Define your generation here. Generation What

الدولة وشبه الدولة وأشلاء الدولة

يُحكى عن الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول – الذي أنقذ بلاده مرتين على الأقل بحق وحقيقة – أن سؤاله الأول عندما دخل باريس محررًا في نهاية الحرب العالمية الثانية كان: “كيف حال التعليم والقضاء؟” فأجابه مستقبلوه: “إنهما بخير”، فكان رده: “إذن لم تسقط فرنسا، وكل ما ضاع تمكن استعادته، واﻹضافة إليه بسهولة”.

أي أن فرنسا لم تتحول إلى شبه دولة، ولم تتمزق إلى أشلاء دولة مادام النظامان التعليمي والقضائي لم ينهارا ولم يفسدا.

لمن لا يعلمون تفاصيل الوضع الذي سأل عنه ديجول هذا السؤال منذ أكثر من سبعين عامًا، فإن فرنسا التي عاد إليها كانت قد أمضت أربع سنوات تحت احتلال النازية الألمانية بكل قسوتها وكراهيتها للآخرين، وانقسمت على نفسها سياسيًا بين حكومة مهادنة للاحتلال، وحكومة في المنفى يقودها ديجول نفسه تحت اسم فرنسا الحرة، ترفض الاستسلام وتعيد تأسيس جيش في الخارج يحارب النازية ضمن الحلفاء، وتقود حركة مقاومة مسلحة في الداخل، وكان الاحتلال النازي قد حدث بعد هزيمة فادحة وفاضحة للجيش الفرنسي، وسط تخاذل مخجل من أغلب السياسيين الفرنسيين الكبار آنذاك.

أثبتت الأيام بسرعة صدق رؤية ديجول، سيما بعد أن أخذ الفرنسيون بنصيحته في أزمة عنيفة تالية جرت عام 1958، وقبلوا دستورًا رئاسيًا ينقذ البلاد من فوضى تناحر الأحزاب، وعدم استقرار الحكم، وسرعان ما استعادت فرنسا تحت القيادة الديجولية مكانتها بوصفها القوة الثالثة في الغرب، والقوة الرابعة في العالم.

إذا أخذنا بهذا المفهوم الديجولي للشرط الجوهري لنجاة الدول من خطر السقوط، وطبقناه على مصر، فأول ما يتبادر إلى الذهن أن الرئيس عبد الفتاح السيسي معه كل الحق في وصف دولتنا مرة بأنها “أشلاء دولة”، ومرة ثانية بأنها “شبه دولة”.

فالتعليم العام في مصر انحدر إلى الحد الذي جعلنا ضمن أسوأ خمس دول في العالم، أما القضاء فيصفه بعض أهله أنفسهم بأنه لم يعد بخير، دون أن أزيد شيئًا من عندي، ولا أظن أحدًا من القراء في حاجة إلى مزيد في هذه النقطة.

ولكن هل هذا ما يقصده الرئيس السيسي بحديثه عن شبه الدولة أو أشلاء الدولة المصرية؟

الرجل لم يوضح ما يقصده على وجه التحديد، كذلك فإن المناسبتين اللتين ورد فيهما هذان التعبيران على لسان رئيس الجمهورية لا يضيفان الكثير لإيضاح مقصده، فقد تحدث عن “أشلاء الدولة” في فبراير الماضي في مداخلة تليفزيونية لإقناع شباب “ألتراس النادي الأهلي” بفض تجمعهم سلميًا في ذكرى مقتل زملائهم في استاد بورسعيد عام 2012، وتحدث عن “شبه الدولة” منذ بضعة أيام في مستهل موسم حصاد القمح، في معرض حث المصريين على الصبر في انتظار الإنجازات الكبرى الموعودة في سياق تحويل ” شبه الدولة” التي ورثها إلى “الدولة” التي يريد بناءها.

وعليه فإن استخدام تعبير “أشلاء الدولة” في المرة الأولى كان في الأغلب مقصودًا به ترضية زملاء ضحايا استاد بورسعيد، وذويهم.

وفي المرة الثانية كان تعبير “شبه الدولة” يقصد به، غالبًا أيضًا، التبشير بوضع أفضل في المستقبل، بشرط التعايش مع المصاعب الحالية.

لكن هذا الاجتهاد من جانبنا في تفسير مقاصد الرئيس السيسي لا يحل المشكلة، فنحن لا نجد أمامنا تشخيصًا موثقًا ومعتمدًا من السلطة الرسمية نفسها للأسباب التي جعلت مصر أشلاء دولة أو شبه دولة، كما لا نرى أمامنا وصفة موثقة ومعتمدة من السلطة الرسمية لتحويل شبه الدولة أو أشلاء الدولة إلى دولة كاملة الأوصاف، ويتعذر إطلاق تعبير “وصفة الإنقاذ” على ما يسمى بـ”رؤية مصر 2030″، لأسباب كثيرة أهمها أنها استبعدت الشق السياسي بالكامل من التشخيص والعلاج، ثانيًا لأنها لم تتضمن تحديدًا دقيقًا وملزمًا لآليات تنفيذ وتمويل مشروعاتها الطموحة، وثالثًا لأننا وضعنا من قبل “رؤية لمصر عام 2020″، ورؤية لمصر عام 2000 تضمنتها وثيقة أقرها الشعب في استفتاء عام سميت ورقة أكتوبر، ومن قبل هذه وتلك جربنا رؤية “الميثاق الوطني” القائمة على “مضاعفة الدخل القومي كل 10 سنوات، وضمان الحرية، كل الحرية للشعب، ولا حرية لأعداء الشعب، على أن تكون الحرية طائرًا يطير بجناحين، هما الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية”، وفي الحالات الثلاث كانت السلطة واضعة الرؤية هي أول من يتخلى عنها، إذا واجهتها مصاعب بسبب أخطائها هي، مثلما تسبب النظام في هزيمة 1967 العسكرية، التي أوقفت خطط التنمية، وأنهت عمليًا التزام الدولة بمضاعفة الدخل القومي كل 10 سنوات، أو تتخلى السلطة عن رؤيتها إذا وجدت أن هذه الرؤية تقيد فردية القرار ومزاجية السياسة.

وفي الحقيقة ليس هناك ما ينبئ أن طبيعة النظام السياسي تغيرت، بحيث لا يتكرر في المستقبل ما حدث في الماضي، ويزداد هذا الفهم وضوحًا إذا تذكرنا جميعًا أن نظام الحكم، وليس غيره، هو من حوّل الدولة إلى أشلاء دولة أو إلى شبه دولة، سواء كانت البداية هزيمة 1967، كما أشار الرئيس السيسي في حديثه في تلك المداخلة التليفزيونية عن أشلاء الدولة، أو كانت البداية بعد ذلك، كما أشار الرئيس نفسه أيضًا أكثر من مرة إلى أن الرئيس الأسبق حسني مبارك ترك مصر خرابًا بلقعًا.

المعنى أن علينا تجاوز ما يسمى برؤية مصر عام 2030 إذا كنا جادين في تحويل شبه أو أشلاء الدولة إلى دولة، لنطالب أولًا بتقرير رسمي مفصل يشرح للمواطنين كيف ولماذا أصبحنا أشلاء دولة، بحيث يرصد التقرير الأخطاء، ويكشف نتائجها، ويحدد المسئوليات عنها، ويُدان “سياسيًا” على الأقل كل من شارك فيها، أو حض عليها، أو سكت عنها.

فليس منطقيًا أن يعترف رئيس الدولة أنه تسلم أشلاء دولة، ولا توضح لنا أجهزته كيف حدث ذلك، ولا يحاسب من تسببوا فيه.

وما دمنا قد بدأنا هذا المقال بحديث عن فرنسا، فلنضف هنا أن ديجول، رغم اطمئنانه لحالة التعليم والقضاء في البلاد، لم يتوان عن تقديم كل من قبل الاستسلام والهدنة مع ألمانيا أو تعاون مع الاحتلال النازي، إلى المحاكمة، علمًا بأنهم جميعًا كانوا ممثلي الحكومة الشرعية في ذلك الوقت، وعلمًا بأن رئيسهم كان القائد المباشر لديجول نفسه في الحرب العالمية الأولى، وكان بطلًا من أبطال فرنسا القوميين في هذه الحرب، وهو الماريشال فيليب بيتان، وعلمًا أيضًا بأن بيتان كان قد اقترب في ذلك الوقت من التسعين من عمره، ولكن ما كان على المحك في نظر ديجول، وبحق، هو شرف فرنسا القومي، ومستقبل الأمة الفرنسية في أوروبا والعالم.

فإذا أنجزت مصر مهمة شرح وفهم كيف تحولت إلى أشلاء دولة، وحددت المسؤولين عن ذلك، وأدانتهم، سياسيًا على الأقل، أمكن الانتقال إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة البناء من جديد على أسس “نظيفة”، لأن تشخيص الأخطاء سيمنع تكرارها، وإدانة المخطئين ستردع من تسول له نفسه استمراء الخطأ، ولتكن بداية المصارحة والإصلاح هي التعليم والقضاء، اقتداء بنجاح الرؤية الديجولية، فالتعليم يبني العقول والمهارات، والقضاء يحفظ الاستقرار والضمائر، ويضبط السلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بحفظه للحقوق.

وفي انتظار هذه اللحظة ، وهي آتية لا محالة، طال الزمن أو قصر، لأن المرور بها هو شرط تعافى مصر الوطن والشعب روحًا وجسدًا ومؤسسات، يجب ألا نهمل الممارسات القديمة والمستجدة التي يرفضها منطق “الدولة” وتسمح بها أشباه الدول، أو أشلاء الدول، فإن أمكن التخلص منها، فبها ونعم، وإن تعذر القضاء عليها، فليكن الوعي بها هو أضعف الإيمان.

من هذه الممارسات التواطؤ الرسمي والشعبي على قبول الواقع الفعلي المناقض لنظام الدولة كما تنص عليه القوانين، مدارس لا تعلِّم، مستشفيات لا تعالج، ضرائب لا تُحصَّل، ميزانيات لا يُلتزم بها، إلخ.

ومنها أيضًا التسليم بوضع مؤسسات بعينها وأشخاص بحيثيتهم فوق القانون والاستسلام لهذا،من مخالفات المرور إلى قروض البنوك، ومن عدم تنفيذ اﻷحكام إلى إحلال العرف الفاسد محل القانون في التوظيف وتخصيص الموارد، ومن تحكم المتعصبين في بناء الكنائس، إلى تحكمهم في الضمائر وتدخلهم في معتقدات الأفراد، ومن تغيير اشتراطات البناء لجباية الأموال، إلى التواطؤ مع التجار ضد الفلاح بعدم تسلم القمح بالسعر المعلن من قبل، ومن العجز أمام المستوردين على حساب الصناعة المحلية، إلى العجز عن استرداد المنهوب من الأموال والأراضي، إلخ.

ومن ممارسات أشباه الدول إقدام الدولة نفسها على تشجيع أنصار السلطة على “البلطجة” في أغراض الصراع السياسي، وهنا يلزم أن نتذكر دائمًا أن من أهم أسباب انهيار نظام الدولة المصرية في الفترة الليبرالية كان انجرافها إلى استخدام هذا السلاح الخطير، أي سلاح الخارجين عن القانون والبلطجية، في الصراع السياسي، وذلك عندما أنشأت حكومة الوفد عام 1936 فرق القمصان الزرق لردع تحرشات فرق القمصان الخضر التابعة لحزب مصر الفتاة، وفرق الكشافة الإخوانية، وهو ما جعل الحكومة الشرعية المنتخبة بأغلبية ساحقة طرفًا في العنف السياسي،خارج الشرعية القانونية، مما سهل على المتربصين في القصر الملكي إقالتها، وأدى إلى فشل ثورة التطلعات الوطنية الكبرى التي أعقبت توقيع معاهدة 1936، ووفاة الملك العجوز الرجعي فؤاد الأول، وتولي فاروق بشبابه ونضارته عرش مصر.

بل وكما ذكرنا من قبل، كان إقدام الملك فاروق على تشكيل الحرس الحديدي من بعض ضباط الجيش لاغتيال خصومه السياسيين، هو بداية إقحام الضباط في العمل السياسي، وهو ما تطور فيما بعد إلى الإطاحة بالملك نفسه، وبالنظام الدستوري كله.

كذلك من الممارسات التي لا تعرفها الدول، وإنما تقرها أشباه الدول أو أشلاء الدول، التساهل إلى حد الفساد مع تبديد أو اختلاس المال العام، والتصرف السلطوي بغير مراجعة في الثروة القومية، وكلنا نعرف ما حدث في تخصيص أراضي الدولة، أو بيع شركات القطاع العام، غير أني أضيف هنا مثلًا قد لا يتذكره كثيرون، فقد بح صوت المرحوم الدكتور رشدي سعيد أحد أكابر الجيولوجيين والمثقفين المصريين، وجف قلمه في تسعينيات القرن الماضي من تحذير مبارك ونظامه من تصدير الغاز المصري للخارج مهما تكن الإغراءات، لأن مصر ستعاني بعد سنوات من أزمة طاقة حادة، ولكن مبارك استخف بتحذيرات سعيد، أو لم يسمع بها من الأصل، لأن طبيعة نظامه لم تكن لتوصل إليه مثل هذه التحذيرات، ولأن طريقته في اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية لم تكن تخضع لأية معايير علمية أو ديمقراطية، ومضى يصدر الغاز، أو يهديه إلى إسرائيل وأسبانيا، ولكل من يريد، حتى نفد ما لدينا، وأصبحنا نتسول الغاز والبترول منذ أواخر أيام حكمه، أما أسعار التصدير ومصير عائداته فهي قصة شديدة الإيلام ومعروفة للكافة.

ربما لا يعلم كثيرون أن التطور الديمقراطي الذي وصل إليه العالم الحديث بدأ في أواخر العصور الوسطى بصراع الملك والنبلاء على تحصيل وإنفاق المال العام، وهو الصراع الذي سُوي في وثيقة العهد الأعظم أو الماجناكارتا البريطانية، وأن المحطات الكبرى التي مر بها هذا التطور في العصر الحديث كانت أيضًا بسبب الصراع على المال العام، فقد كان رفض ملك فرنسا وحاشيته لخفض نفقاتهم، ولفرض ضرائب على النبلاء ورجال الدين هو سبب الثورة الفرنسية، وكان رفض سكان المستعمرات البريطانية دفع ضريبة الشاي الجديدة لملك بريطانيا هو السبب المباشر في الثورة الأمريكية.

وهكذا تكرس في تقاليد وقوانين ودساتير وأعراف هذه الدول مبدأ قدسية المال العام، فما بالك بالثروة القومية!

لذا نعيد القول إن قدسية المال العام والثروة القومية من أركان الدولة التي تستحق وصف الدولة، أما عكس ذلك فهو من سمات أشباه أو أشلاء الدول.

هناك بالطبع ممارسات أخرى كثيرة متفشية في مصر لا تليق بالدولة غير ما ذكرنا، والجميع يضجون بالشكوى وأولنا رئيس الجمهورية نفسه، لكننا لا نملك مع الشكوى سوى محاولة فهم الأسباب، والاجتهاد في اقتراح الحلول، أما رئيس الجمهورية فيملك، أو يجب أن يملك، مع الشكوى والفهم الشامل للأسباب والاجتهاد الدائب في اقتراح الحلول، إرادة العمل والقدرة على التنفيذ، ولنجعل التعليم بداية الإنقاذ، ولو على سبيل خلق سابقة نجاح تقود إلى ما بعدها.

وجد ديجول بلدًا بها تعليم وقضاء بعد الاحتلال الأجنبي، فأمكنه استعادة كل ما ضاع، وأضاف إليه الكثير، ولكننا وبدون احتلال أجنبي نعيش في بلد يعترف بأنه أشلاء دولة في كل الميادين، فماذا ننتظر؟!

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد