم، بوصفه رصيدًا للمقاومة ومشروعًا للحداثة في مواجهة التكفيريين! ولا يهم هنا بالطبع ما يردده أمثال الكوميديان التافه الذي سخر من ضحايا حلب، ومن على شاكلته. إنما يستوجب الاهتمام ما يتعلق بمواقف بعض الكتاب ومحترفي السياسة ممن يصنفون أنفسهم ضمن عناوين “اليسارية” و”الوطنية”، الذين اصطفوا وراء الثورة المضادة في مصر، على الأقل وقت صعودها منذ عامين، ولا يزالون يناصرون سفّاح سوريا ونظامه.

“مؤامرة” الثورة:

يعتبِر مناصرو الأسد هؤلاء أن الثورة في سوريا مجرد مؤامرة دبرتها أجهزة مخابرات الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية! لماذا؟ حتى يتسنى لهم إسقاط نظامه، وبالتالي إضعاف الحلف الإيراني الروسي والمقاومة اللبنانية.

ولا شك أن إقصاء الأسد وإضعاف إيران وحزب الله أهداف استراتيجية محسومة لدى السعودية وإسرائيل، مدعومتين من الغرب. إلا أن فرض نظرية المؤامرة على منطق الأحداث، واختزال الثورة السورية في انعكاساتها على الصراع الإقليمي، وغض الطرف عن المذابح المروعة التي قام ويقوم بها نظام الأسد لسحق الثورة، هو تدليس بَّين وتحريف للحقائق مثير للريبة.

هم يتجاهلون عن عمد وقائع وحقائق ما جرى، فقد بدأ الأمر باعتقال 15 طفلًا يوم 26 فبراير 2011 في مدينة درعا، لأنهم كتبوا فوق جدار مدرستهم شعارات مناهضة للنظام. تاريخ ذلك اليوم واضح الدلالة ويشرح نفسه، فقد حدث هذا في ظل حالة من النشوة العارمة صاحبت صعود الربيع العربي، وقبل مرور ثلاثة أسابيع على سقوط مبارك، وستة على هروب بن علي. هناك بالطبع ثلة ضمن محترفي السياسة “اليساريين” المشار إليهم يروجون لادعاء أن الربيع العربي كله “مؤامرة”! إلا أنهم عمومًا أقلية بلا شأن وسط من يدور الحديث عنهم.

تعرض الـ15 طفلًا إلى تعذيب مروع، وصل لخلع أظافرهم، والتنكيل بأهاليهم، ما أطلق مشاعر الغضب، وأسفر عن بعض التجمهرات. وفي ظل الحماسة المتصاعدة والآمال الواعدة، خرجت في درعا مظاهرة كبيرة يوم الجمعة 18 مارس تطالب بالإفراج عن الأطفال، واجهتها قوات الأمن بالرصاص الحي وسقط أربعة شهداء. وظلت جنازات الشهداء تخرج في درعا طوال الأيام التالية، فتواجَه بالرصاص الحي ويسقط شهداء جدد، فتحتشد لهم جنازات أكبر، وهكذا دواليك حتى الجمعة التالية 25 مارس حيث خرجت المظاهرات في العديد من المدن السورية مطالبة بسقوط النظام.

استمر الأمن يواجه المظاهرات بالرصاص الحي، وتوسع الأمر بنزول عصابات “الشبيحة”، الذين كانوا يطلقون النار بشكل عشوائي على المتظاهرين والمارة. كما استمرت جنازات الشهداء في جلب المزيد من الحشود حتى 1 أبريل، حيث انطلقت مظاهرات عارمة في كل ربوع سوريا. وبعدها لم يخل يومٌ من المظاهرات السلمية، وسقوط الشهداء بأعداد متزايدة. وفي 25 أبريل بدأ الجيش السوري في نشر دباباته وحصار مدن مثل درعا، ريف دمشق، حمص، بانياس، حلب، حماة، اللاذقية، القامشلي، الخ. وخلال الأيام والأسابيع التالية شهدت تلك المدن سلسلة من المجازر. وفي 20 مايو خرجت مظاهرات حاشدة تطالب بفك الحصار عن المدن المحاصرة، وأُحرق عدد من مقرات البعث، مع صور بشار ونصر الله. كما تواترت الأخبار عن انقسامات داخل الجيش، وإعدام جنود وضباط رفضوا المشاركة في المذابح.

وابتداء من 24 يونيو صارت المظاهرات السلمية تحشد مئات الآلاف، ثم الملايين، ويسقط خلالها آلاف الشهداء. وشهدت الأسابيع التالية حصار المزيد من المدن، وقيام الجيش بقصف عشوائي متواصل لجميع المدن المحاصرة، ولكن في 29 يوليو أعلن عددٌ من الضباط المنشقين، الرافضين للمذابح، عن تأسيس الجيش السوري الحر. ورغم استمرار الحركة الشعبية السلمية لشهور بعد ذلك، إلا أن دموية النظام وعنفه المبالغ فيه دفعا الأمور إلى حيث لا رجعة.

في 16 نوفمبر شن الجيش السوري الحر أول هجوم له على مقر المخابرات الجوية السورية، وهكذا توارت الحركة الشعبية السلمية، وبدأت الحرب الأهلية، وتوالى ظهور التنظيمات المسلحة. فتأسست جبهة النصرة وحركة أحرار الشام خلال الأسابيع الأخيرة من 2011، وشهدت الشهور التالية قيام العديد من الجماعات المسلحة الأخرى. وفي 2013 تأسست قوات حماية الشعب الكردية، وفي 2014 دخلت داعش إلى سوريا.

الأسد هو المسؤول عن الدم والخراب:

لا شك أن الدعم والتمويل السعودي التركي، المدعوم من إسرائيل والغرب، لعب دورًا محوريًا في تأسيس وتقوية التنظيمات المسلحة المناهضة للأسد، مثلما لعب الدعم والتمويل الروسي الإيراني، والمشاركة المسلحة لحزب الله، دورًا محوريًا أيضًا في الحفاظ على النظام وضمان استمرار سطوته. ولا شك كذلك أن الحرب الأهلية اتخذت منذ الوهلة الأولى منحى طائفيًا، ومورست داخلها عمليات تطهير عرقي دموية من قِبَل الجميع. ولا شك أخيرًا أن داعش والنصرة تنظيمات إجرامية، تفوق في طائفيتها ورجعيتها ودمويتها ومستويات إجرامها كل أشباهها من الحركات العنصرية المسلحة في التاريخ المعاصر، ولا بديل عن مواجهتها وتصفيتها.

لقد روعتنا جميعًا صور مقاتلي النصرة وهم يدهسون بأقدامهم جثث النساء من ضحايا قرية الزارة ذات اﻷغلبية العلوية، الواقعة في غرب سوريا، منذ بضعة أيام. وحسب المرصد السوري لحقوق اﻹنسان، فقد قتل مقاتلو النصرة “19 مدنيًا على اﻷقل، جلّهم من النساء واﻷطفال من الطائفة العلوية”، بعد استيلائهم على المدينة يوم الخميس الماضي. ولا لبس أن هذا النوع من المذابح الطائفية هو سمة أصيلة ﻷداء داعش والنصرة وأشباههما في سوريا، تجسد الطبيعة الطائفية الدموية لتلك التنظيمات. وبالقطع لن ينجح الشعب السوري في تحقيق خلاصه، وإنقاذ سوريا، دون القضاء الكامل على تلك الحركات.

ولكن ذلك كله لا يعني أن دعم نظام الأسد هو الطريق لإنقاذ سوريا. فالطائفية المذهبية والعرقية، التي تحرق سوريا اليوم، هي صنيعته، وهو من فرضها منذ البدء نمطًا لإدارة الأمور، وكرّس الحكم المطلق للأقلية، وانتهى بتأجيج نيرانها حتى صارت حريقًا. وهو من أدخل كل “زناة الليل” –بحد تعبير الشاعر مظفر النواب- إلى البيت السوري، ليقطعوا أوصاله، حفاظًا على سطوة ونهب أسرة وعشيرة فاسدة ومتجبرة. والأهم من كل ذلك أنه المسؤول الرئيسي والمباشر عن كل الدم والخراب.

أكثر من 95% من الضحايا المدنيين في سوريا، الذين سقطوا طوال السنوات الخمسة الماضية، حسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتلوا على يد النظام وشبّيحته وحلفائه. ويصل عدد ضحاياه المسجلين خلال تلك السنوات إلى 185 ألف قتيل. كما أن اﻷسد هو المسؤول الرئيسي عن الدمار الذي حدث للمدن السورية، التي لم يتورع عن قصفها لأسابيع وشهور متصلة، ناهيك عن قصف طائرات حلفائه لها. إن كل مشاهد العنف المروع على أيدي داعش والنصرة، التي يبثونها متعمّدين إرهابنا وترويعنا، ما يكشف عن حقارتهم ودمويتهم، لا تساوي شيئًا أمام ما تقوم به عصابات الأسد.

خدعة “الممانعة”:

أما أكثر الأمور ابتذالًا في دفاع مناصري الأسد، فهو وصفه بالطرف المقاوم والمناوئ لإسرائيل. لا ينسى هؤلاء فقط أن سوريا لم تطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل منذ حرب 1973، وإنما ينسون أيضًا أن مفاوضات للسلام على خطى كامب دايفيد، بدأت بين سوريا وإسرائيل في مؤتمر مدريد عام 1992. ومنذ ذلك التاريخ صار اللقب الرئيسي لحافظ الأسد في الإعلام السوري، “رمز السلام” و”بطل الحرب والسلام”، وصار الشعار الرئيسي للخطاب الرسمي هو: “السلام خيار استراتيجي”، بدلًا من شعار: “حرب وجود لا حرب حدود”.

وعلى مدار جولات التفاوض بين سوريا وإسرائيل، التي امتدت لسنوات، تنازلت الأولى عن خطوط حمراء لم تقبلها مصر في كامب دايفيد. يروي بيل كلينتون في مذكراته “حياتي” أن سوريا وافقت على احتفاظ إسرائيل بشريط حدودي من الجولان، يضمن لها استمرار سيطرتها على بحيرة طبرية. بينما أكد نتَنياهو في حديث مع راديو إسرائيل، نشرته معاريف عام 2007، أن حافظ وافق عام 1996 على التنازل عن جبل الشيخ. أما تنازلات بشار فكانت على مستوى آخر، ففي 2015 نشرت النيويوركر حديثًا مع جون كيري وزير الخارجية الأمريكي أعلن فيه أن بشار أبدى استعداده عام 2010 لعقد اتفاق سلام والاعتراف بإسرائيل قبل عودة الجولان، في مقابل دعم اقتصادي أمريكي، وكتب له رسالة بذلك. باختصار، لولا تعنت إسرائيل، لكان علمُها مرفوعًا في دمشق منذ سنوات.

كما ينسى مناصرو الأسد عن عمد أن نظامه هو المسؤول الرئيسي عن تصفية المقاومة الفلسطينية في لبنان، بتنسيق كامل مع إسرائيل وحزب الكتائب. فبعد عام واحد من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت في أبريل 1975، حقق تحالف الحركة التقدمية والمقاومة الفلسطينية انتصارات كبيرة على الأرض، ونجح في السيطرة على أكثر من 80% من أراضي لبنان ضد قوات الكتائب المدعومة من الغرب والخليج وإسرائيل ومصر وسوريا. ساعتها اجتاحت جيوش الأسد لبنان لكسر المقاومة، وبعد ساعات من الاجتياح أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عن ارتياحه! وبعد أسبوع واحد، وفي يونيو 1976، حاصر الجيش السوري والكتائب مخيم تل الزعتر، وواصلا قصفهما له لشهرين بشكل متواصل وقطعا عنه الكهرباء والماء وكل سبل الحصول على طعام. يروي صلاح خلف (أبو إياد) في كتابه “فلسطيني بلا هوية”، أن أهالي المخيم طلبوا فتوى من علماء المسلمين لأكل جثث الشهداء، حتى لا يموتوا جوعًا! وفي 14 أغسطس اجتاح الجيش السوري والكتائب المخيم، وجرت مذبحة تل الزعتر المشهودة والتي سقط فيها أكثر من 3000 قتيل. ويؤكد المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية إسرائيل شاحاك في كتابه “كشف الأسرار” أن الاجتياح السوري ومذبحة تل الزعتر تما بتنسيق كامل مع إسرائيل.

***

إن تعريف نظام الأسد بـ”التقدمية”، أو “الممانعة”، أو “الحداثة، إلى آخر تلك التعابير الممجوجة هو “مسخرة”، وهي أكثر الكلمات تهذيبًا التي يمكن وصف تلك الفكرة بها.

لقد انتهى وإلى الأبد مشروع دولة التحرر الوطني الشمولية، الذي بدأ انهياره هنا عام 1967 مع انكشاف عوراته. ورغم اندثار هذا النموذج خلال الثمانينيات والتسعينيات من الدول في مواقع عدة في العالم، مثل جنوب شرق أسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، إلا أنه استمر في عالمنا العربي لعقدين تاليين بسبب كثير من العوامل الجغرافية والسياسية والعرقية، إضافة للمصالح المرتبطة بخزان النفط المهول. لكننا اليوم نشهد احتضاره، بما يحمله ذلك من مرارات وآلام، وما يحمله أيضًا من وعود وأحلام. ويحاول البعض، بدوافع صادقة في بعض الحالات وانتهازية في أغلبها، استعادة مشهد الستينيات وإحياء الموتى، كسبيل وحيد من وجهة نظرهم للحيلولة دون وصول الجهادية الرجعية الطائفية إلى السلطة.

هؤلاء هم من يناصرون الأسد، ويتهمون من يهاجمونهم بـ”المزايدة”. كما حدث منذ أسبوعين عندما انطلقت حملة تضامن كبيرة على صفحات التواصل الاجتماعي ضد قصفه الوحشي لحلب، ثم أدلب. والحقيقة أنهم هم المتواطئون مع الرجعية الجهادية، ويسمحون لها بالتوسع والحصول على المزيد من الدعم والتأييد، بسبب إصرارهم ألا بديل عنها سوى الديكتاتوريات العسكرية الدموية الغاشمة الفاشلة، الأكثر رجعية وطائفية. وكأنهم لا يعقلون!

لسنا مضطرين للاختيار بين الأسد وداعش أو النصرة. في مقدورنا الوقوف بوضوح ضد الاثنين. والحقيقة أن الأمر لا يقتصر على بديل ثالث وفقط، فالواقع مُحمَّلٌ بالعديد من البدائل. إلا أن من يناضل من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة، عليه الانحياز للثورة وحركة الجماهير وإرادة الشعوب.

اعلان